فكر, كتب

روسيا:الجغرافيا “المترجمة” في السلوك

قراءة في كتاب روح الشعوب لـ”أندريه سغفريد” (3 ـ 3)

22 ديسمبر, 2016

0
مشاركة

 

“تتسلل نفحات الشرق البعيدة بخفة لتتغلغل حتى ألمانيا، ولكن في روسيا تبقى آسيا حاضرة بقوة، مع أن أوروبا تتقدم، كما يقال، لتصل إلى الأورال”

بهذه الكلمات يبدأ أندريه سيغفريد ـ (في كتابه:روح الشعوب) ـ حديثَه عن طباع الشعب الروسي، الذي تتداخل فيه الأعراق والثقافات كما تتداخل جغرافيا القارات المختلفة، كما يقرر منذ البداية أنه”في روسيا أكثر من أي مكان آخر نجد السيكولوجيا تابعة للجغرافيا” ص131.

إن الغزوات التي تعاقبت على أرض روسيا الشاسعة خلفت رواسب بشرية شكلت إثنيات متعددة، لكن هذا التعدد الإثني لم يمنع الجغرافيا من أن تضع على الجميع طابعها الموحد، حيث فرضت نمطا من الشعور وطرائق الحياة والعمل شكل جوًّا اجتماعيا مشتركا نلمح فيه ببساطة:”بلدا روسيا وشعبا روسيا ومسلكا روسيا، يتضمن مسلكا خاصا في الحياة، كما أن له وتيرته ومناخه الخاص، أي ما يمكن أن نسميه:الجو الروسي الخالص” ص132.

إن وقوع روسيا في ملتقى أوروبا وآسيا وتأثرها بتقاليد وعادات وطباع شعوب تلك القارتين ظاهر للعيان، مما جعل الناس تتساءل أهي أوروبا أم آسيا؟ ويجيب سغفريد:”إنها على الأغلب شيء وسط بين هاتين، بمعنى أنها ليست بالأوروبية الخالصة ولا بالآسيوية الصرفة، ومن هنا نفهم هذه التعبيرات غير الدقيقة على الإطلاق مثل:(أوراسيا) و(القارة السادسة)” ص132.

ليس هذا فحسب بل إن تاريخ روسيا شهد محاولات عدة من أجل جعلها أكثر انتماء لإحدى القارتين، فقد حاول بطرس الأكبر بقسوة أن يجعلها أوربية، كما حاولت ذلك الثورة السوفياتية باسم التقنية الغربية، كما أن المقولات الشائعة في الثقافة الأوربية عن تصنيف الشعب الروسي تعكس هذا الصراع على روسيا، إحدى هذه المقولات هي:”الرجل الروسي هو في الأصل غربي ارتدى زيا شرقيا”، لكن سغفريد يحاول تحوير هذه المقولة ليجعل مكانها قوله:”إن الرجل الروسي شرقي متأثر بالغرب”.

هذه الازدواجية الجغرافية ـ رغم محاولات الأوربة ـ تركت أثرها على طبيعة الشعب الروسي، فهو آسيوي في أصوله وجغرافيته وجواره، ومع ذلك فهو أيضا أوروبي إلى حد كبير، بفضل اشتراك طويل مع التاريخ الأوروبي” ص133، فما هي ملامح كلا القارتين في الشعب الروسي؟

ملامح أوربا

إذا كانت أوربا أخذت من الكاثوليكية معنى النظام فإنها منحت روسيا الجانب الثاني من المسيحية أي المذهب الأرثوذكسي الإنجيلي، وقد غرست الإنجيلية الشرقية التي لم تتبلور ـ حسب سغفريد ـ روسيا “خصالا حسنة من الطيبة والرحمة التي لا تتفق دائما مع العدالة والاستقامة الأخلاقية (…)كما أنها أخذت من أوربا “جميع طرائقها الفنية الحديثة، منذ (بطرس الأكبر) إلى لينين وأخيرا إلى ستالين، أخذتها واستوعبتها بكل حماسة وبروح أكثر تصوفية منها ميكانيكية” ص137.

