فكر, كتب

المعجزة الكورية أو الدولة المستحيلة

قراءة في كتاب “الدولة المستحيلة” للصحفي البريطاني دانييل تيدور.

30 نوفمبر, 2016

6
مشاركة

التجارب العظيمة هي صفحات منيرة ووقفات ملهمة للشعوب، تنير بها الطريق وتسترشد بها في مسالك الأمور وتتخذ منها سلما إلى المجد وطريقا إلى النهضة والبناء، الصحفي البريطاني دانييل تيدور مراسل صحيفةThe Economist  في العاصمة سيول لمدة عشر سنوات، وأحد الصحفيين الأجانب القلائل الذين استطاعوا اختراق المجتمع الكوري ودراسته عن قرب ، حيث نجح تيدور في تعلم اللغة الكورية بشكل جيد مكنه ذلك من دراسة سلوك المجتمع وعاداته وتقاليده وربط علاقات واسعة مع مختلف مثقفيه وساسته، وإضافة إلى عمله مراسلا لصحيفة The Economist عمل تيدور أيضا محللا للشؤون السياسية و الإجتماعية لكوريا الجنوبية في الإعلام العالمي مثل : بي بي سي ، الجزيرة الإنكليزية و غيرها.

كتابه “الدولة المستحيلة” الذي صدر في سنة 2012 هو عصارة سنوات قضاها تيدور في المجتمع الكوري ، فأطلع عن قرب على ثقافة المجتمع وتاريخه والإرهاصات التى سبقت المعجزة الكورية، والسياقات التى نمت فيها هذه المعجزة وتشكلت، وقد تم ترجمة هذا الكتاب إلى عدة لغات منها : الكورية والصينية والبولندية و التايلاندية.

في هذه القراءة سنركز على الجزء المتعلق  بالنهضة الإقتصادية التى حققتها كوريا الجنوبية في فترة 50 سنة الماضية، نسبر أغوار التجربة و نتدارس السياق الذي ولدت فيه ومسارات تطورها من خلال ما أورده الكاتب دانييل تيدور.

لماذا كوريا الجنوبية ؟

يقول الصحفي تيدور في كتابه “الدولة المستحيلة”:  من براثن الحرب والصراع الإقلمي ومخلفات الإستعمار الياباني والصيني والحرب الأهلية، استطاعت كوريا الجنوية خلال خمسين سنة الماضية أن تتحول إلى قوة إقتصادية عالمية محققة المركز 7 على المستوى العالمي وديمقراطية شكلت مثال يحتذى به من بين الدول الآسيوية.

خلال خمسين سنة الماضية كانت كوريا الجنوبية أشد فقرا من بوليفيا والموزنبيق واليوم كوريا الجنوبية أغنى من النيوزيلندا وإسبانيا، يصل دخل الفرد اليوم في كوريا الجنوبية  23,000 دولار وينموا إقتصادها بمعدل 7% سنويا. كانت هذه الإنجازات الملهمة والتطور المذهل كافيا ليمكث الصحفي دانيال تيدور سنين من عمره في كوريا يبحث ويدرس ويراقب ويحلل.

الخطوات الأولى للنهضة الكورية

خرجت كوريا الجنوبية من الحرب بدمار هائل وخسائر مدمرة، حيث أن ثلث سكانها كانوا مشردين بسبب الدمار الهائل الذي لحق بالمباني السكنية، كان دخل الفرد من الناتج القومي لا يتعدى 100 دولار، وكان التحدي الأكبر هو توفير الغذاء للمواطنيين حيث أن 21% من الأراضي كانت مؤهلة للزراعة ولا تتوفر أموال كافية لإستيراد المواد الغذائية وكانت الحكومة تعتمد بشكل كامل على المساعدات الخارجية، كانت وضعية صعبة عاشتها كوريا الجنوبية بعد الحرب.

في 16   مايو 1961 وصل الجنرال Park Chung-hee  إلى الحكم بإنقلاب عسكري وفور تسلمه مقاليد السلطة قام بإصلاحات سريعة  لانتشال كوريا الجنوبية من الوضعية المزرية التى تعيشها. الجنرال Park Chung –hee الذي عين لاحقا رئيسا للجمهورية الثالثة 1963 هو شاب كوري خدم في الأكاديمية العسكرية اليابانية  وخدم في الجيش الياباني خلال الحرب العالمية الثانية.

