شريعة

الإطار الشرعي لممارسة التعددية السياسية .. الشورى (3)

23 أكتوبر, 2016

2
مشاركة

آراء معاصرة في علاقة الشورى بممارسة التعددية السياسية

يرى أحمد كمال أبو المجد[1]– مع تأكيده على أصل الشورى في الحكم- أن قضية الشورى تحتاج إلى رؤية جديدة.. وأن جوهر هذه الرؤية أمور ثلاثة:

أولاً: أن الإسلام أقر الشورى وأمر بها واعتبرها أصلاً من أصول الحكم وسياسة الناس… ولكنه لم يفصل أحكامها.. وغاية ما تثبته النصوص أن يكون للرعية نوع “اشتراك” في “أمرها” وأن تفاصيل ذلك الاشتراك متروكة للناس، وأن هذا الأمر يختلف باختلاف أحوال الأمة في الزمان والمكان فلم يكن من الحكمة أن يوضع له نظام موافق لحال الصدر الأول وحدهم.. ولو وضعه النبي-صلى الله عليه وسلم- لاتخذوه ديناً وتقيدوا به في كل زمان ومكان وهو لا يمكن أن يوافق كل زمان ومكان[2].

ثانيا: أن مناقشة قضية الشورى اليوم تحتاج إلى تحديد جوانبها..ثم البحث عما عالجته النصوص القرآنية والنبوية من هذه المشاكل.. والاجتهاد فيما لم تعالجه وهو الأكثر الغالب.

ثالثا: أن الترجيح بين الآراء المختلفة لا يجوز أن يستند إلى النصوص وحدها وإنما لابد أن تسنده خبرة تشريعية وسياسية واجتماعية.. فالنصوص هنا لا تعالج سلوكاً فردياً لآحاد المكلفين.. وإنما تنظم إطاراً دستورياً وسياسياً لأنه تنظيم للملايين.. ولا يمكن التصدي لتطبيق تلك النصوص بعيداً عن الخبرة المتراكمة للشعوب.. المسلم منها و غير المسلم ما دام الاجتهاد في الأمور كلها يظل مقيداً- في الدولة المسلمة بمبدأ عدم مخالفة الثابت حقيقة لا وهما- بنصوص الكتاب والسنة.

ويرتبط بقضية الشورى من حيث اعتبارها ميداناً أصيلاً للتعددية السياسية في المجتمع المسلم ملاحظتين, الأولي: تتعلق بالعنصر الثاني لعملية الشورى وهو” أهل الشورى”، والثانية: دائرة عمل “الشورى” أو مجالات وميادين الشورى.

وإذا كانت “النصوص” التراثية تحدد أهل الشورى وشروطهم طبقاً لمعايير عصورهم، ومجال عمل الشورى، فإن المستجدات المعاصرة، واتساع ميادين ومجالات الشورى يفرض “وصفا” و “شروطاً جديدة” لأهل الشورىK ومؤهلاتهم العلمية والفكرية بصورة تتوافق مع التحديات الحضارية التي تواجهها الأمة.

وفيما يتعلق بدوائر “عمل الشورى” وميادينها، ذكر القرطبي “أن قوله تعالى “وشاورهم في الأمر” يدل على جواز الاجتهاد في الأمور والأخذ بالظنون مع إمكان الوحي؛ فإن الله أذن لرسوله- صلى الله عليه وسلم- في ذلك واختلف أهل التأويل في المعنى الذي أمر الله نبيه-صلى الله عليه وسلم- أن يشاور فيه أصحابه؛ فقالت طائفة: ذلك في مكائد الحروب، وعند لقاء العدو”[3]، أما الرازي فقال: “إن كل ما نزل فيه وحي من عند الله لم يجز للرسول أن يشاور فيه الأمة، لأنه إذا جاء النص بطل الرأي والقياس”[4]، وقد أجمعت كافة الآراء على أنه لا مشاورة ولا اجتهاد في “النص” الواضح المنزل من عند الله تعالى.

