كتب

روح الديمقراطية

قراءة في كتاب : روح الديمقراطية.. الكفاح من أجل مجتمعات حرة لـ”لاري دايموند”

17 يوليو, 2016

170
مشاركة

نشرت الشبكة العربية للأبحاث والنشر ترجمة رصينة لكتاب (روح الديمقراطية ،الكفاح من أجل مجتمعات حرة) لمؤلفه عالم السياسة الأمريكي المختص بالتحول الديمقراطي “لاري دايموند”، ويؤكد المؤلف أن كتابه يأتي للإجابة عن السؤال الجريء:هل بإمكان العالم برمته أن يصير ديمقراطيا؟ هل بالإمكان فعلا بناء مجتمعات حرة وديمقراطية عبر العالم؟ لبلوغ هذا الهدف لابد من خلق شيء يتجاوز البنيات السياسية الجديدة، فيولد مبادئ جديدة كما عبر عن ذالك غاندي”تغيير على مستوى القلب”.

ستكون البنيات الديمقراطية مجرد واجهة إذا لم يول الناس المبادئ الأساسية للديمقراطية اهتماما خاصا، وهي:السيادة الشعبية، ومسئولية الحكام، والحرية، وحكم القانون، ولكن هل روح الديمقراطية محصورة فقط إلى حد كبير في الثقافة الغربية، أم أنها مبدأ وطموح منتشران؟”

كيف نصف بلد ما بالديمقراطي؟ يرى المؤلف أننا حينما نتحدث عن الديمقراطية، علينا أن نتوق إلى تحقيقها على مستوى عال لتبلغ الأبعاد العشرة السميكة، وعندما تتحقق هذه الأبعاد بحجم كبير آنذاك يمكننا أن نسمي نظاما بكونه نظاما ديمقراطيا ليبراليا وبقدر ما تتقلص هذه الأبعاد بشكل كبير اعتبرت الديمقراطية -هذا إن وجدت أصلا- غير ليبرالية.

أما إذا كانت هناك انتخابات منتظمة ذات تعددية حزبية، ووجدت إلى جانبها مؤسسات رسمية أخرى تمثل الديمقراطية مثل التجمع الوطني، ونظام المحكمة، والدستور ونحو ذلك، لكن الشعب عجز عن تنحية زعمائه من السلطة عبر الاقتراع بسبب تلاعب النظام بنتائجه، فسيحكم الدولة نظاما ديمقراطيا مزيفا.

  هل الديمقراطية ترف؟

بطبيعة الحال يمكن صرف النظر عن هذه الفكرة باعتبار أن هذا النوع من الديمقراطية هو نتاج حماسة مؤقتة أو نتاج انتشار سطحي، أو تنازل مؤقت للضغط الدولي. من هذا المنظور، يمكن للديمقراطية أن تنتشر في أي مكان، لكن لا يمكنها أن تتعزز وتدعم في أي مكان. حيثما فقدت الديمقراطية قيمتها الحقيقية من لدن الشعب، لن يكتب لها الظهور، وإن ظهرت سرعان ما تزول.

من المؤكد أن الديمقراطية ضعيفة وتعاني صعوبة شديدة في العديد من الدول الفقيرة وبعض الدول ذات الدخل المتوسط. لكن في معظم هذه الدول تتعلق مشاكل الديمقراطية فيها بنقائص النخب وخياناتهم أكثر مما تتعلق بلا مبالاة الشعب أو آرائه الاستبدادية.

في الواقع، ثمة حجة قوية تفيد بأن الديمقراطية ليست بذخا بالنسبة إلى الفقراء، وإنما هي ضرورة.إن “أمارتيا سين” حصل على جائزة نوبل للاقتصاد للعام 1998 بفضل توصله جزئيا إلى فكرة أن الدول الديمقراطية لا تعاني حالات المجاعة. يرجع هذا إلى رفع التدفقات الحرة نسبيا للمعلومات في دولة ديمقراطية ما من مستوى حالة الطوارئ الغذائية(وحاجيات أخرى) ومن ثم”فإن الشعب الذي هو في حاجة اقتصادية يحتاج أيضا إلى صوت سياسي. إن الديمقراطية ليست ترفا ينتظر قدوم ازدهار عام إن ثمة دليلا ضعيفا جدا على أن الشعب الفقير يفضل إلغاء الديمقراطية إذا ما خير بشأن ذالك”.

