شريعة, فكر

فقه الحرية.. الباب الغائب (2-2)

18 فبراير, 2016

38
مشاركة

هل نستطيع بداية أن نجد لتلك الكلمة المحببة إلى القلوب – الحرية – أصلا قرآنيا على مستوى التركيب أو المعنى على السواء؟ وإذا كان القرآن والسنة كأصلين تعاملا مع هذا المفهوم بهذه الطريقة اللامتناهية من التكريس.. لماذا لم نر مثل تلك العناية من الفقه الإسلامي؟!!

فربما _فيما أعلم_ باستثناء ابن عاشور لم تقم محاولات حقيقية لتأصيل مفهوم الحرية فقهيا داخل أبواب الفقه؟ أم أن الفقه قد استخدم تعبيرات مناظرة أو تساوي  تعبير الحرية ؟

ومن باب القياس هل الرق السياسي يوزاي رق الرقاب القديم ؟ ولماذا لم يتم تطوير مفهوم الرقيق القديم ليشمل الرق السياسي؟ وهل نمط الملكية اختلف بحيث لم يعد فردا بل طبقة أو حزبا؟!!

ففي العالم الغربي كان إنهاء حالة الرق مرهونا بقوانين المواطنة والحقوق المدنية وليس فقط بوقف البيع والشراء، وعلى هذا لم ينته الرق عمليا في بعض الدول الا منذ عقود.

وامتدادا لتلك الأسئلة وفي سياق المصطلحات هل يمكن الحديث عن الديمقراطية دون ربطها بمنظومة  مقومها الأول وهو الحرية؟

هذه أسئلة ربما تليها مجموعات أخرى ينبغي البحث عن إجاباتها، فلا توجد في القرآن مقيدات أو شروط أو عوائق حول الإفصاح عن الرأي وطرحه للتداول، لا ينطبق هذا على الإنسان فقط، بل إن التأصيل القرآني طرحه في صورته اللامتناهية مع ألد أعداء الخالق جل وعلا إن صح التعبير وألد أعداء الإنسانية بالتبعية.. إنه إبليس.

وانظر الآيات التالية: “قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين* قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين* قال فاخرج منها فإنك رجيم* وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين* قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون* قال فإنك من المنظرين* إلى يوم الوقت المعلوم* قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين* إلا عبادك منهم المخلصين” (سورة ص، 75-83).

وانظر الحوار في قوله تعالى: “قال أنظرني إلى يوم يبعثون* قال إنك من المنظرين* قال فبما أغويتني لأقعدنَّ لهم صراطك المستقيم* ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين” (الأعراف، 14-17).

بهذه الحرية ذات السقف الفارغ من أي عوائق يفتح القرآن الأفق ليعلم البشرية أنها أعلى القيم التي يتوجب الحفاظ عليها فبدونها ينحط الإنسان في دركات الحيوانية.

إن كبت رأي الآخرين إثم لا يجوز للمسلم أن يمارسه، نعم هو كذلك لأن الكبت يعطل القوى والطاقات الإنسانية

وفي الإطار ذاته يفتح القرآن ما تبقى من عوائق متوهمة في عقول البعض حينما يجعل النص الإلهي موضوعا لتكريس الحرية، فيطرح على معارضيه ومناوئيه محاولة الإتيان بآيات أو سورة مثله أو من مثله في تحدٍّ يجعل النص المقدس ذاته موضوعا لممارسة الحرية: “وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين” (البقرة، 23). وتؤكد آية أخرى: “أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين”. (يونس، 38).

معنى ذلك ببساطة أن الله لم يطلب من المسلمين أن يكبتوا غير المسلمين، أو أن يحولوا بينهم وبين التعبير عن أفكارهم وآرائهم، أو أن يقدموا الدين على أنه أمر إلهي هكذا دون محاولة للفهم أو التعليل أو التدبر وإدراك الحكم الكامنة فيه!! بل طلب منهم أن يحاجوهم وأن يقدموا البراهين والأدلة على صحة ما يقولون..

معنى ذلك وببساطة أيضا أن المسؤولية تقع على المسلمين في إقناع غير المسلمين بالبرهان والحجة، ولا يجوز لأمة هذا نصها المقدس أن تتكاسل عن القيام بتبعة هذا الأمر، أو أن يستبدلوا الوصية هذه بكبت الآخرين وصدهم عن التعبير عنها مداراة على عجزهم وكسلهم العلمي.

قال تعالى: “يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا” (النساء، 174)، وقال أيضًا: “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين” (النحل، 125)، وقال: “قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون” (آل عمران، 64).

