شريعة

مؤتمر “الإفتاء العالمي”.. تسييس حتى النخاع

16 أكتوبر, 2016

14
مشاركة

من البدهيات غير القابلة للنقاش أن الدول الحريصة على إعلاء مفهوم “الدولة” تدرك أن مؤسساتها ملك للشعب كل الشعب بلا تفرقة أو تفاوت، وأن بقاء تلك المؤسسات على هذه الهيئة هو الضمانة الأهم لبقاء الدولة قوية عصية على الاستخدام من أي من فرقائها المتصارعين على السلطة..

لكن الأوضاع في عالمنا العربي للأسف تسير دوما في عصور الانحطاط الحضاري على غير تلك السنن البدهية، والأنكى أن القائمين على أمرها يعتقدون أنهم بذلك “يحمون الوطن” و “يدافعون عن مقدراته” إلى آخر تلك الشعارات الفارغة!

ومؤسساتنا الدينية من أشد مؤسسات دولنا العربية خصوصية، لأنها تتمتع بقدر كبير من القداسة في قلوب كثيرين وأيضا تتمتع بقدر كبير في نفوس الجاليات المسلمة في كل بقاع الدنيا، نظرا لخصوصية المنطقة وكونها هي مصدر الوحي الإسلامي وبداية إشعاع نوره… فيكفي أن تتحدث عن فتوى أزهرية وانت في ماليزيا أو عن فتوى صادرة من هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية وأنت في باكستان أو إندونيسيا لتجد الجميع قد صمت إجلالا وإجبارا!!

ومع ذلك وللأسف الشديد.. فلا يفتأ القائمون على أمر بعض تلك المؤسسات أن يسهموا وبكل سبيل إلى تضييع هوية مؤسساتهم، وجعلها رهينة إما بالأنظمة الحاكمة وإما حتى بتوجهات الجماهير وعاداتهم وتقاليدهم.. والثانية أكثر جرما من الأولى؛ لأنك في الأولى تكرس لحكم فرد أما مع الثانية فأنت تكرس لجهل وغياب وعي!

على أية حال فإن الحديث هنا تحديدا عن دار الإفتاء المصرية ومؤتمرها المزمع عقده يومي السابع عشر والثامن عشر من شهر أكتوبر الجاري تحت عنوان:  “التكوين العلمي والتأهيل الإفتائي لأئمة المساجد للأقليات المسلمة”

لا يفتأ القائمون على أمر بعض تلك المؤسسات أن يسهموا وبكل سبيل إلى تضييع هوية مؤسساتهم، وجعلها رهينة إما بالأنظمة الحاكمة وإما حتى بتوجهات الجماهير

وحتى نكون منصفين فلابد ان نقرر مجموعة من الحقائق:

أولا: أن موضوع المؤتمر من الأهمية بمكان للدرجة التي يحتاج فيها إلى جهد حثيث نظرا لطبيعة الأزمات التي يولدها خواء بعض أئمة مساجد الأقليات الغربية عليما ودعويا، ولهذا فإن المؤتمر ياتي في وقت تحتاجه الساحة الإسلامية في الغرب وبصورة ملحة ليصلح ما أفسده كثيرون..

ثانيا: أن تدخل مؤسسة عريقة كدار الإفتاء المصرية إلى هذه النقطة الساخنة باعتبارها جزء من مؤسسة أعرق هي الازهر الشريف وما يمثله من ثقل علمي وقداسة في نفوس المسلمين حول العالم فتلك وثبة متميزة لو خلصت فيها النوايا!!

ثالثا: الخبرات العلمية والتنظيمية لكوادر دار الإفتاء المصرية تؤكد أن المؤتمر من المفترض أن ينجح في رسالته التي يتغياها نظرا لما يتمتعون به من سوابق وإن كانت في حيز أضيق!

ومع تلك النقاط التي يمليها الإنصاف الذي علمنا إياه ديننا لا يمنعنا ذلك من التأكيد على أن هذه الاعمال الجليلة الصادرة عن مؤسسة بهذا الثقل وبذلك التاريخ الممتد ليست منزهة ولا خالصة عن الاغراض التي تضيع معها ثمرة تلك الأعمال على المستوى المهني والاحترافي البحت!