يقول دانييل تيدور إنه كان لهذا الجنرال تأثير قوي إيجابي وسلبي على السياسة الكورية في تلك الفترة و شهدت فترته تغيرات كبيرة  منها العرض الذي قدمه لـ 18 شركة عائلية من كبريات الشركات الكورية ومنها شركة سامسونغ التي تمتلك آنذاك خُمْسَ  ثروة البلد والتى كانت متهمة في دفع رشاوي لساسة و تهرب ضريبي. فاستطاع الجنرال Park Chung-hee أن يجبر هذه الشركات على مساعدته و دعم خططه الاقتصادية .

وقد تم  تغريم هذه الشركات بمبالغ مالية كبيرة استخدمت في تحقيق الخطط الاقتصادية التى وضعها Park Chung-hee خلال السنوات الخمس الأولى من حكمه.  ومن بين المشاريع التى  تمت إدراجها في مخطط 1962 – 1967 :  صناعة الأسمدة الزراعية والإسمنت والمواد الكيماوية وتصفية النفط والنسيج.

لاحقا اتسعت المجموعة الداعمة للبرنامج الاقتصادي 1962 – 1967 بإنضمام شركات جديدة منها شركة Daewoo  وهي شركة للنسيج كان والد مالكها  مدرس للجنرال Park Chung-hee ، لكن الشركة تحولت لا حقا  إلى صناعة الإلكترونيات والسيارات والسفن. وحدث هذا التحول  بناء  على أوامر من الحكومة في إطار البرنامج الاقتصادي الجديد. وتعتبر Daewoo  اليوم من كبريات شركات تصميم السفن حيث يبلغ دخلها السنوي 10 مليارات دولار.

التكتلات الإقتصادية العائلية Chaebol

قامت التكتلات الإقتصادية العائلية أو ما يعرف بـ(Chaebol)  في كوريا على الفلسفة الكونفوشوسية حيث كانت تتعامل هذه الشركات العائلية مع عمالها كأبناء فتقدم لهم الهدايا وتقف معهم في المحن وتقدم لهم المساعدات المالية و الامتيازات الإدارية ، و في المقابل يقدم العمال ولاءهم لهذه الشركات كآباء لهم ويتربون على أن نجاح هذه الشركات مصدر فخر واعتزاز لهم ولعائلاتهم. وقد كان لهذه التكتلات دور كبير في رسم السياسات الاقتصادية ومساعدة الحكومات على تنفيذ خططها المتعلقة بالبناء والرفاه الإقتصادي.  يقول الكاتب الكوري  Cho Mu –hyun  يصف  Chaebol، إنهم الحجر الأساس  للنهضة الكورية، فهم الواجهة السياسية والاقتصادية و الاجتماعية لهذه النهضة . فـ(سامسونغ ـ هونداي ـ ال جي)  هم من انتشل كوريا الجنوبية من الفقر و وضعها كقوة إقتصادية عالمية تنافس الكبار.

التعليم والخطة الإقتصادية 747Lee’s  

كان لدى قادة كوريا الجنوبية الجدد  قناعة راسخة بأن أفضل السبل وأقوم الطرق للالتحاق بركب التطور والازدهار ومسايرة محيطها الإقليمي القوي هو التعليم لذالك رفعوا شعار “Education is Everything”   أي التعليم هو كل شيء.  وهكذا انتهجت كوريا الجنوبية سياسة تعليمة قوية وممنهجة أعطت ثمارها بسرعة وشكلت دعما كبيرا للمسار التنموي في البلاد وسرعت بتحقيق أهداف النمو.

بالإضافة إلى النهضة الإقتصادية الكبيرة حققت أيضا كوريا الجنوبية تحولا سياسيا عميقا جعلها من أوئل البلدان الديموقراطية في آسيا والعالم ، في إنتخابات 2007 رفع المرشح الرئاسيات  Lee Myung bak   عمدة العاصمة سيول سابقا شعارا إنتخابيا  يحمل الكثير من التحدي ، حيث قدم  خطة إقتصادية تعرف ب 747 ، وتعني العمل على جعل إقتصاد  البلد  السابع عالميا ، ودخل الفرد القومي 40,000 دولار إضافة لتحقيق معدل نمو 7%.  على الرغم من أن الأمر بدا شبه مستحيل إلا أن المرشح Lee Myung bak  استطاع الفوز بالرئاسيات والسير بالبلاد بخطي ثابتة نحو تحقيق أهداف الخطة 747.  في سنة 2011  وصل حجم التجارة الخارجية لكوريا الجنوبية 1 تريليون دولار  وسط احتفالات وابتهاج من كبريات الشركات الكورية ووسط حشد إعلامي كبير.  كانت تلك بدايات تحقيق أهداف الخطة 747 وكانت مرحلة جديدة من تاريخ نهضة كوريا الجنوبية.

 

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016