مع تجدد السيول ونحوها من الكوارث الكونية، يتساءل الناس: هل هي غضب وانتقام من الله أم هي من الابتلاء الذي يصيب المؤمن فيكفر عنه سيئاته ويرفع درجاته؟

وهنا يظهر لدى البعض الجانب المنطقي والفلسفي لترسم الحدود الفاصلة بين الانتقام والابتلاء. والذي يظهر لي واضحا أن هذه التعمقات والتشقيقات في غير موضعها ، وأن الأمر أسهل من ذلك بكثير .

فائدة التصنيف

ومما يُلح على هذا التصنيف ما يترتب عليه من أمور، وهي:

1- أن تصنيف هذه الظواهر سيكون مقياسا على مدى رضا الله عز وجل عن العباد وأفعالهم، فإذا وصلنا إلى أن هذه الظواهر عقوبات ربانية سارع العبد إلى التوبة والإصلاح وعرف أنه مقصر في حق الله مستوجب للتوبة.

2- اطمئنان العبد على حاله مع الله، فإن وصل إلى أنها ابتلاءات لرفع الدرجات وتكفير السيئات وأنها ليست عقوبات وصل إلى حالة  من الرضا عن النفس ، أو خفف من جلدها ومحاسبتها عن التقصير والتفريط.

3- التفكير في تخفيف حدة محاسبة المقصرين احتجاجا بقدر الله ونفاذه!!!

أما النقطة الثالثة، فإن كان أحد يفكر فيها بالفعل فهذا يدل على أنه بُعد لم  يفهم معنى القضاء والقدر والإيمان بهما وما يترتب على ذلك.

الاحتجاج بالقدر

وبيان ذلك أن الاحتجاج بالقدر جائز ونافع حينما يحتج به الإنسان بعد وقوعه، وتوبته منه، وتحمل مسئوليته تجاهه من العقوبة ونحوها. بينما لا يصح الاحتجاج بالقدر إذا كان يؤدي إلى التفلت من العقوبة وتحمل المسئولية![1]

رهافة الحس الإيماني

وأما عن الأثر الأول فإنه ينبغي للمؤمن أن يرهف حسه وتقوى حساسيته الإيمانية حتى يرد كل شيء إلى تقصيره في حق الله ويشعر أن الله يعاقبه بأقدار تؤلمه وتؤذيه، فإنه إن فعل ذلك كان سريع اللجأ إلى ربه قريب الصلة به شديد المحاسبة لنفسه، على نحو ما أثر عن بعض السلف من قوله : “إني لأعرف شؤم معصيتي في خلق زوجتي ودابتي”.

وهذه ليست دعوة صوفية إلى ترك التفكير في الأسباب المادية المباشرة التي أدت إلى وقوع المشكلة ومن ثم العمل على إزالتها، ولكنها دعوة مع ذلك إلى التفكير في سبب تقدير الله لهذه المعوقات. فيعود إلى ربه بإصلاح ما أفسد، ويزيل المعوقات المادية أيضا بما أقدره الله من أسباب.

وأما عن الأثر الثاني، وهي أن الحاجة ماسة للتصنيف لتكون مقياسا على مدى رضا الله عز وجل عن العباد وأفعالهم ، فإذا وصلنا إلى أن هذه الظواهر عقوبات ربانية سارع العبد إلى التوبة والإصلاح وعرف أنه مقصر في حق الله مستوجب للتوبة.

 فإن هذا ليس هو منهج القرآن في فلسفة التوبة، فقد أمر الله عباده جميعا بالتوبة في كل وقت وعلى كل حال، قال تعالى: ” وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ” [النور : 31]، بل قسم القرآن الناس قسمين تائبا وظالما، ولا ثالث بينهما، قال الله تعالى : ” وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات : 11]

فلسفة تقدير المصائب والكوارث

والخطأ في هذه القراءات أنها حاولت تصنيف هذه الظواهر الكونية، التي تهلك الحرث والنسل بحسب اعتبارات خاطئة في نظري كما أفهم دين الله تعالى، فمرة تصنفها باعتبار العموم والخصوص، فما كان منها عاما في الإهلاك كان غضبا وانتقاما، وما كان منها خاصا كان اختبارا فيختلف باختلاف صاحبه، ومنهم من عكس هذه القاعدة ، ومنهم من جعلها غالبة لا مطردة.