                                                 الموجة الثالثة للدمقرطة       

شكل انتصار الديمقراطية في البرتغال انطلاق الديمقراطية السياسية في مختلف مناطق العالم وهو ما أطلق عليه هانتغتون اسم الموجة الثالثة من التوسع الديمقراطي في العالم. كما يؤرخ للموجة الطويلة الأولى للديمقراطية عام1828م بالتزامن مع انتشار الانتخاب الديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية في بداية العشرينيات من القرن  الماضي،وصعود موسوليني إلى سدة الحكم في إيطاليا وظهور موجة عكسية ثانية.

بعد ذلك بدأت موجة ديمقراطية ثانية مع انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية واندماج مجموعة من دول أمريكة اللاتينية وبعض الدول التي حصلت على استقلالها حديثا(خاصة المستعمرات البريطانية السابقة).لكن بحلول عام1962م، انطلقت موجة عكسية ثانية أفضت إلى قيام حكم عسكري وحكم الحزب الواحد، وإلى الإبقاء حصريا على دولتين ديمقراطيتين في أمريكا الجنوبية.

لقد انطلقت الموجة الثالثة من الديمقراطية عقب الإطاحة بالدكتاتورية في البرتغال عام1974م، وكان يوجد حينها في العالم قرابة أربعين دولة ديمقراطية، أغلبيتهم من الدول المصنعة المتقدمة. منذ ذالك الحين توسعت الديمقراطية بشكل مثير.

لقد أثر التحول الديمقراطي في البرتغال وإسبانيا على الساحة السياسية في أمريكا اللاتينية التي كانت تعيش تحت ضغط الحركات الشعبية الملحة بشكل متزايد.

وفي حدث مهم ينذر بالتطور الذي شهدته المنطقة حدث انهيار النظام العسكري الديكتاتوري في الأرجنتين سنة1980، وعقب غزو غير محسوب العواقب في جزر افوكلاند وهزيمته النكراء أمام القوات البريطانية.

 

وفي الوقت نفسه شهدت البرازيل فترة من الانفتاح على الحكم المدني بعد عقدين من الحكم العسكري وتم استكمال الانفراج السياسي في البرازيل في يناير1985، وعقب فوز زعيم المعارضة “تانكرإيدونيفيس” بالانتخابات الرئاسية على الرغم من الإجراءات المساندة للحكم العسكري واستمرت عملية التحرير بعد تبني دستور جديد اكتوبر88م.

وفي سنة 86 حدثت معجزة قامت المعارضة الفلبينية في”ثورات قوى الشعب”خلال الموجة الثالثة، بتعبئة المجتمع بتكتيكات الكفاح السلمي من أجل خلق شرخ في النظام، ومن ثم الإطاحة بالدكتاتور. في نوفمبر85 كان الرئيس ماركوس ينشد تعزيز شرعيته الضعيفة من خلال الدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة بعدما خضع لضغوط محلية ودولية متزايدة جراء نهبه للدولة، وأعلن ماركوس عن انتخابات مفاجئة بغية استرجاع الثقة إلى حكمه، معتقدا إمكان كسبية الرهان بأول انتخابات لشعبيته وبسبب إدعاء كل من ماركوس وأوكينو فوزهما بالانتخابات دعت أوكينو إلى عصيان مدني ومقاطعات، وإلى أشكال أخرى من الاحتجاجات السلمية للإطاحة بالمغتصب وإصلاح القادة العسكريين الطائعين الذين ارتدو عن ماركوس واعترفوا بأوكينو رئيسة منتخبة بشكل شرعي للبلاد.

