شريعة

المنهج السياسي للإمام علي – رضي الله عنه- في التعامل مع المخالفين

12 ديسمبر, 2016

45
مشاركة

على الرغم من الصعوبات السياسية التي واجهها علي- رضي الله عنه- في بداية حكمه، ومثلت شغلًا  كبيرًا لذهنيته السياسية، بل وأفقدته كثيراً من طاقاته لاسيما البشرية- إلا أننا لم نلاحظ أي بوادر لصدور قرارات تقضي مثلاً بفرض قانون “يشل” حركة الحياة الاجتماعية والفكرية للمجتمع المسلم- بالرغم من الحوادث الخطيرة التى وقعت- أو أنه عزم على تفويض “الحريات العامة” أو العزم على “الاستبداد والتسلط”، و”إقرار انحراف المفسدين” تأمينا لحكومته الجديدة، بل وجدنا أن رد الفعل كان مناقضاً تماماً لكل ذلك، حيث وضع النظام الجديد كافة الضمانات لإحياء المبادئ الأساسية للمجتمع بكافة أشكاله واتجاهاته وفئاته.

وقد أظهر – رضي الله عنه- قبل بيعته أنه ليس بحريص على الحكم، لذلك فقد ذكر لمن أراد أن يبايعوه بعد قتل عثمان – رضي الله عنه- “دعوني والتمسوا عليه العقول.. واعلموا أني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم، ولم أصغ إلى قول القائل وعتب العاتب، وإن تركتموني فأنا كأحدكم ولعلي أسمعكم وأطوعكم لمن وليتموه أمركم، وأنا لكم وزيراً خير لكم منى أميرًا”.[1]

ونشير فيما يلي إلى بعض ملامح منهجه – رضي الله عنه- السياسي كما تضمنتها آرائه وأفكاره في “نهج البلاغة”:

1- الحريات العامة:

وأول ما يلاحظ من هذه الحريات، “حرية بيعته واختياره”، فقد كان هذا الأمر عن حرية وطاعة، وبلا جبر أو إكراه، يقول – رضي الله عنه – “وبايعني الناس غير مستكرهين ولا مجبرين، بل طائعين مخيرين”[2]، إنه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإن اجتمعوا على رجل وسموه إماماً كان ذلك لله عز وجل[3]، وكما اختير- رضي الله عنه- باختيار الناس وحريتهم، فقد حافظ على هذه الحرية حتى مع المخالفين، فقد أباح لهم “حرية التنقل” ولم يمنعهم من الحركة حتى أثناء حربه معهم “فقد استأذنه الزبير وطلحة في العمرة فأذن لهما”[4]، وقال للخوارج عند قبوله التحكيم ورفضهم إياه وتكفيره “لكم علينا ثلاثة: أن لا نمنعكم من المساجد، ولا من رزقكم من الفئ، ولا نبدؤكم بقتال مالم تحدثوا فساداً “.[5]

كما أشاعت أقواله الدعوة إلى “المراقبة والنصيحة”، والبدء في التقويم، متقبلًا “الرأي الآخر” واعداً العمل به، بل ملزمًا نفسه طالما في صالح الجماعة والمجتمع قال- رضي الله عنه- “أنتم الأنصار على الحق، والإخوان في الدين، وَالْجُنَنُ يوم البأس، والبطانة دون الناس، بكم أضرب المدبر، وأرجو طاعة المقبل، فأعينوني بمناصحة خلية من الغش، سليمة من الريب إني لأولى الناس بالناس”[6]، “ولا ظهير كالمشاورة”.[7]

2- الميل إلى المهادنة والمصالحة مع المخالفين:

كان علي – رضي الله عنه- يميل إلى عقد التفاوض ومصالحة المخالفين له، وتفضيل ذلك على مواجهتهم وحربهم، قال- رضي الله عنه- لمن أنكروا عليه قبوله التحكيم: “… وأما قولكم: لم جعلت بينك وبينهم أجلًا في التحكيم، فإنما فعلت ذلك ليتبين الجاهل، ويتثبت العالم، ولعل الله أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الأمة، ولا تؤخذ بأكظامها، فتعجل عن تبين الحق، وتنقاد لأول الغي”.[8]

وهو القائل- أيضا- “والله ما يزيد ما نريد قتالهم إلا أن يقاتلوا”[9]، “ولا نبدؤكم بقتال مالم تحدثوا فساداً”.[10]

ويتبين من ذلك الرغبة في المحافظة على وحدة المجتمع وتماسكه ونبذ الاضطرابات والفوضى والخسائر في المجتمع، وهو ما ينجم عن المواجهة المسلحة بين الحكومة ومعارضيها دائماً، وكان – رضي الله عنه- يحذر من رفض الصلح: ” ولا تدفعن صلحاً دعاك إليه عدوك لله فيه رضي، فإن في الصلح دعة لجنودك، وراحة من همومك، وأمناً لبلادك”.[11]

