كتب

أنا سَلَفي: بحث في الهوية السلفية

28 نوفمبر, 2016

2
مشاركة

“أنا سَلَفِي”: بحث في الهوية الواقعية والمتخيَّلة لدى السلفيين”، يقوم على فكرة “أن السلفية ليست أمرًا محدثًا ولا غزوًا دينيًّا” للمجتمع العربي، فهي “تيار عريض له تراثه الفقهي والفكري والدعوي”، و”حالة معاصرة لها حضورها الملحوظ في مختلف مناحي الحياة العربية”. ويقرر محمد أبو رمان وفقًا لذلك أن هدف الدراسة هو “الاقتراب من المجتمع السلفي وتقريبه إلى القارئ من خلال روايته الذاتية عبر منهج يقوم أساسًا على المقابلات الخاصة مع شخصياته وأفراده” الذين قدَّم كل منهم علاقته مع التيار السلفي من خلال سرده لسيرته الذاتية المتصلة بهذا الخصوص.

تقسِّم الدراسة السلفيين نظريًّا في الأردن إلى ثلاثة أقسام: الاتجاه التقليدي، الاتجاه الحركي، والاتجاه الجهادي، وبالتالي فإن اختيار النماذج التي تعرَّض الكاتب لسيرتها لا تخرج عن أيٍّ من هذه الثلاثة. وحذَرًا من الاعتراضات العلمية حول صحة التمييز بين هذه الاتجاهات والقواسم المشتركة بينها فإن الكاتب يقترح أن هذا التقسيم هو “أفضل المتاح لتمييز الاتجاهات الفاعلة في المشهد السلفي” الأردني. وتتناول القراءة النقدية لهذا الكتاب البحثَ في الاتجاهات الثلاثة من خلال سؤال “الهوية”، والبحث عن أسباب جاذبية التوجه السلفي لمعتنقيه، مع ملاحظة أن النقد قد يختلط أحيانًا مع النص الأصلي للكتاب.

يبدو أن كتاب “أنا سَلَفي” لأبي رمان قد أسهم في تعقيد الإجابة عن سؤال الهوية لاسيما السلفية بدلًا من تبسيطه؛ وذلك لأسباب يمكن الإشارة لأبرزها:

أولًا: أنه أراد من نماذج محددة أن تقدِّم له تفسيرًا عن سبب تبنِّيها “للسلفية” أو لماذا تحولت عن سلفيتها في سياق مواجهتها لتحديات وأزمات متعددة محلية وغير محلية. وفضلًا عن كونها ليست كافية فقد بدت وكأنها استثناء من “النموذج السلفي” القياسي، لأن السلفية تقر بالتعددية في داخلها ولو بنسب متفاوتة اعترافًا منها بتأثير الزمان والمكان وإمكانات النص. ويمكن القول في هذا السياق: إن الأزمات المؤثّرة على السلفية كـ”هوية” هي نفسها التي ستؤثر على أي “هوية أخرى صعودًا وهبوطًا، أو الإيمان بها أو التخلي عنها، أو حتى إغنائها أحيانًا، سواء كان سلفيًّا أو إخوانيًّا أو علمانيًّا أو غير ذلك. وعلى سبيل المثال لا الحصر هناك أزمة هوية في الأردن مرتبطة بثنائية “فلسطيني-أردني” وأخرى حول شرعية “الدولة القُطرية” وحدود “سايكس-بيكو” وحول موضع الدين برمته من الدولة.. وهكذا دواليك.
وفضلًا عمَّا سلف فقد اقترب بطريقة ما الأسلوب المتبع -في تناول النماذج التي اختارها الكتاب- من ذاك السرد الذي تعتمده الجماعات الدينية لإدانة معتقد أو الانتقاص منه في سياق صراع مذهبي (سني/شيعي)، أو ديني (مسلم/مسيحي) ولو لم يقصد ذلك؛ حيث الحديث عن قصص المهتدين المتحولين من مذهب أو دين إلى آخر.

