ترجمات

وسط عالم “مسيس”.. جائزة نوبل للآداب تبعث برسالة قوية

26 أكتوبر, 2016

0
مشاركة

أثار فوز الشاعر والمغني الأمريكي بوب ديلان بجائزة نوبل للآداب هذا العام استغراب واستهجان بعض النقاد والمهتمين، فهل كسرت لجنة نوبل القوالب التقليدية؟ ولماذا اختارت لجنة نوبل بوب ديلان بالذات، مع الأخذ بعين الاعتبار أنها المرة الأولى التي تمنح لمؤلف موسيقي.

عادة تتم عملية الاختيار من قبل لجنة نوبل بطريقة سرية كما هو الحال في اختيار البابا، وبمتابعة تاريخ الجائزة خاصة في فرعي الآداب والسلام غالباً ما تحمل رسائل تتجاوز الأسس الموضوعية.

فاز باراك أوباما على سبيل المثال بجائزة نوبل للسلام في عام 2009، وكان قد أمضى ستة أشهر من ولايته الأولى، ولم تكن له إنجازات عديدة.

وعلى الرغم من أن شعب كولومبيا صوت ضد الاستفتاء على اتفاق السلام التاريخي الذي توصل إليه مع “متمردي فارك”، إلا أن جائزة هذا العام ذهبت للرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس.

أما في الأدب، عادة ما تمنح الجائزة إلى الكُتاب الذين لا يتمتعون بشهرة واسعة خارج بلادهم، وبوب ديلان ليس بحاجة لمزيد من الشهرة أو التكريم، ولديه رصيد ضخم من التسجيلات، يعود إلى 55 عاما، إلى جانب عشرات العروض الحية، وقام بجولات حول العالم منذ ما يقرب من 30 عاما.

وإذا نظرنا للأمر من الناحية المادية، قد تعتبر جائزة نوبل للآداب والمقدرة قيمتها بـ 904000 دولار مكافأة مجزية مثلا لشاعر مكافح يعيش في بلد فقير، إلا أن هذا المبلغ لا يمثل لبوب ديلان إلا كسر بسيط من دخله.

إذا كان بوب ديلان ليس بحاجة للتعريف، ربما سعت لجنة نوبل  للفت الانتباه إلى هذه النوعية من الشخصيات العاشقة لعملها. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الاختيار حالفه التوفيق من حيث التوقيت والادراك العميق، بالنظر إلى التيارات الاجتماعية والسياسية التي تجتاح أمريكا وأوروبا والعالم هذه الأيام.

قام بوب ديلان بإنتاج أفضل أعماله الناجحة في فترة امتدت بين 1962-1974، وبدايته كانت مع ألبومه الشعبي (Freewheeling, Blowin in the Wind, Don’t Think Twice)، وصعد نجمه في منتصف الستينات بـ (Mr Tambourine Man, Like a Rolling Stone, All Along the Watchtower)  وختم أعماله فى أوائل السبعينات (Knocking on Heaven’s Door, Tangled Up in Blue) وهذه الأعمال عززت مكانته كشاعر غنائي في المقام الأول.

صوت المحرومين

بدأ بوب ديلان مسيرته كمترجم للموسيقى الشعبية التقليدية الأمريكية، وشملت ألوان “البلوز” ، والأغاني الدينية المسيحية والأغاني الاحتجاجية للحركة العمالية وقصص جبال “الآبالاش” الريفية.

وفي وقت مبكر من ستينات القرن الماضي ، كانت طبقة البيض المتعلمة  تحظى بمعاملة خاصة، وتركت هذه “العنصرية” أثرا على شاعر في مقتبل عمره، قدم حديثا لنيويورك من شمال ولاية مينيسوتا، وعبر عن هذه الظروف المحيطة في أول ألبوم له.

وظل هذا التأثير هو المنجم الذي يلهم أغانيه الخاصة، حيث جاء عنوان  ألبومه  ( The Times They Are A-Changing ) عنوانا للاحتجاجات الجماهيرية الحاشدة بعد عقد من ظهوره، ونجح ديلان في مزج المواضيع الخالدة من القصص الشعبية مع الاهتمامات المعاصرة.

جاءت أغنية (North Country Blues) مرثاة لامرأة عجوز تركت وحدها في بلدة صناعية، وهى تعكس حالة اليأس والإحباط التي يمكن للمرء أن يسمعها حتى اليوم في جميع أنحاء الغرب الأوسط.

أما أغنية (Hollis brown ) ترسم صورة مروعة للفقر الريفي واليأس الذي بلغ ذروته بعنف مسلح لا معنى له.

خلدت “الميتة الموحشة لهاتي كارول” خبرا كان موضوع الساعة حول ابن رجل ثري قام بقتل خادمته، وبسبب امتيازات الرجل الأبيض وتحيز النظام القضائي لم تتم محاكمته.

أما أغنية ” مجرد بيدق في لعبتهم” التي تحكي عن القوى الاجتماعية الكبرى في الجنوب التي أدت إلى وفاة زعيم الحقوق المدنية مدغار إيفرز، ما تزال واحدة من أكثر الدلالات ذات الصلة للأسف عن دور العنصرية في السياسة الأميركية. كل هذه الأغاني قام بكتابتها بوب ديلان بين 1962 و 1963 وعمره لم يتعدى 22 عاماً.

نضوج ناقد

أثار ديلان جدلا واسعا في عام 1979، بعد تركه لليهودية واعتناقه المسيحية الإنجيلية واتضح أثر ذلك التحول على  3 اصدارات له تطرق فيها  للموسيقى الإنجيلية والمخاوف الدينية.

وأيد قلة من النقاد ارتباط ديلان بالإنجيلية المسيحية وميله نحو السياسات المحافظة، مما جعله يقترب أكثر من الفئة الاجتماعية والسياسية الجنوبية والمعروفة بـ “الآبالاش” التي كانت دائما مصدر إلهامه، وتعرض بسبب ذلك لكثير من السخرية بسبب هذه الثقافة ” المتخلفة”  والرجعية على حد تعبيرهم.

يحسب لبوب ديلان دمجه بين التقاليد الغنية لموسيقى البيض مع موسيقى البلوز الخاصة بالأميركيين الأفارقة والتي نقل فيها تجاربهم ومعاناتهم.

سد الفجوة الثقافية

ما يحسب لبوب ديلان أنه سخر فنه للمجموعات المهمشة والمظلومة، وبالرغم عدم انتمائه لتلك المجتمعات – بالمعنى العرقي – إلا أنه احتضنهم منذ ستة عقود وكان يتحدث نيابة عنهم بأسلوب حمل معاني الإقناع والأصالة.

في الوقت نفسه، كان مدافعا عن قضايا العدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان على كافة المستويات، ونجد في أعماله رفضا للتقليل من شأن طرف على حساب آخر .

يُعتقد أن بوب ديلان هو شاعر الثورة، وهو كذلك. لكنه أيضا فنان له تقدير عميق للتراث والتقاليد – ليس بسبب فكرة التقاليد نفسها، ولكن بسبب أولئك الذين يحملون تلك التقاليد من خلال حياتهم ومعتقداتهم، ويثمن له قدرته الفائقة في جمع كل الأصوات المتناقضة ومن كافة المجتمعات، وفتح ذهنية الطبقة الثرية إلى وجهات نظر أبعد من تجربتها.

إذاً ..  جائزة نوبل للآداب 2016 ما هي إلا محاولة جيدة من لجنة الجائزة للفت انتباه العالم لمشروع وفكر بوب ديلان.

 

 

التصنيفات:

الوسوم:

المصدر: روب سالكويتز - فوربس
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016