ترجمات, فكر

الاتفاق النووي ومستقبل الثورة الإيرانية

19 مايو, 2015

5
مشاركة

إن جوهر الاتفاق النووي مع إيران هو رهان على الاتجاه المستقبلي للنظام الإيراني. وقد اتفق اثنين من الوزراء السابقين للولايات المتحدة الأمريكية، هما هنري كيسنجر وجورج شولتز،على صفحات صحيفة “وول ستريت جورنال” أن أساس المبررات لمؤيدي الاتفاق أو الصفقة هي أن إيران ستكون أقل عدوانية مما هي عليه اليوم و لمدة عشر سنوات. وهذا يعني أن الطرفان الإيراني والغربي سيوقعان الاتفاقية إذا ما صدق مثل هذا المسار الإيجابي.

وبعبارة أخرى، فإن مبعث الانتقادات للاتفاق الذي اعترض عليه كيسنجر و شولتز وكذلك غيرهم من النقاد الذين يرون أن ذلك من شأنه انتشار الأسلحة في المنطقة،  وكذلك التحقق من القيود المقترحة، وغير ذلك من المشاكل الصعبة التي يمكن أن تكون قابلة للحل..أن هؤلاء يشيرون بحق إلى سياسة إيران ضمن “عقود من العداء للغرب والمؤسسات الدولية ” وكذلك سجل واشنطن المشكوك فيه من حيث توقع مسار التحول الداخلي في أماكن مثل ليبيا والعراق وأفغانستان والتي أعطت أسبابا وافرة للشك فيما يتعلق بتوقعات المتفائلين حيال الاتفاق النووي.

لو كانت المسألة مجرد رمي “نرد” لمعرفة مستقبل إيران، لن يكون هناك أسباب وجيهة لاختيار الحذر على التفاؤل. ولكن كيف يمكن للصفقة نفسها أن تؤثر على المستقبل؟ ما تأثيرات القرار على السياسة الداخلية الإيرانية، وكيف ينبغي أن يؤثر ذلك في حسابات واشنطن؟ هذا يعتمد على الموقف الذي تجد فيه القيادة الإيرانية نفسها في الوقت الحالي.

لقد تم تأسيس النظام الإسلامي في إيران في نهاية السبعينات وأوائل الثمانيات بعد ثورة اجتماعية واسعة النطاق. هذه الحقبة شهدت موجة من هذا النوع من الثورات التي إجتاحت آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. كان التوجه الأساسي هو توفير حياة كريمة، وتحقيق الرخاء للدول والشعوب التي عانت من عمليات النهب إبان الحكم الاستعماري، والاستغلال الاقتصادي، والقمع الثقافي.

لقد شكلت الماركسية وقوداُ للعديد من هذه الثورات، ولكن نموذج الشيوعية السوفياتية حرر في النهاية العديد من الأفكار أن الماركسية يمكنها إيجاد حلولا فعالة للمشاكل التي يطرحها عدم المساواة في العالم.

في إيران، تجد  الماركسية قبولاً في المناطق الحضرية، والنخب المتعلمة وكذلك العمال، مما يجعل من حزب( توده أو الجماهير)  ذو التوجه السوفييتي حزب التنظيم السياسي الأكثر نفوذا في البلاد. وردا على ذلك، فقد قام المفكرين القوميين الإيرانيين مثل جلال آل أحمد، والثوريين الدينين مثل علي شريعتي، ورجال الدين مثل آية الله السيد محمود طالقاني بإنتاج البديل الإسلامي الإيراني كبديل واضح للماركسية. وقالوا أن الإسلام يمكنه ضمان نظام اقتصادي أكثر عدلا وأقل فسادا، ويخلق التماسك الاجتماعي، ويؤدي الي تمكين الإستغلال الثقافي والسياسي وتحقيق الذات. وكان من المفترض لهذا النظام توفير حلول متفوقة على الماركسية في دولة تعاني من مشاكل التخلف وإرث الهيمنة الأجنبية.