أما المواقف والحوادث التي لا يوجد فيها نص شرعي فهو الدائرة الأساسية- التي يتفرع منها دوائر أخري- لعمل الشورى.

وتقسم هبة رؤوف عزت القرارات في الدولة الإسلامية إلى ثلاثة أنواع وفق معيار النص عليها في الشريعة ودرجاته:[5]

1 – قرارات تنفيذية لأمور ورد فيها نص في الكتاب والسنة: فيما جاء فيه نص، قضي فيه النص وخرج عن اختصاص البشر، فلا يمكن أن يكون محلاً للشورى (صناعة القرار)، إلا أن تكون الشورى مقصوداً منها التنفيذ، أي تنفيذ ما جاء به النص، ففي هذه الحالة تجوز بشرط أن لا يخرج التنفيذ عن معني النص وروح التشريع، وهذه النوعية من القرارات تشمل أمور العبادات والمعاملات.

2 – قرارات في أمور لم يرد فيها نص، وهذه الأمور تنقسم إلى:

أمور فكرية وفنية: يغلب عليها التخصص كالرأي في الزراعة والصناعة والتعليم..إلخ، فهذه مسائل عقلية تعتمد على المعلومات والخبرة والكفاءة والفهم، وعوامل من هذا القبيل.

– أمور عامة: يتحملها العامة، وهذه يتجلى سلطان الأمة فيها، ويقضي فيها غالباً برأي الأغلبية.

والقرارات التي تدور في إطار مالم يرد فيه نص تنقسم من حيث درجتها إلى:

– مسائل لم تدل فيها الشريعة بحكم، لكنها أصدرت حكماً في أمور تشابهها، وتكون ممارسة التشريع في الأمور التي تكمن فيها نفس العلل والدواعي وتحديد ما هو مستثني من هذه الأمور وما يخلوا حقيقة من أسباب الحكم ودواعيه.

– مسائل لم تتبن فيها الشريعة أحكاماً بعينها، وإنما أعطت في شأنها بعض المبادئ العامة الجامعة، أو بين فيها الشارع المستحب المطلوب فعله، والمكروه الذي ينبغي منعه وإزالته.

ومهمة التشريع في هذه الدائرة فهم مبادئ الشريعة وأصولها في هذه المسائل، ثم وضع القوانين في الأمور الواقعية الفعلية، بحيث تبني على ما أوضحته الشريعة من أصول ومبادئ بحيث يتحقق منها القصد الذي أراده الشارع وهدفه، أي الاستنباط للأحكام من روح التشريع.

– مسائل سكتت الشريعة عنها تماماً، فليس فيها حكم صريح أو قياسي أو مستنبط، وهذا السكوت في حد ذاته دليل على أن الله تعالى أعطى الإنسان حق إبداء رأيه في أمور ومسائل هذا القسم، ومن ثم يمارس الإنسان التشريع فيها بحرية تامة شريطة أن يتطابق ما يشرعه ويتلاءم مع روح الإسلام ومبادئه العامة، ولا يشذ في اجتهاده عن مزاج الإسلام العام الذي يكسو نظام الحياة الإسلامية ويسوده.

وهذا يعني تفرد الدولة الإسلامية بالنظر إلى نوعية القرارات بنطاق لا مجال فيه لصناعة القرار إلا في إطار النص، حيث توجد نصوص ملزمة من القرآن والسنة، وهو ما لا يميز الحكومات الأخرى سواء الليبرالية أم الشيوعية. فالأغلبية لا تستطيع في ظل الحكومة الإسلامية أن تتعدى حكماً شرعياً، على حين أنه لا توجد حدود شرعية في الحكومات غير الإسلامية لدرجة إباحة الزنا بل الشذوذ، وهو ما لا يطرح أساساً للبحث في إطار الدولة الإسلامية ما دام هناك نص.

