ترجمات

الاتحاد السوفييتي ولّى و لا يزال ينهار

29 ديسمبر, 2016

22
مشاركة

نتج عن انهيار الاتحاد السوفييتي وإنشاء 15 دولة جديدة في ديسمبر 1991 عالم جديد بين عشية وضحاها. لقد إختفت الحرب الباردة والتهديد بالإبادة النووية وحل محلها الديمقراطية والأسواق الحرة المنتشرة في جميع أنحاء الإمبراطورية السوفييتية السابقة. وبطبيعة الحال، بعد 25 عاما، والأحداث لم تتكشف بالضبط كما كان متوقعا في البداية.

وقد غيرت قوى العولمة الجمهوريات السوفيتية السابقة بطرق غير مرئية من حيث تشجيع الحكام المستبدين وترسيخ الفساد في جميع أنحاء المنطقة. وفي الوقت نفسه عادت الى السطح العداوات الجيوسياسية التى ظهرت فى الحرب الباردة ، مع وصول العلاقات بين موسكو وواشنطن الى أدنى مستوياتها منذ حقبة سباق التسلح السوفيتية. وقد نتج عن إنشاء دول جديدة، إلى ارتفاع الحركات القومية والأنظمة الاستبدادية التي تشكل قرارات السياسة الخارجية وتغيير المجتمعات بطرق غير متوقعة.

ومع ذلك لا يزال ربع قرن من التغييرغير مفهوم. لماذا إنهار الاتحاد السوفياتي حقاً وما هى الدروس التي غابت عن صناع القرار؟ كيف يعيد التاريخ نفسه عبر أراضي الدولة العظمى السابقة؟ بحثا عن الأجوبة، توجهت مجلة السياسة الخارجية بالأسئلة لستة خبراء ذو معرفة عميقة بالمنطقة من خلال عملهم في مجال التمويل، والأوساط الأكاديمية، والصحافة، ووضع السياسات لمعرفة الدروس التى لم يستفاد منها من انهيار الاتحاد السوفياتي.

الاتحاد السوفيتي لا يزال ينهار

بلوخى سيرحي هو أستاذ التاريخ ومدير معهد البحوث الأوكرانية في جامعة هارفارد. وهو مؤلف الإمبراطورية الأخيرة: الايام الاخيرة للاتحاد السوفييتي، وأبواب أوروبا: تاريخ أوكرانيا، وكتابه الأخير: الرجل ذو المسدس المسموم: قصة عن التجسس إبان الحرب الباردة.

شهد القرن الماضي نهاية عدد من الإمبراطوريات: من النمسا والمجر والإمبراطورية العثمانية، التي إنهارت في الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الأولى، وكذلك إنهيار الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية التي تفككت في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وإنتهت هذه العملية لعقود طويلة مع انهيار الاتحاد السوفيتي في عام 1991.

على الرغم من أن العديد من العوامل ساهمت في انهيار الاتحاد السوفيتي، من إفلاس الإيديولوجية الشيوعية إلى فشل الاقتصاد السوفياتي،ولكن كثيراً ما يغفل عن السياق الأوسع لانهيارالاتحاد السوفياتي، مثل تفكك الإمبراطوريات السابقة، فان ما جرى هو عملية وليس حدثاً. وأن انهيار الإمبراطورية الأخيرة لا تزال تتكشف حتى اليوم. هذه العملية لن تنتهي مع استقالة ميخائيل جورباتشوف في يوم عيد الميلاد عام 1991، وضحاياها لا تقتصر على الأشخاص الثلاثة الذين سقطوا دفاعا عن البيت الأبيض فى موسكو في أغسطس عام 1991 وسقوط آلاف الضحايا من حروب الشيشان.

بدأت الإمبراطورية العثمانية انهيارها البطيء في 1783، وهي العملية التي وصلت إلى نهايتها في نهاية الحرب العالمية الأولى والحرب الجارية في شرق أوكرانيا ليست تذكير فقط أن عملية تفكك الاتحاد السوفياتي لا تزال غير مكتملة. التذكرة الأخرى هى الصراعات المجمدة أو شبه المجمدة في ترانسنيستريا وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، ناغورنو كاراباخ، ودولة شبه مستقلة من الشيشان.

إن الدرس الذى يمكن أن يتعلمه صناع القرار اليوم من تاريخ الانهيار الإمبراطوري ،هو أن دور المجتمع الدولي هو الهدف الأسمى في تصفية الحسابات بين الحكام السابقين والمحكومين. ظهرت بضع دول مستقرة من تحت أنقاض الإمبراطوريات الغابرة من دون دعم دولي قوي، سواء تعلق ذلك بالدور الفرنسي في تأمين استقلال الولايات المتحدة وروسيا والتورط البريطاني في النضال من أجل إقامة الدولة اليونانية، أو دور الولايات المتحدة في دعم تطلعات حلف وارسو السابق والدول في أوروبا الشرقية. وقد كان دور التدخل الخارجى هو مفتاح أي تسوية ما بعد الإمبريالية. وبالنظر إلى الوضع الحالي، فإنه من الصعب المبالغة في الدور الذي يمكن للولايات المتحدة وحلفائها في حلف الناتو أن تلعبه في حل الصراع في أوكرانيا وأجزاء أخرى من الاتحاد السوفياتي. إن سقوط الاتحاد السوفياتي، التي حملت إرث الإمبراطورية الأوروبية الأخيرة، لا يزال بعيداً عن نهايته.

