فكر

التهجير القسري ومشروع إيران التوسعي

20 ديسمبر, 2016

30
مشاركة

في حلب اليوم، كما في معظمية الشام أمس وبغداد والفلوجة وتكريت وغيرها من حواضر الأمة يودع الطفل مدارج طفولته والزوجة ربوع ذكريات حبها والأم منابت عزها والكل أموالهم وديارهم في رحلة مجهولة المستقر والنهاية، ويترجم كل ذلك مشهدا جديدا في سفر نكبة أمة لا زالت تقاسي فصول إذلالها بأدوات مختلفة وبرعاية دول عظمى لازالت ترى في بلاد المسلمين رغم التخلف والتشتت أمة مغايرة ومعاندة..

اليوم تباد شعوب السنة في العراق والشام وتشرد كعربون صداقة للتحالف الجديد بين الحقد الطائفي المبتدع والظلم الغربي المتآمر والعنجهية الروسية الفاتكة، ويُفتتح سفر جديد في نكبة أمة الإسلام، ومن المؤسف أن لا تختلف النتيجة والحصيلة بين الأداة الصهيونية وممارسات الأقليات الشيعية، بل إن الوحشية التي اتسمت بها المليشيات الطائفية كانت أقسى من ممارسات عصابات الهاجانا في أربعينيات القرن المنصرم في بلدات ومدن فلسطين المحتلة..

الهدف الذي سعت له عصابات الهاجانا هو ذات الهدف الذي تسعى له ميليشيات الحشد الشعبي وميليشيا حزب الله في العراق وسوريا، وهو احتلال الأرض وتغيير التركيبة السكانية والدينية والمذهبية، وترك مئات آلاف العوائل مشردة بشيوخها وأطفالها ونسائها..وإحلال ساكنة جديدة بدلها، وكما استعانت الصهيونية العالمية بالهجرات اليهودية من شتى بقاع العالم إلى الأرض الموعودة في فلسطين المنكوبة استعان نظام الملالي في إيران بالحشد المذهبي لاستقدام العصابات من كافة الأقليات الشيعية في أذربيجان وباكستان وأفغانستان وغيرها في تداع طائفي بغيض لتحقيق أهدافه التوسعية والإحلالية اللئيمة..

حجج داحضة

تتذرع العصابات الطائفية التي تجوس خلال الديار اليوم في أرض سورية والعراق بأنها تواجه التكفير والإرهاب، وأنها تثأر من حزب البعث “الطائفي” في العراق..

والحق أن النخب الشيعية الخاطئة هي التي تمالأت مع العدوان الأمريكي في العراق من أجل خلق انقسام طائفي عميق من خلال تأجيج المشاعر الطائفية للشيعة بحجة أن نظام البعث كان نظاما سنيا، وهو أمر عار من الحقيقة، فقد كان نظام البعث نظاما علمانيا وطال استبداده وظلمه كل مكونات الشعب العراقي ونخبه الحية بدون استثناء. وهو ما يؤكده المؤرخ الفلسطيني بسير نافع في كتابه: (العراق، سياسات الوحدة والانقسام) مذكرا أن القادة الثلاثة الأوائل لحزب البعث في العراق كانوا من العرب الشيعة وأن نظام العارفيْن هو الذي سمح للخميني بدخول العراق رغم اعتراض مرجعيات النجف أنذاك.

أما في سوريا فقد ذاقت الأغلبية السنية الصبورة الويل والثبور تحت نير نظام باطني تقيوي، علماني المظهر طائفي البنية، ظل يزرع القهر والتعذيب والكبت حتى حصده انفجارا شعبيا وثورة عارمة عاملها بالقتل والتعذيب البشع وانتهاك الأعراض وهتك الحرمات حتى اضطر أبناؤها لحمل سلاحهم والدفاع عن أنفسهم استكمالا لثورة شعبية وطنية بعيدة عن النفس الطائفي في أصل خطابها : سوريا بدها حريه..

أقليات ضائعة.. وثورة كسيحة

ظل النظام الرسمي العربي يحذر من تصدير الثورة الإيرانية، وينظر إليها بعين الريبة ويتهمها بمحاولة اختراق النسيج الوطني للبلدان العربية، وكان موقف كثير من النخب الشعبية السنية هو التعاطف مع الثورة الإيرانية تماشيا مع خطابها المناصر لفلسطين والمناهض لسياسات أمريكا في المنطقة، ولكن يبدو أن مخاوف تلك الأنظمة كانت في محلها وأن الشعارات شيء والسياسات شيء آخر، فقد عملت إيران على تضييع انتماء الأقليات الشيعية لبلدانها بل لأمتها، وظلت تعمل على تقويض الأمن الاجتماعي لجيرانها من خلال زرع كيانات تنظيمية وظيفية في كل أقلية شيعية.

 ومهما استعانت الأقليات الشيعية اليوم بجبروت إيران وتحالفاتها المشبوهة فإنها تسيء لنفسها ولأبناء طائفتها بقيادتهم نحو المجهول الذي تريد أن تصل إليه على دماء الأبرياء وآهات المهجرين والمظلومين من أبناء جلدتها، أما المشروع الإيراني فقد بدا وجهه القبيح خال من روغان التقية والخداع الذي مارسته طيلة عقود، واتضح جليا أن الالتقاء الذي حلمت به الجماهير العربية المسلمة مع الثورة الإيرانية في سبيل الحرية والكرامة والعدل كان حلما طفوليا، وأن الحشد الشعبي وميليشيات سليماني في سورية هي الترجمة الحقيقية للمشروع الإيراني التوسعي.

وما الممارسات التي تتوسل بها إيران لتحقيق مجدها الإمبراطوري إلا دليل على التردي الأخلاقي والسقوط القيمي، فممارسات الميليشيات الشيعية المدعومة من طرفها يندى لها الجبين، وقد أفادت منظمات دولية أن هذه الميليشيات ارتكبت جرائم حرب وجرائم بحق الإنسانية في العراق وسورية.

فإحراق المدن والقرى على ساكنيها حتى استحالت ركاما وقتل الأبرياء صبرا وخطفهم وتعذيبهم حتى الموت ومطاردة الجرحى والمهجرين وقتلهم وانتهاك الأعراض هو دليل على الحقد الأسود الذي يحمله المستوطنون الجدد، والإسلام براء منهم، ومن مرجعياتهم التي تشجع وتفتي بالقتل والتشريد على الهوية.. والحق أن الابتداع شر كله، ولا خير فيه، والتجربة التاريخية ووصايا العلماء كانت أنفذ بصيرة وأعمق وعيا من المثاليات الحالمة التي تبناها جمهور الأمة في نظرته لإيران وربائبها.

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016