فكر

اغتيال السفير الروسي..هل يكون خنجرا في ظهر تركيا؟

22 ديسمبر, 2016

22
مشاركة

كان واضحا في عملية اغتيال السفير الروسي في تركيا أندريه كارلوف أنها عملية انتحارية ،فالقاتل كرر جملة “لن أخرج من هنا على قيد الحياة”. لكن يبدو أن مقتله قبل القبض عليه والحصول على إفادته سيقلل كثيرا من فرص التوصل إلى الأسباب الحقيقية لعملية الاغتيال أو لمعرفة الجهة التي تقف وراءه.

لست أدري لماذا ،ولكن حادثة اغتيال السفير الروسي بتركيا أعادت إلى ذهني حادثة اغتيال الرئيس الجزائري محمد بوضياف عام 1992 في مدينة عنابة ،نظرا لأوجه التشابه بين العمليتين:

1. القاتل في الحالتين كان من سلك الأمن الخاص المحيط بالضحية
2. القتيلان كانا يشغلان منصبا في الدولة: الأول رئيس والثاني سفير
3. مسرح الجريمة كان عبارة عن منصة لإلقاء الخطابات والاثنان قتلا أثناء تأدية مهامهما.
4. الرئيس محمد بوضياف والسفير الروسي كلاهما قتل في الظهر
5. أصابع الاتهام في العمليتين وجهت لأطراف إسلامية متطرفة
6. تبرير الاغتيال سياسي محض: بوضياف قتل بسبب إلغاء نتائج الدور الأول من الانتخابات التشريعية لسنة 1991 التي فازت بها آنذاك “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” ،والسفير الروسي قتل بسبب تدخل بلاده في سوريا والجرائم التي يمارسها جيشها في حق سكان حلب.
7. الاختلاف الوحيد بين الحادثتين أن بوضياف قتل في بلده وعلى يد أبناءه ،أي أن المسألة داخلية ،أما السفيرالروسي فقتلته “أياد أجنبية” تمثل دولة مضيفة وفي بلد مسلم.
8. حادثة اغتيال بوضياف انتهت مثلما بدأت ،فبعد 24 سنة ،عُرف القاتل ولكن لم يُعرف لحد الآن من يقف وراءه ،وأتوقع أن تكون لعملية اغتيال السفير الروسي نفس النهاية.

 

انطلاقا من أوجه الشبه والاختلاف بين الحادثتين، ولأن عملية اغتيال الرئيس الجزائري لا مقال لها في هذا المقام، سنحاول تفسير حيثيات عملية اغتيال السفير الروسي و يبدو لي أن فهم خلفياتها و أبعادها تمر عبر الملاحظات التالية:

 

لقد بدأ التدخل الروسي في سوريا بتاريخ 30 سبتمبر 2015 ،ومنذ ذلك الحين لم يتعرض أي جندي أو مسئول روسي لأي تهديد – اللهم باستثناء إسقاط الطائرة الروسية- وعلى الرغم من المصالح الروسية الممتدة والمنتشرة في العالم ،إلا أن لا أحد من المناهضين للسياسة الروسية في الشرق الأوسط وفي سوريا تحديدا تعرض لهذه المصالح بسوء.

كان بالإمكان “الانتقام” من موسكو داخل أي بلد في العالم ،فمن السهل جدا اغتيال أي سفير روسي في إفريقيا أو أمريكا اللاتينية ،فلماذا تركيا بالذات؟

كان بالإمكان “الانتقام” من موسكو داخل أي بلد في العالم ،فمن السهل جدا اغتيال أي سفير روسي في إفريقيا أو أمريكا اللاتينية مثلا،فلماذا تركيا بالذات؟

الأسباب تبدو واضحة و بسيطة:

أولا: تركيا “متورطة” في الشأن السوري ولها مصالح في الصراع الدائر هناك.
ثانيا:هناك أطراف داخلية و خارجية تسعى لضرب استقرار تركيا.
ثالثا: صدى اغتيال سفير أجنبي في تركيا أبلغ أثرا من اغتياله في أي بلد آخر.

احتمال أن تكون العملية ردة فعل طبيعية لقتل الأطفال في حلب احتمال ضئيل ،ولكنه موجود بحكم ظروف وملابسات الحادثة خاصة من خلال ترديد الشرطي منفذ الهجوم لعبارات تحمل ملامح “جهادية” كقوله “نحن الذين بايعوا محمدا..على الجهاد ما بقينا أبدا” وعبارات تهديد تفوح منها روائح “داعش” وبن لادن كقوله “لن تذوقوا طعم الأمن ما دام أشقاؤنا لا يتمتعون به”،مضيفا لا تنسوا حلب، لا تنسوا سوريا”.

توقيت العملية جاء في وقت مناسب جدا وفي غاية الأهمية ،حيث وقعت الحادثة في قمة تطور العلاقات الروسية التركية ،التي أثمرت تقاربا و حوارا تركيا روسيا بخصوص حلب، توج باتفاق إخراج المدنيين منها ،كما أن العملية وسط احتدام مناقشات مجلس الأمن للأزمة السورية.