وفى خطبة في قومه من كنده صرح قائلاً “…قد رأيتم يا معشر المسلمين ما قد كان في يومكن هذا الماضي وما قد فني فيه من العرب.. فو الله لقد بلغت من السن ما شاء الله أن أبلغ فما رأيت مثل هذا اليوم قط- يقصد يوم صفين.. ألا فليبلغ الشاهد الغائب أنا إن تواقفنا غدًا إنه لفنيت العرب وضيعت الحرمات… أما والله ما أقول هذه المقالة خوفًا من الحرب، ولكنى رجل مسن أخاف على النساء والذرارى غدًا إذا فنينا”.[12]

3- التسوية بين الجميع في العطاء المالي:

كان عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – مقسما حجم العطاء من بيت المال بحسب السبق إلى الإسلام، ولم يكن ذلك منهج علي، وأشار إلى ذلك في قوله “… ولو كان المال لي لسويت بينهم فكيف وإنما المال مال الله”.[13]

ولما اعترض البعض على هذه “الأسوة” بين الجميع رد عليهم قائلاً “إن ذلك أمر لم أحكم فيه برأيي، ولا وليته هوى مني، بل وجدت أنا وأنتما ما جاء به رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قد فرغ منه، فلم أحتج إليكم فيما قد فرغ الله من قسمه، وأمضى فيه حكمه، فليس لكما- والله- عندي، ولا لغيركما في هذا عتبي”.[14]

4- فيما يتعلق بحقوق الرعية:

ظهر مفهوم “الحق” عند عليٍّ في مواضع عديدة نذكر منها ما يلي “… فليست تصلح الرعية إلا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلا باستقامة الرعية، فإذا أدت الرعية إلى الوالي حقه، وأدى إليها حقها، عز الحق بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل،…”[15] “…أيها الناس إن لي عليكم حقًا، ولكم على حق: فأما حقكم على فالنصيحة لكم، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلاً تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا، وأما حقي عليكم، فالوفاء بالبيعة، والنصيحة في المشهد والمغيب، والإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم”.[16]

وفى رسالته الجامعة إلى مالك الأشتر- لما ولاه على مصر- يوضح حقوق الرعية وواجبه تجاهها، ومنها:

– الاعتبار للرأي العام. “… يا مالك إني وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجود وأن الناس ينظرون من أمورك فى مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم، وإنما يستدل على الصالحين بما يجرى الله لهم على ألسن عباده..”.[17]

محورية العدل في حكومته وحكمه: “… أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إلا تفعل تظلم! ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجته، وكان لله حرباً حتى ينزع ويتوب، و ليس شئ أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم فإن الله يسمع دعوة المضطهدين وهو للظالمين بالمرصاد”.[18]

تقديم مصلحة العامة على “الخاصة” أو “النخبة”: عند التعارض “وليكن أحب الأمور إليك أوسطها في الحق وأعمها في العدل، وأجمعها لرضي الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضي الخاصة، وإن سخط الخاصة يغتفر مع رضي العامة”.[19]

النظرة الوظيفية “السننية” للرعية أو “طبقات المجتمع“: “واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعضك فمنها جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمال الإنصاف والرفق، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوى الحاجة والمسكنة، وكل قد سمى الله سهمه، ووضع على حده وفريضته في كتابه أو سنة نبيه – صلى الله عليه وسلم- عهداً منه عندنا محفوظاً”[20]، وهذه- أيضاً- نظرة “مساواتيه” “حقوقية” لكل أفراد المجتمع وطبقاته ودرجاته، لا يختلف ولا يتخلف عنها أحد.

مراعاة “الكفاءة” في الوظائف لا الولاء الجاهلي: “ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختبارًا، ولا تولهم محاباة وأثره، فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخ منهم أهل التجربة والحياء…”.[21]

لم يضع علي – رضي الله عنه- شروطاً “عنصرية” أو “قبلية” أو “أيديولوجية(2*) لتولى الوظائف- أيا كانت-، بل وضع شروطاً موضوعية وعلمية إلى أقصى درجة، وقدم “الكفاءة” و”التجربة” و “الحياء”، على الولاء القبلي الجاهلي- في أي عصر كان- وربط بين “المحاباة” و “الأثرة” التى يفعلها الكثير، وبين “الظلم” و”الجور”، و”عدم أمانة “الاسترعاء” “الخيانة”، وهي صفات يستحق من يتصف بهما: العزل على حكم الرحمة، والقتل على حكم الشدة، لما لهما- أي الظلم والخيانة- من آثار عظيمة في الإفساد في الأرض، ويعلل الإمام ذلك للأشتر بقوله: “فإن ذلك دليل على نصيحتك لله ولمن وليت أمره”.[22]

– التحذير الشديد من عسكرة النظام الحاكم: يحذر الإمام من سيطرة الرؤية العسكرية على قرارات الحاكم وحكومته، فإن مخالفة الناس له لا تستدعي مواجهتهم العسكرية، بقتلهم و”إنهاء حياتهم” بغير حق- وكم رأينا في دول تستخدم هذه الرؤية في التعامل مع المخالفين لها(*)، فيشير الإمام إلى ذلك قائلا” “إياك والدماء وسفكها بغير حلها فإنه ليس شئ أدعى لنقمة ولا أعظم لتبعة ولا أحرى بزوال نعمة وانقطاع مدة من سفك الدماء بغير حقها… فلا تقوين سلطانك بسفك دم حرام فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله …”.[23]

5- غير المسلمين: يضع الإمام علي – رضي الله عنه- منهج الإسلام موضع التنفيذ، ومن ذلك رؤيته الإنسانية الواسعة في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا). [النساء : 1 ]  ويوصي عماله بمراعاة هذا البعد الإنساني: “وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعًا ضاريًا تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق”[24].