ويتصل بهذه الدائرة- أيضاً- طبيعة “أهل الشورى”، فهم إذن جماعة من المتخصصين فنياً في المجالات المختلفة، ذو كفاءة عالية تفوق أقرانهم في نفس المجال: سواء كان سياسياً، أو اقتصادياً، أو تعليمياً، وتوضع طريقة وآلية معينة- عادلة بالطبع- لاختيارهم، لأنهم هم الذين يتحملون مسئولية “الاستشارة”، التي تؤثر في مستقبل المجتمع وتقدمه أو تخلفه، وبالإضافة إلى معايير “الولاء”- للمجتمع والعقيدة، و “العلم” و “الحكمة”، فإن معايير “الكفاءة”، و “الجودة” لمهاراتهم الفكرية والعقلية، وكذلك المعايير “الأخلاقية” العامة، يجب أن تتوفر- أيضاً- في هذه الفئة “أهل الشورى”.

وهذا يعني أن “أهل الشورى” في أدوارهم متنوعين، وهو ما يستلزم بالفعل تنوعهم أنفسهم، فهم في ميدان الفقه: الفقهاء، وفي ميدان السياسية: السياسيين، وفي ميدان البحث: العلماء وهكذا، تطبيقاً لمبدأ التخصص الذي أشار إليه “النص القرآني” منذ أكثر من أربعة عشر قرناً، [وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ] (التوبة: 122) ، [إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرضي  وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] (المزمل: 20) .

ومن الجدير بالذكر في هذا الصدد أنه لا يوجد في الإسلام- أبداً- ما يمنع من اقتباس النظم والآليات التي يتم بها تحقيق الشورى والارتقاء بها في واقعنا المعاصر، أو أي واقع مستقبلي، أياً كانت الأمم التي يتم الاقتباس منها- طالما لا زلنا في مرحلة المتلقي، وشروط الاقتباس معروفة، وليس معني ذلك أن نكون “تابعين”، فالمسلم “كيس فطن”، و “الحكمة ضالة المؤمن” ، وقد استفاد النبي-صلى الله عليه وسلم- من طرق الفرس في الحرب على يد “خبرة منقولة” من “سلمان الفارسي” في غزوة الخندق.

كما أنه لا يوجد في الإسلام ما يمنع من عمل برنامج استراتيجي لإعداد الكوادر المؤهلة كي تصبح “أهل الاجتهاد” و “الشورى” في تخصصاتها المختلفة، وهذا يتطلب أن يكون هناك نظاماً تعليمياً وتربوياً ذو كفاءة عالية “إسلامياً” و “علميا”، وذلك بدلاً من مواجهة العجز في أحد المجالات، وهو ما تستعيض عنه الدول الإسلامية عن طريق “استيراد” الخبرات الأجنبية وما يترتب على ذلك من مخاطر متعددة.

يتضح إذن مما سبق أن مسألة الشورى ذات أبعاد متعددة ومختلفة ومتداخلة، إلا أنها تمثل “العمود الفقري”- إن صح التعبير للمجتمع الإسلامي، وهي وإن كان ظاهرها ذو بعد سياسي فقط، إلا أن هذا البعد يلقي بظلاله على جميع جوانب المجتمع التربوية والثقافية أيضاً، وكيف لا ؟! وقد أصبحت- بل وكانت- السياسة هي المحرك الرئيسي والفاعل الأساسي لحركة المجتمع.


[1] أحمد كمال أبو المجد: حوار لا مواجهة، القاهرة، دار الشروق، 1988، ص: 118 – 119 .
[2] أحمد كمال أبو المجد: مرجع سابق، نقلاً عن الشيخ رشيد رضا، في تفسير المنار، جـ5، ص 153 .
[3] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، جـ4، مرجع سابق، ص: 161.
[4] الرازي، مفاتيح الغيب، جـ9، مرجع سابق، ص: 69 .
[5] هبة رءوف عزت: “أهل الحل والعقد وصنع القرار في الدولة الإسلامية”،www.islam on line.net, تاريخ الزيارة يناير2006.

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016