وهذه أيضا مجموعة من الحقائق التي يمليها كذلك الإنصاف:

أولا: كون المؤتمر أحد تجليات الصراع المحموم بين مفردات المؤسسة الازهرية “المشيخة، ودار الإفتاء ووزارة الاوقاف”… على الظهور بمظهر القيادة الدينية الابرز والقادرة على صناعة الفارق الديني في خدمة النظام…

وبغض النظر عن الخطاب الإعلامي للمفتي ولوزير الاوقاف ولبقية القيادات الدينية المليء بالتوافق وبالتبعية لشيخ الأزهر فإن العالمين ببواطن الامور في تلك المؤسسات يدركون أن صراعا خفيا يعمل على أشده يين تلك القيادات، وقد ظهر لهذا الصراع تجليات عديدة ليس المقام مقام ذكرها الآن..

ثانيا: مع أن الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء العالمية منظمة المؤتمر كانت فكرة منذ تولي الدكتور علي جمعة منصب الإفتاء وكان هدفها وقتها حسب ما أعلن ترسيخ منهج الوسطية في الفتوى وتبادل الخبرات العلمية والتنظيمية بين أعضائها، إلا انها تحولت “وبقدرة قادر” إلى أحد أزرع النظام السياسية، وأسلحته الناعمة التي يواجه بها تكتلات أخرى على الشاكلة نفسها!

وقد برز هذا التحول في طريقة إدارة الشأن الديني بعدما تنامى دور الدين في الصراع السياسي إبان الربيع العربي، فرأينا مجلس حكماء المسلمين والذي نشأ بدوره ككيان يواجه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين مثلا… وعلى الدرب تأتي كيانات اخرى على هيئة مؤسسات علمية، وقد كان مؤتمر الشيشان احد تجليات هذه الكيانات بما احدثه من لغط على مستويات كثيرة!

ثالثا: منذ أعلنت دار الإفتاء المصرية عن تنظيم المؤتمر وكل البيانات الصادرة عنها تنضح سياسة بطريقة فجة، طريقة تجعل المتابع يوقن بأن الأمر ليس خالصا من الأغراض غير السوية التي تمتطي فيها الانظمة مؤسساتها الدينية لتحقيق أغراضها…

فهذا هو البيان الصادر يوم 10/10/2016م عن المركز الإعلامي لدار الإفتاء، والذي تم تعميمه على كل وسائل الإعلام العالمية والمحلية يحمل هذا العنوان: ” مرصد الإفتاء: الإسلام السياسي يمثل البوابة الخلفية لفتاوى العنف..” وفي تضاعيف العنوان : “ومؤتمر الإفتاء يمثل صفعة قوية ضده ويعيد الريادة الدينية المصرية للعالم..”!!!

وبغض النظر عن الصياغة الركيكة للبيان ولعنوانه، وبغض النظر عن أنه لا يجوز مهنيا لأي جهة أن تمدح نفسها في بيان صادر عنها… بغض النظر عن كل هذا فإن الخطاب باد كما يقولون من عنوانه!

فدحر الإسلام السياسي لا تيارات العنف مثلا، ولا الإرهابيين على سبيل المثال… لا .. الإسلام السياسي، وما للمصطلح من ظلال يدركها كل المتابعين للشان العربي والإسلامي في هذه الأيام…

الخطأ الذي يرتكبه هؤلاء بتسييس مؤسساتهم يكاد يصل إلى مرتبة الخطيئة في حق أجيال كاملة ستفقد الثقة في رجل الدين وتعتبره حامي حمى النظام

وكأن الدار ومؤسساتنا الدينية تريد إيصال مضمون واحد.. كل إسلام غير إسلام المسجد مرفوض، كل إسلام غير إسلام الطقس والشعيرة مرفوض، إسلامك في علاقتك بالله وفقط، واترك السياسة والاقتصاد وغيرها من مناشط الحياة المختلفة إلى أصحابها يديرونها كما يحلو لهم!!

إنني هنا لا أدافع عن تيارات الإسلام السياسي كما يسمونها.. فتلك مهمتهم التي يتوجب عليهم أن يقوموا بها إن رأوا في ذلك افتئاتا عليهم، وإنما أدافع هنا عن مؤسسات الدولة، مؤسسات دولنا العربية والإسلامية التي يجب أن تكون ملكا للجميع، لا للانظمة الحاكمة..

فماذا لو تغير النظام وجاءت تيارات الإسلام السياسي كما الحال في المغرب او تونس مثلا لتكون حاكمة او شريكة في الحكم؟!! هل ستتغير نبرة تلك المؤسسات؟ وما مردود هذا التغيير على ثقة الأفراد في تلك المؤسسات؟!!

إن الخطأ الذي يرتكبه هؤلاء بتسييس مؤسساتهم يكاد يصل إلى مرتبة الخطيئة، الخطيئة في حق أجيال كاملة ستفقد الثقة في رجل الدين وتعتبره حامي حمى النظام، وأحد أفراد شرطته…  لكنه وللأسف… بعمامة!!!

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016