فكر

من التاريخ : الساسة والعسكر بين التبعية والاستقلال

10 نوفمبر, 2016

103
مشاركة

لقد نظرت في الأدوار التي كان يؤديها الساسة والعسكر قبيل قيام دولة الإسلام وحتى بداية ضعف الدولة العباسية، وعلاقة كلٍّ منهما بالآخر، فوجدت أنه أمر جدير بالتسجيل.

فقد كانت السيادة في العرب لها مواصفات خاصة، من الحسب والنسب والشجاعة وتدبير الأمور وحسن السياسة والفروسية، وكان سادة العرب على درجة عالية من الحكمة والحنكة.

ومن أشهر سادة العرب عبد المطلب جد النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- الذي “ساد في قريش سيادة عظيمة، وذهب بشرفهم ورئاستهم، فكان جماع أمرهم عليه”([1]).

والذي لم يشتهر عنه أنه كان قائدًا عسكريًّا أو فارسًا، وإن كان العرب لهم صلة بفنون الحرب، وبطبيعة الحال فإنه لاشك أنه كان يجيد فنون الضرب والطعان وغيرها من أعمال الحرب.

وقد تكلم الجاحظ عن بعض صفات السيادة عند العرب فقال: “إذا كان الرجل أبرع الناس براعة، وأظهرهم فضلاً، وأجمعهم لخصال الشرف، ثمّ كانت كلّ خصلة مساوية لأختها في التّمام، ولم تغلب عليه خصلة واحدة، فإنّ هذا الرّجل لا يكاد يوصف إلاّ بالسيادة والرياسة.

ولذلك قالوا: (أحلم من الأحنف)، و(ما هو إلاّ في حلم معاوية)، و(أحلم من قيس بن عاصم)، ولم يقولوا: أحلم من عبد المطّلب، ولا هو أحلم من هاشم؛ لأنّ الحلم خصلة من خصاله كتمام حلمه، فلمّا كانت خصاله متساوية، وخلاله مشرفة متوازية، وكلّها كان غالبًا ظاهرًا، وقاهرًا غامرًا، سمّي بأجمع الأشياء ولم يسمّ بالخصلة الواحدة، فيستدلّ بذلك على أنّها كانت أغلب خصال الخير عليه”([2]).

ثم ذكر بعضًا من سادة العرب، وجعل من كمال سؤددهم أنهم “لم يكن شأنهم أن يردّوا الناس إلى أهوائهم، وإلى الانسياق لهم بعنف السّوق، وبالحرب في القود، بل كانوا لا يؤثرون التّرهيب على الترغيب، والخشونة على التليين”([3]).

وقد كان الفرسان هم فخر العرب، فكل قبيلة تفخر بفرسانها؛ فهم الذين يحمون الذمار والديار، فالنزاعات الكثيرة والصراعات والإغارات فيما بينهم تجعل الفرسان عماد قوتهم.

وقد برز منهم كثيرون، كـ: عنترة بن شداد، وعمرو بن كلثوم… وغيرهما.

ورغم هذه المكانة للفوارس فمقام الساسة والملوك أعظم، وليس أدل على ذلك من مدح عنترة للملك النعمان، ملك الحيرة، الذي أولى عنترة الرعاية، واصطفاه وقرّبه إليه، فقال فيه عنترة:

يا أيها الملكُ الذي راحاتُهُ    قامَتْ مَقامَ الغيْثِ في أزمانِهِ

يا قِبْلَة القُصَّادِ يا تاجَ العُلا    يا بدْر هذا العصر في كيوانه

ففي مكة كانت القيادة للساسة؛ فأبو سفيان كان سيد مكة، وهو كان قائدًا سياسيًّا أكثر منه قائدًا عسكريًّا، رغم وجود خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وغيرهما في قريش.هذا قبل أن يكون للعرب دولة، ولكن قبيل قيام دولة العرب كان هناك أمور لا تخطئها العين؛ فهم كانوا دائمًا ما يختارون السياسيين أصحاب الحنكة والدهاء على الفرسان الشجعان…

واتضح هذا جليًّا في دولة الإسلام التي أنشأها وأقامها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم، فبعد وفاته -صلى الله عليه وآله وسلم- اختار المسلمون أبا بكر الذي لم يشتهر عنه أنه قائد عسكري، ومن بعده عمر، ومن بعده عثمان…

وكلهم سياسيون رغم وجود خالد والمقداد وأبي عبيدة وغيرهم كثير ممن صنعوا البطولات، وفتحوا البلدان، ومصروا الأمصار..