ثانيًا: التأسيس النظري لفكرة أنَّ “السلفية” هوية قائمة بنفسها لم يظهر تأثيره في معالجة هذه النماذج، لاسيما أن المنظور المنهجي الذي افترضه -على ما فيه من فوائد واضحة في تفسير بعض سلوك “التيارات السلفية”- ليس فعَّالًا حينًا وليس كافيًا حينًا آخر للتمييز بين أشكال السلفية نفسها أو حتى تمييز السلفية عن سواها من التيارات الإسلامية بدقة أو عن معتقدات جمهور الناس؛ حيث افترض في هذا الصدد أن “السلفية آلية تأكيد على الهوية في مواجهة العولمة”، وأن “أزمة الهوية” هي إحدى أدوات تفسير الصعود السلفي، إضافة إلى ترسيم علاقة الفرد السلفي مع جماعته بوصفها “مرجعيته” الخاصة التي تحدد سلوكه، وهذه الافتراضات تحمل بذور أحكام مسبقة وغالبًا ما تم استخدامها، وإن بتفاوت، فحكمت على “التيار الإسلامي” برمته -وربما على المجتمعات العربية- بوصفه تيارًا سلفيًّا ماضويًّا انتقائيًّا إزاء الحداثة وما إلى ذلك، أي استخدامها للمقارنة بين البيئة الدينية مع حالة من خارجها تمامًا بهدف إدانتها.

ثالثُا: بدا الكتاب أحيانًا في سياق “السرد” نفسه كأنه يضع “هوية غير سوية”، أي السلفية في مقابل تصور آخر “للهوية” السوية دون أن يحدد أيًّا من معالم هذه الأخيرة؛ فالسَّلَفي منغلق اجتماعيًّا ومتشدد دينيًّا، ويعاني من أزمة هوية ويشعر بالانتقاص في مواجهة “العولمة”، وأحيانًا تملؤه العقد النفسية كما هو مثال “الجهادي الصغير مؤيد” الذي كما يقول: “لم يكن متاحًا أمامه ما يفعله المراهقون الآخرون من وسائل تصريف الطاقة المكبوتة والهائلة سواء في التدخين أو الحديث عن الفتيات أو حتى مشاهدة الأفلام الإباحية أو غيرها من الممارسات التي يرى التيار الجهادي حرمتها…”. وهذا التصوير بالطبع يصلح استخدامه لإدانة كل التيار الإسلامي بل ربما السائد في الثقافة العربية حيث يصبح الداعي لسبيل “الجهاد” هو الغريزة المكبوتة، وفيه مجازفة ومبالغة كبيرة، وهو قد يكون مألوفًا عندما يكون الكاتب من الضفة الأخرى المقابلة تمامًا كأن يكون “غربيًّا” مثلًا، بل ولا يقف على نفس الأرض التي تنتمي إليها التيارات السلفية.

رابعًا: من الملاحَظ أن هناك شخصيتين ذُكرتا في أكثر من موضع في الكتاب باعتبارهما شخصيتين قياديتين في التنظير للسلفية وتأسيسها في الأردن أو إرساء بعض مفاهيمها خارجه، وحظيت على الأقل إحداهما بحماس استثنائي ألا وهي شخصية حسن أبو هنية، أحد الباحثين المتخصصين بالتيارات الإسلامية راهنًا؛ فهو بحسب “السرد” أول من دعا إلى عولمة الجهاد، وأول من أدخل البُعد المؤسسي على العمل السلفي الأردني، ومن أوائل مؤسسي السلفية الحركية في الأردن، مع تقرير ما له من صلة مع أبي قتادة الفلسطيني، الطرف الثاني المعني بالرواية، واللافت أن رواية هذا الأخير الشخصية غابت عن الكتاب، فقد كان شريك أبي هنية في السلفية الحركية ومن أبرز المتحولين نحو “الجهادية”، وفي هذا السياق هي الأدعى بالتناول والبحث ومن صميم مقصود الكتاب.

وفي الختام، إن كان طموح “أنا سَلَفي” نحو تفسير “الهوية السلفية” موضع جدل فإنه كان أكثر دقة في بيان العلامات الفارقة في التيارات السلفية ومذاهبها، ومن ذلك ذكره “الغواية العلمية” كإحدى السمات الجاذبة فيها لا بل هي الأهم في هذا الشأن. ولا يزال الكتاب رواية استثنائية تشرح سلوك شخصيات كان لها حظوظ متفاوتة من المشرب “السلفي” من خلال روايتها لسيرتها الذاتية، وسيضيف الكثير سواء على صعيد محاولة فهم هذا التيار وتعريفه أو رصد سبل تطوره أو تقلب بعض معتنقيه بين التيارات الإسلامية الأخرى أو الخروج عنها جميعًا، فضلًا عن خوضه بشجاعة في “الهوية الواقعية والمتخيَّلة لدى السلفيين” وما في ذلك من استدعاء لبحوث أخرى أكثر دقة في هذا الاتجاه لدراسة نفس هذا التيار أو سواه من التيارات الأخرى.

 

التصنيفات:

المصدر: الجزيرة نت ـ بتصرف
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016