شريعة

قراءة حول حديث: “من فارق الجماعة فميتته جاهلية”

29 سبتمبر, 2016

30
مشاركة

  ثمة أحاديث في الخطاب النبوي السياسي، يثير ما يتبادر من ظاهر نصوصها مجموعة من الاستفهامات، التي لا يعثر الباحث عبر كتب التراث على إجابات لها مقنعة درءا لهذا الإشكال!

من هذه الأحاديث، تلك النصوص التي تأمر بالسمع والطاعة للحاكم، مهما ظلم وجار، وظلم واستبد.

نجد هذا فيما رواه البخاري ومسلم حديث ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: “من كره من أميره شيئا فليصبر؛ فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية”.

وفي رواية «من كره من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية» .

وفي رواية: «فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات  فميتته جاهلية» .

اجتهادات قديمة مشرقة

ولعل أرجى ما نجده من اجتهاد قديم مشرق في فهم هذه الأحاديث، ما ذكره الإمام أحمد بن حنبل من أن هذا الحديث ليس عاما في كل حاكم وإمام، ولكنه خاص بالإمام المُجمَع على إمامته من جميع الناس؛ فقد قال أحمد: أتدري من ذلك؟ ذاك الذي يقول المسلمون كلهم: هذا هو الإمام.!

اجتهادات معاصرة

ومن المحاولات التي أرادت توجيه هذه الأحاديث، ما ذكره بعض المعاصرين من أن هذه الأحاديث خاصة بأمير الحرب، وأن المخاطب به هم العسكر في أرض المعركة، فميدان الحرب لا يسمح بمعارضة الأمير، وإلا تعرض الجيش للهزيمة.

لكن هذه المحاولات السابقة لا تصمد أمام المناقشة والاعتراضات.

ألم تزل الاستبيانات تكشف عن تراجع شعبية هذا الرئيس أو ذاك في فترة حكمه تراجعا يرفع عنه المشروعية الشعبية ، ولا يبقى له  من قوة إلا قوة القانون؟

حديث مُشكل أم حديث مُعجز؟

ولعل المحاولة التي قام بها د. حاكم المطيري هي التي تقطع دابر الاستشكالات المتوقعة.

ومؤدى ذلك أن هذا الحديث من الضرورات التي يقتضيها أي نظام بشري، وإلا تعرض أي نظام سياسي للاهتزاز والانقلابات حتى لو كان وصوله إلى الحكم عبر مسار ديمقراطي شوري!

فلا يُمكن أن تكون طاعة الحاكم مرهونة بالرضا التام عنه، كما لا يُمكن أن تُجعل مطلق الكراهية له مسوغا للانقلاب عليه، فمن ذا الذي ترضى مسيرته كلها إبان فترة حكمه الرئاسية!

ألم تزل الاستبيانات تكشف عن تراجع شعبية هذا الرئيس أو ذاك في فترة حكمه تراجعا يرفع عنه المشروعية الشعبية ، ولا يبقى له  من قوة إلا قوة القانون؟

ألم يكره بعض الصحابة في عمر شدته، كما في قصة أبي بن كعب مع عمر، حين طلب من أبي موسى الأشعري شاهدا على أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم حديث الاستئذان ثلاثا، فشهد له أبي بن كعب، فقال أبي بن كعب: (يا عمر لا تكن عذابا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: سبحان الله! سمعت شيئا فأردت أن أتثبت). !

ألم يكره بعض الصحابة من عثمان تساهله وتسامحه ولينه؟

ألم يكره بعض الصحابة في علي صلابته وحدته، بل لم يرض بعضهم تأمير النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد على جيش مؤتة، وتكلموا في ذلك، فكيق يمكن أن تستقر الدولة لو رهن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطاعة بالحب والرضى، وسلبها بالكره والسخط؟

فلا غرو أن أوجب صلى الله عليه وسلم الصبر على هذه الأمور ؛ إذ إن ممارسة السلطة لصلاحياتها اجتهاد بشري، وليس بالضرورة  أن يرضى عنها كل الناس.

ليس المكروه كله سواء

بيد أن هذه الأحاديث لا تعني تحريم النصح والمعارضة للحاكم الظالم المستبد، كما لا تعني الطاعة العمياء المطلقة له؛ لأن هذه رهنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعروف، فلا طاعة إلا في معروف.

ولذلك يبدو أن المراد بالأمور المكروهة- الأمور الشخصية- أو الاختلاف على بعض سياسات الحاكم، التي تحتمل عدة خيارات سياسية، فإذا اختار الحاكم أحد هذه الخيارات، فلا يسوِّغ هذا لمن يرى الخيار الأخر أن ينقلب عليه، فردا كان أو حزبا أو جماعة.

الحديث يُعزز مفهوم التعددية السياسية

وكأن هذا الحديث يمهد لمناخ سياسي يسمح بالتعددية السياسية أكثر مما يُمهِّد لمناخ يكرِّس للاستبداد السياسي، فكل حزب له رؤيته السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، التي تتعارض مع رؤية الحاكم وحزبه الذي ينتمي إليه، فماذا تفعل هذه الأحزاب إزاء ما يتخذه الحاكم من رؤى وقرارات تتعارض مع رؤاها؟

ليس أمامها إلا أن تعمل على الانقلاب على الحاكم إن كانت تملك القوة على ذلك، أو تعمل على تعويق مساره السياسي ، أو تندمج مع  الخيار الجمعي والشعبي ، وهو ما يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم : ” فارق الجماعة” أو ” فارق السلطان” فهذا هو الخيار النبوي الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم.

ومما يؤكد ذلك أن الحديث أمر بالصبر، ولو كان المكروه من الإمام منكرا  من المنكرات لأمره الرسول صلى الله عليه وسلم بالنصيحة له،كما جاء في الحديث : ” «إن الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم» أخرجه مسلم.

هذا الحديث يمهد لمناخ سياسي يسمح بالتعددية السياسية أكثر مما يُمهِّد لمناخ يكرِّس للاستبداد السياسي

أو أن يأمره بالمعرف، وينهاه عن المنكر،كما جاء في الحديث: ” تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، ليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» رواه مسلم.

ولا يُفهم من ذلك أن تتماهى الأحزاب والأصوات مع الحزب الحاكم، فلا تجاهر برأيها المعارض لرأي الحاكم؟ لا ، فلها أن تجاهر بموقفها ورؤيتها، ولها أن تحاول أن تحول رؤاها إلى قرارات وقوانين ملزمة وفق النظم والأطر الشورية والديمقراطية المسموح بها؛ لأنها بذلك لا تكون خرجت عن ( السلطان) ولا عن ( الجماعة)؛ لأن السلطان والجماعة يقران هذه الأساليب السياسية.

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016