ملامح آسيا

ينبه سغفريد في البداية إلى ما يعنيه بآسيا حينما يتحدث عن آسيوية روسيا، فيقول:”آسيا التي نعنيها هنا ليست هي آسيا المتوسطية والمشرقية الشرق أوسطية، التي نعرفها جيدا والتي تصل إلى شواطئ الرفييرا عندنا، بل هي بر آسيا نفسها، آسيا المغولية وهذه مختلفة تماما عن عن الأولى” ص139.

يرى سغفريد أن من أكثر الخصال الآسيوية بروزا في الشعب الروسي هي: الصبر والجلد والقدرة على تحمل الألم، فالمناخ والجغرافيا وتاريخه مع الغزوات أمور روَّضته على الصبر واحتمال القسوة، واعتبار المحن قدره الذي يتقبله بواقعية، وقد انسحب هذا على مواقفه السياسية فهو يتقبل مظاهر القوة والأوامر المفروضة من الدولة كما أنها جزء من الطبيعة القاسية التي اعتاد الخضوع لها، هنا يمكن أن نفهم سر صمت الحياة السياسية ـ يقول سغفريد ـ في روسيا، فخارج نطاق تصريحات القادة لا شيء آخر يحدث.

ويستدرك سغفريد مبينا أن هذه الطاقة القوية على الصبر والاحتمال التي يتحلى بها الشعب الروسي لا تعني أنه شعب قدري اتكالي ومتشائم، فمن خصائصه أيضا الثقة بالنفس والحيوية والتفاؤل.

شعب فاقد للتوازن

يذهب سغفريد إلى أن هذا التنازع بين آسيا وأوربا سبب للشعب الروسي نوعا من فقدان التوازن بسبب ما يسميه:”وجود نقص في الجمع بين كفاءات واستعدادات متعارضة”، فهو يجمع بين متناقضات فقد ترى الرجل يجمع بين التواضع والكبرياء، وبين المثالية وعدم الحياء، ويعطي مثالا بالممثل السوفيتي في المؤتمرات الدولية الذي يجمع بين الرقة والخشونة وبين الظرف والغلظة وبين المرونة والعنف، فهو تارة ديبلوماسي وتارة أخرى هو واحد من الميروفنجيين ضل سبيله في القرن العشرين” ص141.

ويضيف سغفريد سببا آخر لهذه الظاهرة السلوكية وهو أن الشعب الروسي في نظره لم يمر بفترة انتقالية بين ما كان عليه في القرون الوسطى وبين ما هو عليه الآن في عصره الحديث، وينقل كلاما للماركيز دو كوستين يحلل هذه الظاهرة:”يقضي المناخ من الوجهة الطبيعية، كما تقضي الحكومة من الوجهة الأدبية والمعنوية على كل ما يمثل الضعف والخور في هذا البلد، إن روسيا بلد العواطف الجامحة أو الطباع الواهنة، وشعبها إما ثائر أو مستكين، وليس هناك وسط بين الحاكم والعبيد، كما أنه ليس هناك وسط بين المجنون والحيوان، إن الوسطية ليست معروفة لدى هذا الشعب” ص142.

ويثير سغفريد في ختام تحليله لنفسية وسلوك الشعب الروسي مسألة مهمة وهي أن كثيرا من ما أصبح إيديولوجيا للشيوعية في روسيا كان جزءا من طبيعة المجتمع الروسي التقليدي ما قبل الشيوعية، فمثلا (الملكية الخاصة) كانت ريبة وعيبا لدى الإنسان الروسي منذ أزمان سابقة، والروسي الذي يقتني الأموال ويراكم الثروات كان المجتمع ينظر إليه وكأنه غير أمين.

 وقد عبر عن هذه الظاهرة القديمة برديائيف بقول:”لقد كان الشعب الروسي في جميع الأزمنة، وهذا ما يميزه، تحركه روح التحرر من أي ارتباط مادي، وهذا غير معروف لدى شعوب الغرب (..) وهو لا يعتبر الملكية الخاصة شيئا مقدسا، ولا يملك تبريرا إيديولوجيا لملكيته أشياء دنيوية، إن كل روسي يعتقد أن النظام البورجوازي هو نوع من المعصية” ص143.

 

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016