فكر

إنقلاب سعيد..سلطان إردوغان

17 يوليو, 2016

3.2K
مشاركة

مثلما أثبت التاريخ أن القائد المستبد أو الرئيس الطاغية مهما تمادى في ظلمه وتجاهله لشعبه ،سيأتي اليوم الذي يقتص منه ،أثبت الانقلاب في تركيا – بما يدع مجالا للشك- أن الشعب إذا ما التف حول قائده فلا تستطيع أي قوة في العالم الفصل بينهما.

على الرغم من أن تركيا ليست دولة في المحيط الإفريقي أو العربي ،إلا أنها شهدت عدة انقلابات عسكرية ،وليس هذا الانقلاب الاول الذي تعرفه ،فقبله شهدت 4 انقلابات 3 منها مباشرة في الأعوام 1960، 1971، 1980، وانقلاب غير مباشر في العام 1997 عندما تم توجيه انذار لرئيس الوزراء نجم الدين أربكان فاستقال بعد أشهر معدودة.
لكن هذا الانقلاب الأخير ،حتما هو أسعد انقلاب عسكري تعرفه تركيا في تاريخها ،لأنه أبقى على رئيس دولة لديه من الشعبية والكاريزما ،ما لم يملكه أي زعيم تركي آخر منذ عهد أتاتورك ،كما أثبت هذا الانقلاب أن الشعب التركي شعب متمسك بالنهج الديمقراطي ولا يريد العودة لسلوكيات الماضي ،وقد ظهر ذلك حتى في موقف المعارضة من الإنقلاب ،حين رفضت استغلال الفرصة و ركوب دبابة العسكر للانتقام من إردوغان ،على الرغم من الخلافات الكثيرة التي تواجهها مع الرئيس التركي.

علم مسبق أم تواطؤ؟

عندما نتحدث عن الانقلاب في تركيا ،يجب أن نعود إلى الوراء قليلا ،ليس إلى سرد تاريخ تركيا مع الانقلابات وسطوة الجيش ،أو إلى رصد سلوك القوى الكبرى مع الدولة التركية وعلاقات الجذب والنفوذ التي حكمت الطرفين لعدة عقود من الزمن..

يجب أن نعود إلى الوراء قليلا فقط ،قبيل الانقلاب بأيام وليس بأشهر أو سنوات حول دلالات الخطوات الغربية إبان الانقلاب الفاشل في تركيا كإصدار أمريكا بيانا وصفته شبكة “سي إن إن” بأنه يحذر الرعايا الأمريكيين من ما وصفه بـ”انتفاضة الجيش” (الثورة) قبل أن تغيرها لاحقا ،وكذلك اغلاق السلطات الفرنسية لسفارتها والقنصليات التابعة لها في تركيا قبل 3 أيام من محاولة الانقلاب ،كما تم إلغاء احتفالات كانت مقررة في إسطنبول بمناسبة العيد الوطني في 14 يوليو .

باريس قالت أن ذلك “لدواع أمنية!!” ،والسبب صحيح مائة بالمائة ،لأنه عقب إعلان السفارة الفرنسية إغلاق سفارتها وقنصليتها في إسطنبول الأربعاء ،بدأت قوات خاصة من الأمن التركي ،التجول يوم الخميس، في شارع “الانقلاب” -عفوا – شارع الاستقلال.
ألا يجدر بنا أن نتساءل هل كان لبعض الدول الغربية علم مسبق بتوقيت الانقلاب ،وهل كان بعضها متواطئا فعلا مع الانقلابيين؟

وعلى غرار فرنسا طلبت دول غربية أخرى من رعاياها قبل أيام مغادرة تركيا على الفور وعدم السفر إليها دون توضيح الأسباب. كما أن الاتهام المباشر لجماعة فتح الله غولن بالوقوف وراء المحاولة الانقلابية في تركيا يعني بطريقة غير مباشرة أن أمريكا قد تكون متورطة في الموضوع.
وعلى العموم ،إذا ما كان هناك تواطؤ غربي في انقلاب تركيا ،فسيظهر الجزء الأكبر منه في المستقبل القريب ،إردوغان لا يمكن أن يسكت على هذا ،وسيستغل الأمر لتمرير سياساته الدولية والضغط على بعض الجهات لتحقيق مكاسب اقتصادية أيضا.

لماذا فشل الانقلاب؟

كثير من المحللين وخبراء السياسة الدولية ،حاولوا بعد الانقلاب مباشرة تحليل أسباب فشل الانقلاب على الرئيس إردوغان في تركيا ،ورغم الاختلاف في تفسير الحادثة لدواع سياسية أو إخوانية أو عسكرتارية ،بوصفها “انقلابا” أو “مسرحية إردوغانية” فإن الجميع اتفقوا على أن فشل الانقلاب سببه ما يلي:

– محاولة الانقلاب افتقدت إلى عنصر المفاجأة ،لأن الفكرة متواجدة في الأجواء التركية منذ سنوات ،خاصة في ظل السياسات التي يتبعها أردوغان.
– استقرار النظام السياسي لأردوغان ،كان أحد العوامل المهمة في فشل الانقلاب.
– عدم انضمامه كل قيادات الجيش إلى الانقلاب بسبب الانقسام داخل المؤسسة العسكرية، حيث ظل الجزء الأكبر مواليا للرئيس إردوغان ،بل خرجت بعض قوات الجيش للدفاع عنه.
– بقاء أردوغان حرا، فلو تم إلقاء القبض عليه، لما تمكن من إجراء الاتصالات والتواصل مع الشعب، وإرسال رسائل الاستغاثة لإنقاذه ،كما أن قوات الجيش لم تكن لتخرج للدفاع عنه.
– المفاجأة الكبيرة المتمثلة في قوة الاستجابة لاستغاثة أردوغان ،حيث خرج الشعب وواجه قوات الجيش المتمردة ،ولم يكن ممكنا إطلاق النار على تلك الحشود الكبيرة.
– تجمع مؤيدي أردوغان في إسطنبول التي تتميز بأن الملايين من سكانها هم من الأنصار الطبيعيين لأردوغان، ولذلك لم يكن متوقعا أن يحقق القسم المتمرد من الجيش أي نجاح أكثر مما فعله. وأيضا في أنقرة حيث إن الشعب التركي هو الذي استعاد السيطرة على مطار أتاتورك ومبنى التلفزيون والإذاعة من الجيش.
– شعبية وقوته إردوغان أحد أسباب فشل الانقلاب ،فهو الوحيد الذي نجح في مواجهة رموز بالدولة لم يجرؤ أحد من قبل على الاقتراب منهم واعتبروا أنفسهم أوصياء على الدولة التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك.
– تم التخطيط للانقلاب باستخدام دليل تكتيكات عسكري يعود للسبعينيات ،وكان منطقيا جدا أن يفشل أمام تكنولوجيا القرن 21 وقوة الشعب.

مستقبل تركيا

وسائل التواصل والاتصال الاجتماعي التي ساهمت خلال ما سمي بالربيع العربي في الإطاحة بقادة وزعماء عرب كبار ،هي نفس الوسائل التي أنقذت تركيا اليوم من سطوة الجيش والانقلاب على “الزعيم” إردوغان ،الذي اتهم مرارا بالتدخل في وسائل التواصل الاجتماعي ومحطات التليفزيون ،لكن استخدامه لتكنولوجيا الاتصالات الحديثة بفطنة لإيصال رسالته لنحو 80 مليون من الجماهير ،وضع حدا لتحرك الانقلابيين وأفشل مخططاتهم. وهذا يعني أمر آخر أيضا يحسب لإردوغان ،وهو أن الرجل لم يكن مفصولا عن شعبه ،بل أبقى على علاقة متواصلة مع فئات الشعب التي حفظت له ذلك وكانت في الموعد عندما احتاج إليها.

فالرئيس التركي على الرغم من أنه أثار استياء في بعض الأحيان بسبب طريقة تعامله مع المعارضين ،التي تتسم غالبا بالقوة ،لكنه أثبت أنه يتمتع بدعم قوي وواسع في أوساط الجماهير ،والنتيجة التي آل إليها الانقلاب ستُحكم قبضته أكثر على أطياف المعارضة في الداخل والخارج ،وقد تكون سببا في رسم معالم النظام السياسي لمستقبل تركيا الذي سيحمل الملامح الآتية:

– ستزداد شعبية إردوغان بنسبة كبيرة جدا ،وسيحقق نجاحا منقطع النظير في المواعيد الانتخابية والسياسية المقبلة.
– الدولة والمؤسسات التركية ستعرف تماسكا أقوى في بنيتها السياسية والاقتصادية.
– العسكر سيفكرون ألف مرة قبل الخطوة المقبلة والتي لن تكون قبل 150 سنة
– إردوغان سيضرب كل العصافير التي في الشجرة (الجيش والقضاة والمعارضة..) وسيسرع في وتيرة الإصلاحات السياسية التي يريدها.
– بعض الدول الغربية التي راهنت على الانقلاب ستعيد حساباتها من جديد.

عموما وبالنظر إلى الدور الإقليمي والدولي الذي تلعبه تركيا ،فإن نتائج فشل أو حتى نجاح الانقلاب ،سيكون له آثار استراتيجية مباشرة خاصة ما يتعلق بالأزمات الإقليمية في سوريا والعراق وقضية الأكراد..وبالتالي أي زلزال يكون مركزه تركيا حتما ستعرف توابعه في الدول المجاورة ،وأيضا الدول التي لها عوامل مشتركة مع تركيا سواء كانت هذه العوامل سياسية أو اقتصادية أو دينية أو عرقية أو حتى لغوية..

والرسالة واضحة لهذه الدول ،بأن ثمة درس يجب أن تتعلمه كل الدول التي ترزح تحت نير الدكتاتورية وحكم العسكر ،بأن لا مجال لهذه الفئة إلا الحفاظ على سلامة المجال الجوي ووحدة التراب الوطني وسلامة الحدود..أما السياسة فلها أهلها ..وكل انقلاب فاشل وأنتم بخير.

التصنيفات:

الوسوم:

0
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016