فكر

الصناعة بين الثقافة والسياسة (1 من 2)

26 ديسمبر, 2016

15
مشاركة

كثيرا ما واجهنا في أدبيات الإصلاح الحديث منهجين للإصلاح وفهمين لتقييم المشكل الحضاري، منهج يرى أن إصلاح أوضاع الأوطان يكون بتغيير ما بالنفوس، ويسمونه التغيير المتدرج، ومنهج يرى أن الإصلاح لن يتم إلا بإصلاح فوقي للنظم السياسية والاقتصادية، وهي تقييمات حدية تُقصي فرضية أن يكون مشكل التخلف مركب وأزماته متعددة الوجوه والخلفيات، ولعل أهم مراقي وروافع التقدم المعاصر قد تمثل في الثورة الصناعية التي حملت معها وبغض النظر عن ملابسات الأوضاع العالمية أنذاك نهضة تنموية متعددة الأوجه والمجالات، فكيف تَشَكل العجز الصناعي عندنا.. هل بسبب الثقافة (البُنى المجتمعية) أم بسبب السياسة (الفساد الفوقي)؟ أم بسببهما معا؟

ثقافة سعي أم ثقافة عجز

 الثقافة مزيج من العقائد والقيم والتاريخ، وإذ لا يتسع المقام للتأكيد على الإبطال والتزوير والانتحال الذي تعرضت له الثقافة الإسلامية الأصيلة، وهو الأمر الذي أحوج وما زال يحوج الأمة إلى إصلاح الفكر الديني بتحقيق مقتضى الحديث النبوي الشريف: “يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ ، وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ ، وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِين “، فإن التأكيد على الطبيعة الخلاقة والدافعة للثقافة الإسلامية أمر جلي، فالقيم الدينية الإسلامية الصحيحة تحث أصحابها على النظرة في الكون والتعرف على عجائبه ودلائله، وتحث على السعي والانتشار في الأرض ابتغاء رزق الله، وتحث على الكد والسعي وتنهى عن التواكل والانتظار.. والله عز وجل هو الذي يمن على نبيه داوود بتعليمه الصناعة: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ، أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ…}.

ولكن ثقافة المسلمين شيء غير الثقافة الإسلامية، فركام من التفاعل اللاموفق أنتج تراثا وثقافة ميتة ومميتة، فتحول العمل من قيمة يتعبد بها المؤمن إلى مسبة، وبنت ثقافات طرقية “متصوفة” قيم الخير لديها ولدى أتباعها على القعود والخمول البدني، واعتلجت فلسفات وافدة وأوضاع ضعف اجتماعي وسياسي في عصور الانحطاط فأنتجت كيانا ثقافيا مشوها ترك القوة والإنتاج والفاعلية..وألبس الكسل الذهني والجسمي لبوسا دينيا. والنتيجة ذهنية متبلدة وضعف في التفاعل مع المحيط عجيب، لقد أصبح المسلمون يعيدون ذات السيرة التي قصها القرآن عن القوم العاجزين أمام تحد قهري يرونه بأم أعينهم، وهي قصة تشي بالارتباط بين التخلف الثقافي والعجز الصناعي : (ثم اتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا)، وقد وظف ذو القرنين علمه وقوتهم المنتظِرة في عمل صناعي جليل : (آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا، فما اسطاعوا أن يطهروه وما استطاعوا له نقبا).

والمراقب لبعض مجتمعاتنا يجدهم يستسلمون للظروف استسلاما مريعا، وأعجب لأسلوب حياتنا الذي لا تدفعه تحديات الحياة إلى الإنتاج ولا فرصها للتطور، وكنت ألحظ كيف يُحول الصيني الفقير بذهنيته الحضارية كل وسائله الصغيرة إلى أدوات لتبسيط الحياة من حوله، في الوقت الذي يهدر العربي المسلم عطاء البيئة من حوله .. !!

في بلدي ـ مثلا ـ ينظر إلى الصناع كفئة من بين الفئات الاجتماعية الأقل مكانة، وربما رفع الميزان الاجتماعي الرجل التافه لا علم ولا صُنعة لديه، وكان عمر ابن الخطاب يعجبه الرجل فإذا سأل عنه قالوا لا شغل لديه سقط من عينه..

الصناعة والإرادة السياسية

إذا كانت تلك حال الصناعة في العقل الجمعي للأمة اليوم، فإن حالها في السياسة، ونصيبها من العناية الدولتية لا يسر، ذلك أن النهضة الصناعية نتاج رؤية استراتيجية وتوجه سياسوي اقتصادي مبصر، وقد أهدرت التجارب الأولى قدرات الأمة في استيراد غبي للصناعات الثقيلة أفضى إلى هدر أموال الأمة في مشاريع ضخمة تحولت إلى خطوط إنتاج معطلة وهياكل ماكينات ميتة..(بير معطلة وقصر مشيد).

واليوم في ظل استباحة السياسات وفقدان الاستقلال في القرار الاقتصادي بات الدور الوظيفي للدول في الماكينة الضخمة لاقتصاد السوق هو استقبال المنتجات التي تلفظها خطوط الإنتاج العملاقة لدى الشركات عابرة الحدود وصانعة الميول والأذواق الاستهلاكية.. وعلى الحكومات أن تسهر لتحقيق واجب وظيفي واحد، وهو “بيع” ما يسمى “مناخ الاستثمار المناسب” لقاء طُعم لا يُظفر به، هو الاستثمار الأجنبي، إلا  لينهب في أعماق البحار والصحاري ثروات أمة تهدرها الحكومات الواحدة تلو الأخرى لقاء فتات لا يسمن من جوع ولا يغني من تبعية وتسول.

أما السعي لبناء قاعدة صناعية وطنية تتواءم مع القدرات والاحتياجات فهي الهم السابع لهذه الحكومات “التكنوقراطية” الوظيفية المسكينة..

إن استراتيجية صناعية شاملة هي الحل؛ توظف إعلاما تنمويا لتوجيه الناس وتحفيزهم، وتتبنى منهجا تعليميا يقود من بين ما يقود إليه إلى التأهيل والتدريب، وتستثمر في صناعات أساسية تجمع إلى الإتقان الإمكان، وإلى المردودية السرعة والقابلية للتمدد الأفقي؛ من خلال تبني آلاف الورش الصناعية التي تشغل عشرات آلاف العاطلين عن العمل، وتوظف المال الدوار في الاستيراد اللامحدود؛ من خلال التشجيع الحقيقي لمنطومة تمويل إسلامية قائمة على المشاركة ستنمو في ظل توجه تصنيعي من هذا القبيل، وهو أمر يحقق التلاقى بين المال والعمل، بين الفكرة والأداة، وذلك هو مفتاح قدح زناد الإنتاج المرجو..

 

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016