كانت الحشود التي أسقطت الشاه من أكبر الحشود في القرن العشرين. وكان من بينهم جماهير العمال والطبقة المتوسطة إلى جانب الشباب ذو التوجهات السياسية المتنوعة وطلاب المدارس الدينية. وساعد تسارع معدلات التضخم، وعدم المساواة الاقتصادية، وتباطؤ وتيرة النمو المتسارعة التي ميزت إيران في منتصف السبعينات الي إطلاق  شرارة الثورة. لهذا السبب، سعى الخميني وحاشيته، بدعم من المؤسسات التي أنشئت حديثا ،مثل الحرس الثوري، لوضع برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي من شأنه أن يستجيب لمطالب الحشود ومنع العودة الى الوراء نحو اليسار الماركسي. تحدث الخميني عن تطلعات الفقراء، وإنشاء مؤسسة لاستخدام موارد الدولة لمساعدة المحتاجين، والتي بدأت برنامجا واسع النطاق للإصلاح الزراعي وتأميم الصناعات الرئيسية والسياسات المستوحاة جزئيا من الوصفات الاقتصادية الماركسية.

من التغيير الداخلي إلي مكافحة الأعداء الخارجيين

كانت هذه الإصلاحات غير متسقة ولم تكن ناجحة. ومع الغزو العراقي في سبتمبر 1980 تحول تركيز النظام الإسلامي في طهران من التغيير الداخلي الي مكافحة الأعداء الخارجيين. وقد أدى الدعم المقدم للعراق في الثمانيات في بعض الأحيان من قبل كل من القوى العظمى إلي تفاقم الشعور بالحصار وإرساء الرسالة التبشيرية في الجمهورية الإسلامية.

منذ ذلك الحين، فإن التاريخ السياسي لإيران ظل في تذبذب مستمر بين الحشد ضد التهديد الخارجي ومحاولة انتباه النظام مرة أخرى إلى القضايا الداخلية. وعندما انتهت الحرب، كان الكثيرون يأملون أن النظام سوف يركز على المهام الداخلية، وخاصة إعادة البناء الاقتصادي. وتبلورت آمال الإيرانيين في انتخابات مثيرة للدهشة أتت بمحمد خاتمي في عام 1997، الذي حاول وضع أولويات الإصلاح الداخلي والحد من التوترات الدولية. لكن جهود محمد خاتمي واجهت معارضة كبيرة لأعداء الغرب ،مثل الحرس الثوري، ووهي معارضة كانت قادرة على الاستفادة من التوترات الخارجية المستمرة ضد الإصلاحيين. وفي رد فعل عنيف بلغت هذه المعارضة ذروتها في انتخاب محمود أحمدي نجاد في عام 2005 ، وهو أحد القادة المتشددين لدرجة أنه برر مخاوف العديد من المراقبين عن الطبيعة العدوانية للنظام الإسلامي.

السجل الأميركي سيء في توقع التحولات المحلية

تولدت من إدارة أحمدي نجاد شكوك منطقية فيما يتعلق بإمكانية الإصلاح في الجمهورية الإسلامية. وأشار كيسنجر وشولتز، والعديد من المراقبين ، الي أن  لدي الولايات التحدة الامريكية سجل سيء في توقع التحولات المحلية. وكانت مثل هذه التنبؤات خاطئة عن إيران في الماضي، وليس لديها ضمانات اليوم.

ومع ذلك، هناك سببان للتفاؤل الآن:

الوضع الاقتصادي في إيران، وبسبب العقوبات، تدهور إلى درجة أن الرئيس الجديد حسن روحاني انتخب بشكل كبير على منصة التحسن الاقتصادي. وحتى الآن يبدو أن المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي قد أيد روحاني بسبب موجة الاحتجاجات عام 2009 والتي أظهرت مدى هشاشة الوضع. ويظل خاتمي دائما  محط شكوك من قبل خامنئي، الأمر الذي جعل نجاحه أقل احتمالا بكثير. يبدو أن المؤسسة السياسية الإيرانية، سواء المحافظين أوالإصلاحيين، قد فهمت أخيرا أن النظام هو في ورطة حقيقية إذا لم يبدأ بتوفير إحتياجات شعبه.

السبب الثاني هوالصفقة في حد ذاتها إذ أنها تعطي روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف، وغيرهم أسباب ملموسة للقول أن إيران على وشك تحقيق ما يكفي من الاستقرار الدولي للسماح لها أخيرا لتحويل انتباهها إلى المهام الداخلية للثورة.

