ترجمات

الشعبوية تتزايد .. لماذا الغرب في مأزق ؟

1 ديسمبر, 2016

13
مشاركة

 

 نشرت مجلة “فورين أفيرز” مقالا للكاتب فريد زكريا حاول الإجابة فيه عن سبب تزايد الشعبوية في أوروبا والولايات المتحدة خاصة بعد فوز ترامب بالانتخابات الأمريكية الأخيرة.

وفي بداية المقال قال إن ” كل تعاريف الشعبوية تشترك في العداء تجاه النخب والحياة السياسية، والمؤسسات القائمة. وتعتبر نفسها أنها تمثل  المواطن العادي أو الطبقة المنسية وغالباً ما تتخيل نفسها الصوت الوطني الأصيل”.

واستشهد زكريا بما كتبه ترامب في صحيفة وول ستريت جورنال في إبريل 2016 “الترياق الوحيد لعقود من الحكم المدمر من قبل حفنة صغيرة من النخب هو فرض الإرادة الشعبية في كل قضية رئيسة تؤثر على هذا البلد..  الناس على حق والنخبة الحاكمة على خطأ “.

 نوربرت هوفر، الذي كان يدير حملة الانتخابات الرئاسية للنمسا في عام 2016 أوضح لخصمه ” المجتمع الراقي يقف خلفك ولكن الناس العاديين معي “.

كيف يمكن تفسير هذا التحول؟

أشار الكاتب فريد زكريا إلى غياب الشعبوية إلى حد كبير في آسيا حتى في الاقتصادات المتقدمة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، وتراجعت في أمريكا اللاتينية، والتي كانت من العوامل المساعدة لحكم اليساريين في الأرجنتين، وبوليفيا، وفنزويلا، بالمقابل ارتفعت الأصوات الشعبوية في أوروبا بمعدلات ثابتة، وأثبتت أن لها جذورا أعمق مما كان يتخيل.

ولفت الكاتب النظر إلى ورقة بحثية هامة لكلية كينيدي للإدارة الحكومية بجامعة هارفارد، أثبتت أنه منذ 1960 والأحزاب الشعبية في الدول الأوروبية تحرز تقدماً في عدد الأصوات، وأن نسبة الشعبويين من اليسار زادت 5 أضعاف مما كانت عليه في السابق.

يقول الكاتب : “دول أوروبا وأمريكا الشمالية تضم بلدان متفاوتة في الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لكنها تواجه ركودا وتحديات اقتصادية مشتركة، وشهدت أغلب الدول الغربية انخفاضا في معدلات النمو منذ سبعينات القرن الماضي وبالرغم من اعتمادها على سلسلة متنوعة  من السياسات الاقتصادية ونتيجة لذلك حصلت بعض الطفرات القصيرة ، ولكن التحول كان حقيقيا”.

 ويتساءل زكريا : إلى ماذا يُعزى هذا التراجع؟

وينقل الكاتب ملاحظة الباحث روتشار شارما في كتابه “صعود وسقوط الأمم” أن الاتجاه السائد لمثل هذا الركود يجب أن يكون له سبب وجيه، حدده بعامل ” التركيبة السكانية”.

ويضيف زكريا : “الدول الغربية مثل الولايات المتحدة وبولندا والسويد واليونان، شهدت انخفاضا في معدلات الخصوبة ويختلف مدى هذا الانخفاض من دولة لأخرى، ولكن يلاحظ أن حجم الأسر بات أصغر وفي ذات الوقت انخفضت أعداد العمالة الجديدة، وتزايدت صفوف المتقاعدين، وهذا له تأثير جوهري وسلبي على النمو الاقتصادي”.

ويستدرك الكاتب : ثورة المعلومات عامل آخر له تأثيره على العالم الغربي، وهذا المقال ليس مخصصا لمناقشة ما إذا كانت التكنولوجيات الجديدة تؤثر على زيادة الإنتاجية، يكفي القول، أنها تعزز آثار العولمة. العامل الأخير هو التحدي المالي، تقريبا كل الدول الغربية تواجه تحديات مالية كبيرة. نذكر على سبيل المثال نسبة صافي الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الاتحاد الأوروبي عام 2015 بلغت 67 في المئة بينما وصلت النسبة في الولايات المتحدة، إلى 81 في المئة.

ويرى الكاتب أن هذه القيود في التركيبة السكانية، والعولمة، والتكنولوجيا، والميزانيات تعني أن صناع القرار لديهم مجموعة محدودة من الخيارات للاختيار من بينها، وأن الحلول المعقولة لمشاكل الاقتصادات المتقدمة هذه الأيام هي سلسلة من الجهود التي تهدف الى تحسين الأوضاع مثل: مزيد من الاستثمارات، وتحسين عامل التدريب، وإصلاح الرعاية الصحية، ولكن هذا التدرج ينتج شعور عميق بالإحباط بين عدد من الناخبين الذين يريدون حلولا تعالج جذور المشكلة، وزعيما حاسما وجريئا من شأنه الاستغناء عن الضوابط والتوازنات الديمقراطية الليبرالية.

من الاقتصاد إلى الثقافة

ويوضح  زكريا “أن نتيجة لعوامل عدة في الاقتصاد العالمي، كان هناك تقارب دولي في السياسة الاقتصادية خاصة في العقود الأخيرة، ففي الستينات كان الفرق بين اليسار واليمين كبير، فى حين سعى اليسار لتأميم صناعات بأكملها بينما كان اليمين يميل لإخراج الحكومة من الاقتصاد” .

