فكر

الأسباب الخمسة لفشل انقلاب تركيا

17 يوليو, 2016

77
مشاركة

لا يبدو أن العسكر يتعلمون، ولا يبدو أنهم يدركون حركة التاريخ التي تتغير بتغير وعي الشعوب واعتيادها الحرية التي لا يمكنها أن تتخلى عنها بسهولة..

خمس ساعات هي العمر الحقيقي لمحاولة انقلاب فاشلة قادها عسكريون أتراك ضد نظام العدالة والتنمية الذي جاء عبر انتخابات حرة نزيهة شهد لها الجميع.. معارضة وموالاة..
مواقف سريعة، ولقطات أسرع، وقرارات قوية، أسهمت مجتمعة في إفشال تلك المحاولة، التي اظنها مع ردات فعلها وما سيعقبها من قرارات بشأن القائمين بها ستكون درسا قاسيا ربما يمحو إلى الأبد فكرة الانقلابات داخل تركيا التي أنت لعقود طويلة من ويلاتها..
وفي محاولة للبحث عن أسباب الفشل لتلك المحاولة الانقلابية التركية تبرز أمامنا خمسة أسباب أسهمت وبشكل حصري في هذا الإفشال، بل وعجلت منه، وجعلته ربما أقصر انقلاب يشهده العالم اجمع!

سذاجة المنقلبين

وهذه أهم الأسباب تأثيرا على المستوى العملي… فأي انقلاب هذا الذي يتم بلا حسابات صحيحة في اختيار توقيته على الأقل، فهو يوم عطلة رسمية، وفي ساعات وسيطة تكاد تكون أول الليل، مما سيتيح للجماهير المتابعة وربما الإسهام بشكل فاعل في ردات الفعل التي تحدد المسار بل والنهايات..!!
وأي انقلاب هذا الذي يترك رموز السلطة المنقلب عليها أحرارا طلقاء.. يغردون عبر مواقع التواصل، ويخرجون على الشاشات ليحرضوا الجماهير على النزول وإعلان رفضهم لتلك المحاولة!!
وأي انقلاب هذا الذي يتخذ قرارا مصيريا كهذا دون إعدادا القوة اللازمة لمواجهة كل الاحتمالات وقطع الطرق بمعدات ثقيلة أمام حركة الجماهير المتوقعة!
وأي انقلاب هذا الذي يتعامل مع الإعلام عبر بيان يرسله بالايميل، ثم حينما يريد إعلان بيانه لا يجد إلا القناة الرسمية تاركا كل القنوات الخاصة المؤثرة في الرأي العام حرة طليقة!!
وأي انقلاب هذا الذي يتحرك دون تنسيق مع ظهير سياسي مدني يحميه ويوفر له غطاء يضفي عليه نوعا من الشرعية التي تفتقدها كل الانقلابات العسكرية!!
كما قلت.. هذا اهم أسباب فشل تلك المحاولة على الإطلاق، وربما كان التسرع في القرار وعدم التنسيق بين القيادات الكبرى المؤثرة، ووجود قيادات في اماكن حساسة تابعة لحزب العدالة والتنمية، كلها مجتمعة ادت لتولي هذه المجموعة الساذجة لتلك المحاولة الفاشلة!!

ثبات القيادات التركية وحسن إدارتها للازمة

وهذا في مقابل السابق هو ما صنع الفارق… فمنذ اللحظة الاولى بدت جليا حالة من الثبات الانفعالي الذي كسى ردات فعل القيادات السياسية والميدانية داخل الرئاسة والحكومة..
فرئيس الحكومة يغرد عبر تويتر ويؤكد بمعلومات يقينية وليس بكلام مرسل أن من قاموا بتلك المحاولة هم مجموعة خارجة عن القانون وليس من بينها قيادات كبرى من المؤسسة العسكرية، وان الأمر في سبيله لأن يعود إلى طبيعته..
ثم يخرج أردوغان من مقره “الآمن” عبر اسكايب ليؤكد ذات الكلام، ويصنع الفارق بدعوته الجماهير للنزول، باديا عليه الثبات والثقة بصورة كبيرة…
ثم نرى المسئولين الأتراك واحدا تلو الآخر يؤكدون المعنى ذاته، فيخرج وزير الدفاع، ويخرج قائد الجيش الأول، ويخرج مجموعة من مستشاري الرئاسة، ومجموعة من الوزراء، ورئيس البرلمان، ما اعطى ثقة كبيرة للجماهير وشجعها على النزول وإجابة دعوة أردوغان..
حسن إدارة الأزمة هو أقصر طريق لحلها، والثبات الذي يكون عليه المسئول وقت أزمات كتلك هو ما يصنع الفارق الكبير بينه وبين غيره، فاتخاذ القرار يكون في جزء من الثانية، وهو ما يحتاج لرؤية وبصيرة وحنكة سياسية.. توفرت كلها لقيادات العدالة والتنمية رئاسة وحكومة، وقيادات ميدانية استطاعت أن تخرج الجماهير في هذا الوقت القصير.