وإنما كانت هذه الحيثيات خطأ في التصنيف لأن هذا الدين وأصوله ونصوصه يزخر بأن المصائب بكافة أنواعها (ومنها الفيضانات والزلازل والبراكين والسيول) تصيب المسلم فتكفر خطاياه حتى لو كان عبدا مسيئا ، بل حتى لو كانت هذه المصائب نتيجة مباشرة لذنوبه وأخطائه. المهم أن لا يقابلها بجزع وسخط واستمرار في الغي،

متى تكون الكوارث نافعة للعبد؟

فالمصائب التي تصيب الإنسان وتؤلمه من الشدة، والفقر، والمرض، والتعثر، والتعب، والنصب، والوصب، والخسائر المادية، والأوجاع الحسية، والآلام النفسية كل هذه الآلام تكفر من خطاياه سواء منها ما كان متسببا فيها، أو لم يكن له فيها سبب، فمجرد هذه الآلام مكفرات في ذاتها فإذا استقبلها العبد بالصبر والاحتساب زاد أحره، وارتفعت درجاته، بل إن المصائب قد تكون جزاء ما أصاب العبد من الذنوب لكنها كذلك تكون من المكفرات في الدنيا، وهذا من لطف الله عز وجل بالمؤمنين حيث يعجل لهم جزاء سيئاتهم في الدنيا ليكفر عنهم من خطاياهم.

جاء في شرح العقيدة الطحاوية قوله: “فالمصائب نفسها مكفرة، وبالصبر علها يثاب العبد ،وبالسخط يأثم، والصبر والسخط أمر آخر غير المصيبة؛ فالمصيبة من فعل الله لا من فعل العبد، وهي جزاء من الله للعبد على ذنبه، ويكفر ذنبه بها. وإنما يثاب المرء ويأثم على فعله، والصبر والسخط من فعله”. شرح الطحاوية – ط دار السلام (ص: 328)

فالعبرة هنا بكيفية استقبال المسلم لها- وإن كانت في ذاتها مكفرة له على أي حال متى خلا استقبالها عن الجزع والسخط- فمن استقبلها بالصبر والتوبة والأوبة إلى الله كان من المنتفعين بها وكانت في حقه منحة لا محنة.

اطراد هذه القاعدة

 وقد وجدت هذا الأمر مطردا في جميع المصائب حتى ما علم منها يقينا أنها من سيف انتقامه سبحانه وتعالى، فقد ختم الله عز وجل آيات إهلاكه الأقوام الغابرة التي طغت وبغت وفجرت وكفرت بما يحرض على التوبة والأوبة، ففي إهلاك قوم فرعون يحدثنا القرآن فيقول : {فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68)} [الشعراء: 63 – 68].

 وعن قوم نوح يقول القرآن : {قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (117) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (118) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (119) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (120) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (121) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الشعراء: 117 – 122].

 وعن قوم عاد جاء قول الله تعالى : {فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (139) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140} [الشعراء: 139، 140] .

والسؤال أي رحمة هنا والحديث عن الإهلاك!!!  وأرجى ما ذكره المفسرون هنا أن ذكر الرحمة لعدم التيئيس، وأنه سبحانه يقبل توبة من يقبل ويرجع عن غيه. بل إن القرآن نفسه، وهو أجل نعم الله على عباده، يكون خسارا ونقصانا على الكافرين، وليس ذلك لسبب في القرآن، ولكن بسبب استقبال الكافرين له من التكذيب والإعراض، يقول الله تعالى : ” وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا [الإسراء/82]

ويقول تعالى :” قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ [فصلت/44].

وفي السنة ما يؤيد أن العبرة بالاستقبال، ففي صحيح مسلم أن رسول الله قال : ” عجبا لأمر المؤمن إن أمره له كله خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له

بل يحدثنا القرآن أن المصائب التي تصيب الكافرين لا تكون شرا على كل حال، ولكنها أيضا تتوقف على كيفية استقبالهم لها، ففي القرآن  “وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (21)”[السجدة/21]

يقول ابن عاشور في تفسير الآية: وجملة لعلهم يرجعون استئناف بياني لحكمة إذاقتهم العذاب الأدنى في الدنيا بأنه لرجاء رجوعهم، أي رجوعهم عن الكفر بالإيمان. والمراد: رجوع من يمكن رجوعه وهم الأحياء منهم. وإسناد الرجوع إلى ضمير جميعهم باعتبار القبيلة والجماعة، أي لعل جماعتهم ترجع. وكذلك كان فقد آمن كثير من الناس بعد يوم بدر وبخاصة بعد فتح مكة.

ومن هذا أيضا قول الله تعالى : “وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ  [الأنعام/42، 43] والآية صريحة الدلالة على أن الشدة التي يعاجل بها الكافرين، إنما يسلطها عليهم ليتضرعوا إلى الله ويعلنوا إليه إسلامهم وخضوعهم، والعبرة بالاستقبال فمن تضرع كانت المصيبة في حقه منحة، ومن قسا قلبه كانت في حقه محنة وأي محنة .

ويقول سبحانه عن بني إسرائيل حينما بغوا واستحقوا العقوبة  : “وقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  الأعراف/168] فالبلاء بالشر والخير لاستحثاثهم على الرجوع إليه سبحانه، والعبرة بنوع الاستقبال.

ومن الآيات الظاهرة في هذا المعنى ، قوله تعالى : ” ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم/41]


[1] – انظر : شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل (ص: 18)