ومعاوية وكبار خلفاء بني أمية كانوا من الساسة العظام؛ فهذا عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي الثامن الخليفة العادل الزاهد، لم يشتهر عنه أنه عسكري، بل سياسي ورع عادل زاهد.

وهذا هشام بن عبد الملك عاشر خلفاء بني أمية من أقوى الخلفاء الأمويين، والذي بلغت الدولة الإسلامية في عصره أقصى اتساع لها، لم يؤثر عنه أنه عسكري، بل كان القادة محكومون بسياسته، وتوجيهاته، ويولي من يشاء ويعزل من يشاء من القادة الكبار.

والدولة العباسية كان يحكمها الساسة الكبار العظام، ولما خاف أبو جعفر المنصور من قوة أبي مسلم الخراساني كان يحرض أخاه السفاح على قتله فيقول له: “لست بخليفة إن أبقيت أبا مسلم”([4])، فلما ولي الخلافة لم ير بدًّا من قتله، فلما قتله قال له جعفر بن حنظلة: “يا أمير المؤمنين: عد هذا اليوم أول خلافتك”([5]).

ثم تبدل الأمر بتدخل كبار القادة الترك في اختيار الخلفاء العباسيين، وبدأ حال الدولة في الضعف والانحدار.

وبلغت سطوة القادة على الخلفاء عظيمة، وبلغت من سطوتهم خلع الخلفاء وقتلهم وسمل أعينهم.

ويبدو أن العقلية العسكرية فيها دائمًا رهق؛ فهذا خالد بن الوليد يأمر بقتل الأسرى متأولاً تأوّلاً خطأ، مما حدا عمر بن الخطاب أن يشكوه لأبي بكر بقوله: “إن سيف خالد فيه رهق([6]).

لذلك أرى أنه لا تصلح العقلية العسكرية دائمًا في قيادة الأمم…

نعم… هي التي تصنع الإمبراطوريات، وتهدم دولاً… وتصنع البطولات… وترفع كرامة الأمم عاليًا ساعة النصر… وكذلك فهي التي تجلب العار لأممها ساعة الهزيمة والانكسار….

نعم … قد يصلح العسكري لئن يكون سياسيًّا بارزًا، ولكنها ليست القاعدة.

والأمم القوية هي التي توظف القوة العسكرية في إطار مرسوم لا تخرج عنه….

فهل نعود لفكر العرب الأولين ورؤيتهم في جعل القائد العسكري تحت إمرة القائد السياسي…. فالسياسي يعتمد كثيرًا على قوة عقله… أما العسكري فيعتمد على قوته الغضبية الباطشة…

وقد رتب أفلاطون في مدينته الفاضلة طبقات البشر، فكان الفلاسفة في قمة الهرم، وقد جعل قوة الغضب تماثلها طبقة المحاربين الفضلاء، وقوة النطق تماثلها طبقة الفلاسفة والحكماء.

ثم إن تجربتنا مع الحكم العسكري في منطقتنا العربية لهي خير دليل على فشلهم في تطوير المجتمعات ونهضتها، بل كانوا سببًا في تخلفنا ونكستنا.

وأخيرًا …. نقول للعسكريين: عودوا لثكناتكم، واكفونا أعداءنا، ولا تتورطوا في المزيد من الدماء… الوطن محتاج إليكم فلا تكونوا سببًا في انكسار هذا الوطن…


([1]) السيرة النبوية لابن كثير، (1/185).
([2]) الحيوان للجاحظ، (2/300).
([3]) السابق، (2/301).
([4]) سير أعلام النبلاء، (6/60)
([5]) السابق، (6/69)
([6]) أسد الغابة لابن الأثير، (5/54).
التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016