وهكذا- دائمًا- يربط الإمام في نظرته “المساواتية” بين جميع أفراد الرعية، وهى النظرة القرآنية التى انطلقت في الخطاب القرآني بأنه “للناس” جميعاً، والنظرة النبوية التي تحدد “المساواة” منطلقا لمنهجية التعامل البشري “الناس سواسية”، وهو ما لم تستطع الدساتير المعاصرة أن تحققه على المستوى العملي مهما ادعت ذلك على المستوى النظري.


[1] نهج البلاغة، ص: 101 .
[2]  نهج البلاغة، ص: 309 .
[3] فتح الباري، كتاب الفتن، جـ13، مرجع سابق، ص: 61 .
[4] فتح الباري، كتاب الفتن، جـ13، مرجع سابق، ص: 61 .
[5] فتح الباري، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، جـ12، مرجع سابق، ص: 297 .
[6] نهج البلاغة، ص: 137 .
[7] المرجع السابق،ص: 415.
[8] نهج البلاغة، ص: 145 .
[9] فتح الباري، كتاب الفتن، جـ13، مرجع سابق، ص: 62 .
[10] فتح الباري، كتاب استتابة المرتدين، جـ 12، مرجع سابق، ص: 297 .
[11] نهج البلاغة، ص: 380 .
[12] عباس محمود العقاد: عبقرية الإمام، القاهرة، الهيئة العامة للكتاب، 1999 ، ص: 59 .
[13] نهج البلاغة، ص: 146 .
[14]  المرجع السابق، ص: 241 .
[15] نهج البلاغة، ص: 251 .
[16] نهج البلاغة، ص: 44 .
[17] المرجع السابق، ص: 367 .
[18] المرجع السابق، ص: 368 .
[19] المرجع السابق، ص: 368 .
[20] المرجع السابق، ص: 371 .
[21] المرجع السابق، ص: 374 .
* إن الدولة المعاصرة التى تزعم الديمقراطية تضع شروطاً أيديولوجية للمناصب و الوظائف العامة لدرجة ينتفي معها القول تمامًا بوجود قدر من احترام التعددية، ففي مصر – التى كان يزعم خطابها السياسي دائمًا بإقرار التعددية الفكرية والسياسية في الثمانينات والتسعينات تشير منظمة “هيومن رايتس ووتش” إلى أنه منذ عام 1994 تعين الدولة رؤساء الجامعات العامة الذين يتولون بدورهم تعيين عمداء الكليات، ويتم تنفيذ هذه العملية على نحو يمنح الدولة قدراً مفرطاً من التحكم في الشئون الداخلية للجامعات، كما يجعل الأفضلية عند تعيين عمداء الكليات للأساتذة الذين يؤيدون الحزب الوطني الديمقراطي. وكثيرًا ما يضع هؤلاء العمداء قيوداً على حرية الرأي والتعبير لدى الأكاديميين؛ فقد أبلغ الأساتذة والطلاب بحالات قام فيها العمداء بمراقبة المناقشات الجارية في الفصول وتدخلوا لمنعها وإيقافها وحالوا بين الأساتذة ذوى النشاط السياسي وبين الاتصال بالطلاب، كما منعوا الطلاب اليساريين والإسلاميين من خوض الانتخابات الطلابية… ويقمعون أي شكل من أشكال التعبير يهدد بتجاوز الخطوط الحمراء.  (انظر موقع المنظمة على الإنترنت    www.hrw.org)
ومن ناحية أخرى تمتلئ المحاكم المصرية بالعديد من القضايا التى ترفع ضد الدولة بسبب منعها بعض الأفراد من حقهم فى التعيين- لاسيما في المناصب المميزة- استناداً إلى تقارير أمنية ترفع ويذكر فيها أنهم “يخالفون السياسة العامة” للحكومة، لمجرد كونهم أبدوا آرائهم السياسية بوسائل التعبير السلمية (انظر: المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، القاهرة، الكتاب الخامس)، 1998.
[22] نهج البلاغة، ص: 376.
* وقد فعل ذلك جمال عبد الناصر، الذى اتبع سياسة سفك الدماء لمعارضيه، لاسيما جماعة الإخوان المسلمين، ومن أشهر من تعرضوا لذلك، سيد قطب، عبدالقادر عودة وغيرهم انظر: محمود عبدالحليم عبدالله: الإخوان المسلمون: أحداث الإسكندرية، دار الدعوة، 2004.
[23] نهج البلاغة: ص 381، 382.
[24]  نهج البلاغة ص: 367 .
التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016