الوعي الشعبي

وهذا من أهم الأسباب على الإطلاق… فالشعوب هي التي تحدد مصائرها في لحظات فارقة.. إما أن تتحلى بالجسارة والإقدام وتثبت انها جديرة بالحرية والديمقراطية، وإما أن يسيطر الخوف المرضي عليها فتدخل نفسها في غياهب التاريخ بيدها لا بيد المنقلبين!!
وقد كان الشعب التركي على موعد مع امتحان صعب من هذا النوع المصيري.. قيادته المنتخبة ديمقراطيا تستغيث به ليحمي مكتسباته، والأخبار تتوالى عن انقلاب يكاد يسيطر ويتمكن بقوة السلاح، وهو بين الخوف على حريته، وبين الخوف على حياته إن هو نزل ليواجه الآلة العسكرية التي لم يكن قد عرف حجمها ولا نيتها بعد!
امتحان صعب، واختبار تاريخي حاسم، لكن الاتراك أثبتوا أنهم على قدر المسئولية، عشر دقائق فقط بعد دعوة أردوغان لتبدأ الحشود في التوافد على الساحات الكبرى وفي الميادين، وفي مطار أتاتورك تحديدا كما دعاها أردوغان..
كانت تلك الحشود هي اللحظة الحقيقية لإعلان شهادة وفاة هذا الانقلاب، الذي أثبت الشعب التركي بوعيه وجسارته أنه جدير بهذه النهضة الديمقراطية والاقتصادية والسياسية التي تحققت على يد العدالة والتنمية… ولا عزاء لشعوب استمرأت صناعة الفراعين والمستبدين!!

المعارضة النزيهة

نعم نزيهة.. نعم أثبتت أنها على قدر بلد بحجم تركيا، تاريخا وواقعا، اختلف معها أيديولوجيا كما تريد، لكنك لا تملك إلا أن ترفع لها القبعة احتراما لموقفها المشرف، المنحاز للقيم العليا بعيدا عن الاختلافات حتى الأيديولوجية..
تلك المعارضة التي لم تشأ أن تكون محللا شرعيا لمجموعة من الخونة المنقلبين عسكريا على نظام ديمقراطي منتخب!
تلك المعارضة التي أعلت القيمة فوق الأيديولوجيا، أعلت الحرية فوق الحزبية، أعلت المبدأ فوق الاشخاص، أعلت تركيا فوق مصلحتها السياسية!!
وأهم ما في موقف المعارضة التركية بمختلف أطيافها القومي والعرقي وغيره هو توقيت إعلانها، فلم تنتظر لترى أين ستميل الريح لتميل معها، ولم تنتظر لترى مواقف القوى الدولية لتتناغم معها.. مطلقا، وإنما ومن خلال متابعتي الدقيقة للانقلاب لحظة بلحظة كان التوقيت أكثر من رائع، حيث بعد إعلان الانقلاب بيانه بلحظات تتوالى الاتصالات على رئيس الحكومة التركية من قادة الاحزاب جميعها لتؤكد أنها ستقف بجانب الخيار الديمقراطي للشعب التركي، وأن الاختلافات السياسية والحزبية لا تمنع مطلقا من الوقوف بجانب الشرعية واختيارات الشعب! ولا عزاء لدمى العسكر في بعض أقطارنا العربية.

امتلاك العدالة والتنمية لجناح أمني كامل تابع له ولاءً

وقد جعلته آخر الأسباب لأؤكد على أن القوة وحدها مع أهميتها القصوى لا يمكنها تغيير المعادلة بغير ظهير شعبي واع بمكتسبات المرحلة، وبغير مواقف سياسية داعمة، وبغير رفقاء من المعارضة قادرين على التفرقة بين الممارسات الديمقراطية التي يسع الخلاف فيها الجميع وبين لغة القوة التي إن استحكمت فسيذوق الجميع ويلاتها..
نعم .. القوة التي امتلكها العدالة والتنمية المتمثلة في جهاز الشرطة وجهاز الاستخبارات وفرع القوات الخاصة بالجيش صنعت أيضا فارقا في المعادلة، وأجبرت بعض الجنود والقيادات الوسيطة المشاركة في الانقلاب على الاستسلام، وجعلت موازين القوة على الأرض تتحرك سريعا في اتجاه الرئاسة والحكومة!
أيضا من مكاسبها أنها جعلت بعض قيادات الجيش التي انتظرت لترى كيف ستسير الامور تسارع لإعلان ولائها الكامل للرئاسة والحكومة، لأن القوة جزء مهما من أي معادلة لكني مصر على انها لا تكفي وحدها، بل يمكن أن تكون وبالا على الوطن كله!

التصنيفات:

الوسوم:

0
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016