دور أنقرة بعد عملية الاغتيال اتجه نحو احتواء الموقف والتأكيد على أن الحادثة لن تؤثر في العلاقات بين البلدين ،لكن توقيت العملية كان مناسبا جدا لبعض الجهات التي تسعى لضرب مرحلة التقارب بين موسكو وأنقرة وقد تعيدها إلى ما بعد حادثة إسقاط المقاتلة الروسية.

العملية لا تحتمل صفة “العمل الفردي المنعزل” و منفذ الاغتيال لا تبدو عليه أية علامة من علامات التخلف العقلي أو انفصام الشخصية كما جرى في العادة

في كل الحالات العملية لا تحتمل صفة “العمل الفردي المنعزل” ،فالقاتل دخل القاعة بهوية أمنية ونفذ عمليته بأريحية تامة ولم يتعرض فعليا لأية ردود فعل صارمة في محيط يفترض أنه يعج بالأمن ،مع أنه أفرغ ثمان رصاصات في ظهر ضحيته ،وظل يرافع عن “قضيته” للحظات طويلة. مثل هذه العمليات لا يمكن تنفيذها من دون دعم من جهة قوية تكون قد خططت لها ومولتها.

منفذ الاغتيال أيضا لا تبدو عليه أية علامة من علامات التخلف العقلي أو الجنون أو انفصام الشخصية ،كما جرى في العادة اتهام قاتلي الرؤساء والمسئولين بالمعتوهين وناقصي العقل. الرجل كامل العقل والشخصية، يدرك ما كان يقول وما كان يفعل، ولم يشعر بحرج أو تهديد فوري (أي أنه أخذ الوقت الكافي). لكن بالنسبة لدولة كبرى مثل تركيا بإمكانها أن تحقق في تاريخ هذا الشخص وتكشف انتماءاته السياسية والحزبية – إن كان له انتماءات- قبل اتهام أية جهة تقف وراءه سواء كانت جماعة غولن أو غيرها. كما أن الكشف أن الرجل يعمل في قوات مكافحة الشغب بأنقرة منذ عامين ونصف العام ،يطرح العديد من التساؤلات حول ولاء بعض الأجهزة لنظام إردوغان، المُطالب الآن بإعادة تنقية جهاز الشرطة ،الذي كان أحد أهم معاقل جماعة غولن، وهو- أي إردوغان- لم ينتهي بعد من تنقية الجيش بعد الانقلاب الفاشل. كما أن هذا الأمر من شأنه أن يشكك في قدرة تركيا على حماية ضيوفها من الدبلوماسيين وقد ينتقل الأمر إلى السياح، مما قد يضر بالمنظومة الأمنية ويهدد الاقتصاد في تركيا.

عند تقييم حسابات الربح والخسارة في حادثة الاغتيال، تفرض نظرية المؤامرة نفسها على مشهد العملية، وتتجه الأنظار إلى قدرة الاستخبارات الروسية على رسم خطة جديدة لدورها في سوريا ،أو البحث عن مبررات أكثر قوة لاستكمال مهمتها هناك، خاصة بعد تزايد الأصوات المطالبة بوقف عدوانها على المدنيين. فإذا اغتيل سفير الولايات المتحدة في ليبيا، فلماذا لا يغتال سفير روسيا في أنقرة، وبقية القصة طبعا يكملها الإعلام الغربي المضلل.

عملية الاغتيال من شأنها أن تقوي موقف موسكو في الأزمة السورية، وتطلق يدها أكثر في سوريا بحجة محاربة الإرهاب

عملية الاغتيال من شأنها أن تقوي موقف موسكو في الأزمة السورية، وتطلق يدها أكثر في سوريا بحجة محاربة الإرهاب، فالاغتيال جعل موسكو بين عشية وضحاها تنزع ثوب القاتل وتلبس ثوب الضحية. كما أن العملية ستثقل من كفتها في ميزان الحوار والتفاهمات مع أنقرة، وتقوي من موقفها التفاوضي بشكل واضح. وبالنسبة لتركيا ،وإذا ما أثبتت التحقيقات علاقة القاتل بجماعة غولن ،سيكون ذلك بمثابة إعلان حرب في الداخل والخارج على هذا التنظيم المزعج.

وعلى العموم، العلاقات التركية الروسية لا تزال هشة وغير مستقرة منذ حادثة إسقاط الطائرة الروسية ،وجاءت حادثة اغتيال السفير الروسي لتأزيم الوضع أكثر. ولذلك، ثمة من يرى أن قتل السفير الروسي على الأراضي التركية وبطلقات في الظهر على يد شرطي على رأس عمله، قد يحمّل أنقرة درجة كبيرة من المسؤولية يصعب على بوتين أن يتجاوزها، بينما يرى آخرون أن قناعة الطرفين بأنهما مستهدفان من هذا الهجوم قد يدفعهما لمزيد من التقارب وتقريب وجهات النظر.

ولكن، على حساب من؟

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016