لقد أصبح الإصلاح الداخلي محور الخطاب السياسي في إيران أكثر من أي وقت مضى. وهذا المطلب ليس فقط من جانب المعارضة، لكن أيضا داخل الحوزات الدينية وبين مؤيدى النظام. هذا النقاش لا يقتصر على المجال الاقتصادي، هناك الكثيرون الذين يتساءلون كيف يمكن التعبير عن الحكم الإسلامي ثقافياً. كما وصف ذلك عباس ميلاني، مدير الدراسات الإيرانية في جامعة ستانفورد حول دور الإسلام في المجتمع ، في مقال نشر مؤخرا في مجلة “اتلانتيك”، حيث يقول أن إيران هي في خضم “الحروب الثقافية” ، وأن النظام مهموم بالحفاظ وإضفاء الشرعية على الحكم الإسلامي ، وأن النظام بأمس الحاجة إلي ذلك لإثبات أنه يمكن أن يوفر النمو الاقتصادي وإظهار أن الحكم الإسلامي لا يقود إيران الي الوراء مرة أخرى.

إيران يمكن أن تصل إلى نقطة مثل الصين في أواخر السبعينات. الظروف الاقتصادية البائسة، والإفلاس الواضح للمشروع الثوري، والتقارب مع الولايات المتحدة أعطي النظام الشيوعي في الصين آنذاك المتنفس الذي يحتاج إليه لتحويل اهتمامه إلى الشئون الداخلية. لم يتخلي الحزب الشيوعي الصيني عن السلطة، ولم ينكر علنا ثورته، مثل إيران، على الرغم من أن ثورتها قامت لإحداث تطور على الصعيد الداخلي والمواجهة الخارجية.

ويرى الكثيرون الآن أن معدلات النمو الاقتصادي الكبيرة هي المصدر الرئيسي لشرعية بكين. روحاني أيضاً صرح أن إيران لديها أن تختار بين العزلة الدولية والنمو الاقتصادي.

إيران لن تغير توجهاتها السياسية بين عشية وضحاها

وكما هو الحال مع الصين، لا ينبغي للعالم أن يتوقع من إيران تغيير توجهاتها السياسية بين عشية وضحاها. ومن المرجح أن يظل هذا التوجه كما هو عليه الحال في المستقبل المنظور. فطهران تدعم الكثير من الجماعات والتنظيمات  في جميع أنحاء المنطقة مثل حزب الله، وهناك الكثير من الحديث في إيران حول الموارد الموجهة إلى هذه المغامرات في الخارج وكيف يمكن استخدامها على نحو أفضل في الداخل.

هناك  ظاهرة مماثلة نمت في الاتحاد السوفياتي في أواخر الثمانيات، وهي أن الرغبة في الإصلاح الداخلي أدت إلى تخلي النظام تدريجيا عن التزاماته الدولية التقدمية. وعلاوة على ذلك، فقد إستطاعت الولايات المتحدة في التعامل مع العديد من دول الشرق الأوسط التي لها مصالح تتعارض معها ،وواشنطن لديها أكثر من سبب للتفاؤل فيما يخص التعامل مع  إيران أكثر من أي وقت مضى.

إن الاتفاق النووي مع إيران يمكن أن يكون خطوة هامة في دفع النظام مرة أخرى إلى التركيز على مهامه الثورية في الداخل. من خلال إعطاء بعض الضمانات  لإيران والتعاون في النواحي الأمنية فإن الولايات المتحدة يمكن أن تسمح لقوى الإصلاح لتشكيل مسار الثورة الإيرانية دون الحاجة الدائمة  للحشد ضد التهديد الأمريكي المفترض. ويمكن أن يعني ذلك إضعاف القوى الأكثر تشدداً في طهران وتمكين – ليس فقط بشكل سلبي – على أمل إحداث التغيير المطلوب.

نحن لا نزال نراهن، ولكن في هذه الحالة فان الرهان قد يكون في صالحنا.

التصنيفات:

الوسوم:

المصدر: مجلة ناشونال إنتريست
0
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2015