الانفجار الثاني للموجة الثالثة   

 لقد طبع  الخط الفاصل بين مرحلتي الموجة الثالثة أحداث عام 1989. في واقع الأمر، كانت التغييرات التي شكلها سقوط الشيوعية في أوروبا الشرقية عميقة جدا إلى درجة أن بعض الدارسين دعوا المرحلة الموالية من الديمقراطية”الموجة الربعة”.

انتشر التوجه الديمقراطي في العالم انطلاقا من أوروبا الغربية إلى أمريكا اللاتينية ومن ثم إلى آسيا،ولكن لم يشمل مناطق أخرى. وبقوة مفاجئة ومرعبة أصبحت عشرون في المائة أخرى من دول العالم ديمقراطية بحلول عام1994.

 

إن التغييرات المذهلة التي شهدتها أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي لها تأثير مباشر في أفريقيا، ففي فبرار1990 أسس حدثان لحركات شعبية أصبحت تعرف بالحركات التحررية الثانية. ففي بنين، أعلن ائتلاف قوى في المجتمع المدني من جانب واحد عن”سيادة”نفسه بنفسه، واستولى على السلطة التي انتزعها من الجيش الماركسي الذي حكم البلاد لمدة تزيد عن ثماني عشرة سنة، معلنا عن التحول إلى الديمقراطية.

انهزم الديكتاتور ماثيو كيريكو في انتخابات 1991، وتخلى عن منصبه ليعود إلى الانتخابات القادمة بعد مرور خمس سنوات. لقد اكتسحت باقي دو القارة الإفريقية موجة من الأنظمة المنفتحة ومطالب واسعة تنادي بديمقراطية تعتمد التعددية الحزبية، مستلهمين بذلك من هذه التحولات ومشمئزين من القمع والفساد والإفلاس الاقتصادي والأخلاقي لحكم الحزب الواحد.

لقد اضطرت الدول الإفريقية – على الأقل – إلى أن تقنن أحزب المعارضة، وتسمح للمجتمع المدني بأن يتمتع بحرية أكبر تحت الضغط الشديد الذي مارسته الدول المانحة وكذا شعوبها عليها.

وفي منتصف التسعينات، شهدت فجأة قارة من القارات كانت تعرف بشكل رئيس بحكمها العسكري وحكم الحزب الواحد والديكتاتورية الشخصية بريقا من السياسة الديمقراطية.

 

  كيف حدثت الموجة الثالثة؟   

يعدد “لاري دايموند” في كتابه “روح الديمقراطية” مجموعة من العوامل ساهمت وتساهم باستمرار في ترسيخ الانتقال الديمقراطي:

أولا:سرعة التفاعلات بين السياسيين الديمقراطيين والحركات المدنية ونسج علاقات تضامن جهوي ودولي.

ثانيا:الطابع التفاوضي كما حدث في إسبانيا وأمريكا اللاتينية وجنوب إفريقيا.

ثالثا:في جل التحولات حتى تلك التي تدار من فوق لعب المجتمع المدني دورا حاسما في تجنيد وتوجيه الضغط الشعبي لتحقيق التحول الديمقراطي لإحداث انقسامات داخل النظام الشمولي بين المتشددين والمعتدلين.

رابعا:العملية الانتخابية إذ تعد الديمقراطية نظاما يمنح السلطة من خلال الانتخابات، لكن كما لاحظ هانتغتون في إحدى تحليلاته أن سمة من السمات المذهلة للتحولات الديمقراطية في هذه المرحلة هو الانتظام الذي من خلاله غالى الزعماء الشموليون في إمكانية فوزهم بالانتخابات.

إن الانتخابات التنافسية المتكررة في إفريقيا تميل إلى إحداث تحسينات في مجال الحرية بشكل متدرج حتى ولو كانت غير حرة ونزيهة، حسب ستيفن ليند بورك فإن الانتخابات التنافسية رفعت من مستوى الوعي الديمقراطي لدى المواطنين.

 

 

 

 

التصنيفات:

0
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016