ويشير الكاتب إلى الفترة التي جاءت بفرانسوا ميتران إلى السلطة في فرنسا أوائل الثمانيات واتخذ جملة من السياسات الاشتراكية ، في حين سعت مارغريت تاتشر ورونالد ريغان لخفض الضرائب وخصخصة الصناعات والخدمات الحكومية، ورفع القوانين جذريا عن القطاع الخاص، ومع نهاية الحرب الباردة فقدت الاشتراكية مصداقيتها بجميع أشكالها، وتحقق أكبر قدر من النجاح في عهد كلينتون في الولايات المتحدة وبلير في المملكة المتحدة.

ويضيف الكاتب : “لو تأملنا خطط ترامب الاقتصادية، سنجد أنها تشمل انفاقا ضخما على البنية التحتية وفرض رسوم جمركية عالية واستحقاقات جديدة خاصة بالأمهات العاملات. واستخدم الخطاب المعتاد حول خفض اللوائح والضرائب، ولكن في الواقع ما هي إلا مجرد وعود انتخابية لا تختلف كثيراً عن جدول أعمال هيلاري كلينتون كما نفترض. أيضا سنجد أن ترامب كان قد تفاخر بأن برنامجه للبنية التحتية سوف يكون ضعف ما خططت له كلينتون”.

ويؤكد زكريا أن التقارب في السياسات الاقتصادية إلى الحالة التي أصبح فيها الفارق الحاسم اليوم بين اليسار واليمين وهو الجانب الثقافي. رغم ما يسمعه المرء في بعض الأحيان، فإن معظم تحليلات الناخبين لخروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي وفوز ترامب أو المرشحين الشعبيوين في جميع أنحاء أوروبا نجد أن العوامل الاقتصادية (مثل ارتفاع عدم المساواة أو آثار التجارة) ليست هي المحركات القوية لدعمهم بل القيم الثقافية، وأدى ذلك إلى ظهور أحزاب جديدة في أوروبا، لكن في الولايات المتحدة اتجهت الأصوات نحو الجمهوريين أكثر على أساس هذه القضايا الثقافية لا حسب القضايا الاقتصادية.

وأرجع زكريا السبب إلى انتقال الديمقراطيين في عهد كلينتون إلى الوسط، وانضمام عدد من المهنيين إليهم، ومن ناحية أخرى وجدت طبقة البيض العاملة نفسها في تنافر متزايد مع الديمقراطيين وتقارب أكثر مع الحزب الجمهوري خاصة فيما يتعلق بقضايا السلاح، والدين، وحرية الشذوذ، بالإضافة إلى ظهور حركات جديدة مثل حزب الشاي في فترة ولاية الرئيس باراك أوباما الأولى والتي يرى الباحثون أن دوافعها الأساسية ليست اقتصادية بل ثقافية، وأظهرت عداوة لأوباما، وكان للعنصر العرقي دور في هذا التفاعل الثقافي.

المهاجرون والوطن

يشير الكاتب إلى القضية الأولى والمهمة في الانتخابات الأمريكية الأخيرة وهي الهجرة حيث أجاد ترامب استغلالها بالإضافة لعدد من القضايا الاجتماعية الأخرى مثل حقوق المثليين، هناك فئة قليلة من السياسيين المحافظين تؤيد تجريم المثلية الجنسية، لكن الهجرة كانت القضية الساخنة التي وحدت الشعبويين ضد خصومهم من النخبة.

ويقول الكاتب “مستويات القلق العام لا ترتبط مباشرة بعدد المهاجرين الإجمالي في بلد ما، واستطلاعات الرأي تظهر بعض النتائج المثيرة للدهشة. فرنسا على سبيل المثال من أقل الدول – نسبيا – اهتماما بقضية العلاقة بين اللاجئين والإرهاب من الدول الأوروبية الأخرى، وانخفضت المواقف السلبية تجاه المسلمين بشكل كبير في ألمانيا على مدى العقد الماضي ومع ذلك يبدو أن هناك علاقة بين المخاوف العامة وزيادة نسبة الهجرة هناك”.

ويضيف الكاتب ” هذا يشير إلى أن العنصر الحاسم في هذا المزيج هو السياسة حيث نجد في البلاد التي فشل الساسة معالجة هموم مواطنيهم ارتفاعا في الأصوات الشعبوية خاصة من قبل أصحاب مشاريع سياسية تعمل على وتر الخوف وتأجيج العصبيات الكامنة، ومن المؤكد أن الشعبويين في كثير من الأحيان سعوا الى تشويه أو حتى إلى نشر مغالطات من أجل قضيتهم. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، كانت تجربة الهجرة من المكسيك سلبية لعدة سنوات وبدلا من تفاقم أزمة المهاجرين غير الشرعيين فإنها تتقلص على أرض الواقع”.

ويشدد زكريا أهمية تركيز المجتمعات الغربية بشكل مباشر على مخاطر التغير الثقافي السريع والتي تتضمن بعض القيود على معدلات الهجرة وعلى أنواع المهاجرين الذين يسمح لهم بالدخول.

وخلص الكاتب أن المسألة الأكثر أهمية للأجيال القادمة هي الهجرة وسيتم تخطي هذا التحدي لأن الشباب من أقل فئات المجتمع قلقاً أو خوفاً من الأجانب ويدركون مدى تمتع المهاجرين بثراء اقتصادي واجتماعي وثقافي ولديهم استعداد للعيش معهم وسط عالم مفتوح ومتواصل، وسيظل التحدي الذي يواجهه الغرب هو التأكد من أن الطريق إلى هذا المستقبل ليس وعراً بحيث يسبب كارثة ما.

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016