حسب هذه الآيات أرى أن كبت رأي الآخرين إثم لا يجوز للمسلم أن يمارسه، نعم هو كذلك لأن الكبت يعطل القوى والطاقات الإنسانية التي أودعها الله في عباده والتي تبرر تحمل مسؤولية الإنسان على ما يقول ويفعل، وإذا تم كبت الناس فإنه يتم حرمانهم من الاستماع لمختلف الحجج ووجهات النظر، ويحرمون من فرصة اختبار قوة آرائهم ومدى قربها أو بُعدها عن الحقيقة، مما يؤدي في النهاية لتوارث أجيال مشوهة تحمل اسم الدين دون جوهره ويفرح بعضهم بالعدد وبالكم على حساب الكيف!!

أمر آخر يتولد عن تلك الطريقة في التعامل مع الحرية، وهو فقدان الثقة في المجتع الذي يفرض كبتا على أفراده، فإذا فقد الإنسان فرصة التعبير فإنه يلجأ إلى العمل سرًا وتحت الأرض لصنع جو يستطيع معه أن يمارس طاقاته الإنسانية، وهو ما يعرض المسلمين وغير المسلمين إلى حالة عدم استقرار ونزاعات قد تكون دموية.

على كل حال، هذه مسألة من المفروض أنها محسومة ضمنًا في الخَلق من حيث أن الله خلق الناس وجعل حرية الاختيار مفطورة فيهم، والاختيار عبارة عن تعبير قد يكون كلاميًا أو يدويًا أو آليًا أو إيماءً. وهنا كذلك ينبغي أن نصوغ تلك الحقائق في سياق أسئلة صادمة تعيد العقل الشارد إلى نبع القرآن الصافي.

فنقول مثلا: هل يوجد في القرآن الكريم ما يشير من قريب أو من بعيد إلى ما يمكن أن يقيد حرية التعبير؟

وكيف نفهم الإشارات الكثيرة التي  تطلب من الإنسان أن يعبر عن رأيه ويجادل ويناقش حول أي موضوع يريد بلا سقف.. فالنص القرآني نفسه جعل من نفسه موضوعا للتحدي والنقاش.. وبالمناسبة فقد كسب الجولة ولم يستطع أحد من يومها وغلى أن تقوم الساعة أن يدخل حلبة التنافس عليه!! فازداد قوة ومنعة.

لا يحجرن بعضكم على بعض متذرعا بمتوهمات في عقله وينسبها زورا وبهتانا لهذا الدين

وهل الإنسان الذي يملك الحرية وهو مدعو من قبل القرآن أن يحاول تأليف سورة، وأن يحشد من يستطيع ويراه مناسبًا لإنجاز هذا التأليف هل يمكن أن يشرع الإسلام ما يقف حائلا أمام تلك الحرية التي اعلى سقفها لهذا النحو؟

ولماذا لم تكن تلك الآيات معينة للتدليل على حق التعبير دون أدنى نوع من الكبت أو القهر؟ والمسألة لا تقف عند هذا الحد، وإنما لدى الإنسان الفرصة للدفاع عن آلهة من دون الله يؤمن بها ويحاجج لإقناع الآخرين بها.

وكيف نفهم حديث القرآن هذا : “إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون” (البقرة)؟

بناء على هذا، هل يمكن الاستنتاج بأنه لا يجوز حجب الحقيقة عن الناس وأن الحقائق يجب أن تكون في متناول الجميع؟؟

وماذا يعني هذا على مستوى النشر والصحافة؟

وإذا كان الله قد أنظر إبليس وأعطاه الوقت ما دامت الحياة الدنيا قائمة ليفعل ما يراه مناسبًا بما في ذلك إغواء الناس الذين يُفترض أن يطيعوا الله ويتبعوا وصاياه، فهل من الممكن أن تكون هناك تقييدات على حرية الإنسان في التعبير؟

ألم أقل إنه الباب الغائب عن طريقة تفكير المسلمين على مستويات شتى؟! ألم أقل إنه أصل كل بلية يمكن أن تعيد الإنسان إلى عصور من التخلف والجهل وما يكتنفه من سوءات الإنسانية؟!

أطلقوا الحرية فلستم أوصياء على البشر.. استمتعوا بما ارتضاه ربكم لكم من أفق فسيح لا سقف له، لا يحجرن بعضكم على بعض متذرعا بمتوهمات في عقله وينسبها زورا وبهتانا لهذا الدين وهو منها براء… تحرروا ففي الحرية إنسانيتكم.

 

 


التصنيفات:

الوسوم:

0
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016