التخلي له عواقب

بيل برودر هو الرئيس التنفيذي “لأرميتاج” لإدارة رأس المال، ورئيس الحملة العالمية من أجل العدالة لسيرجي ماجنيتسكي يرى أنه عندما انهار الاتحاد السوفياتي قبل 25 عاما، تنفس العالم الصعداء لأن خطر الإبادة النووية تم القضاء عليه، وانتقلت روسيا إلى الديمقراطية، وبدأ الغرب تركيز جهوده على السلام والازدهار. في هذه العملية، تبدل الحال من القلق الشديد تجاه موسكو إلى عدم الاهتمام والإهمال.

ومع عدم وجود قوانين أو مؤسسات حقيقية، سرق قلة من الروس 40 في المئة من ثروة البلاد من الدولة وتركوا 150 مليون من الروس في العوز والفقر، وانخفض متوسط العمر المتوقع للرجال 65 من الى 57 عاما. وإضطر الأساتذة لكسب لقمة العيش كسائقي سيارات أجرة. وأصبحت الممرضات عاهرات. ونتج عن ذلك تفكك كامل لنسيج المجتمع الروسي.

وفي الوقت نفسه، فإن الغرب لم يتجاهل فقط نهب روسيا بل قام بتسهيل ذلك. قبلت البنوك الغربية الأموال المسروقة من العملاء الروس، ورحبت الوكالات العقارية الغربية بهؤلاء القلة لشراء ممتلكاتهم في سان تروبيه، ميامي، ولندن.

اثار هذا الظلم غضب الروس، وصاروا يتوقون لرجل قوي لاستعادة النظام. في عام 1999 وصل فلاديمير بوتين للسلطة. وبدلا من استعادة النظام، استبدل بوتين هؤلاء القلة بنفسه وأصبح وحيدا في القمة. من بحثي الخاص، أقدر أنه خلال الأعوام التى قضاها في السلطة انه قام بسرقة 200 مليار دولار من الشعب الروسي.

بعد خمسة وعشرين عاما على سقوط الاتحاد السوفياتي لا يزال الغرب يواجه تهديدا من الكرملين. والدافع الآن هو الفساد الحكومي المستفحل بدلا من الإيديولوجية الشيوعية. لكنه لا يزال نفس الخطر، مع الأسلحة النووية نفسها، والسلوك الخطير للغاية.

المأساة الحقيقية هي أنه لو لم تتسامح الحكومات الغربية مع الفساد الحكومي المستفحل فى روسيا خلال الربع الأخير من القرن، لم يكون الحال كما هو اليوم. ولكن طالما بوتين ورفاقه يمكنهم الإستمرار للحفاظ على أموالهم آمنة في البنوك الغربية، سوف يستمر النفوذ: الأصول يمكن تجميدها، والحسابات يمكن أن ترفض. إن الدرس الوحيد الذى يمكن أن يأخذ من انهيار الاتحاد السوفياتي، هو أننا في الغرب لا يمكن أن نستمر في طمر رؤوسنا في الرمال ونتجاهل الفساد الحكومي المستفحل في روسيا، لأن العواقب ستكون وخيمة.

الأيديولوجية لا يجب أن توجه السياسة الخارجية

ديمترى ترينين مدير مركز كارنيجي في موسكو عمل في القوات المسلحة السوفيتية والروسية من عام 1972 إلى عام 1993. وأحدث مؤلفاته كتاب:” هل ينبغي أن نخشى روسيا؟” يقول أن الاتحاد السوفيتي يرى نفسه كقوة أيديولوجية. وأن موسكو تعتقد أن الشيوعية تقدم المستقبل المشرق للبشرية جمعاء وأنها الوصفة المناسبة لأية دولة، بغض النظر عن التاريخ والتنمية، أو الثقافة – وبعد 25عاما من انهيار الامبراطورية السوفياتية، هذا المنطق المختل لا يزال يقوم بتشكيل الأحداث في جميع أنحاء العالم.

الاستياء في الداخل تعزز بشكل صارخ عن الحرب في أفغانستان، التي كانت على حد سواء مُكلفة وغير ضرورية. وفي الوقت نفسه، كان الاقتصاد السوفياتي نفد من البخار من قبل 1980، مع انهيار البنى التحتية والحقد الشعبي المتنامي. موسكو، التي كانت دائما على حذر من الاقتراض من الخارج، بدأت تأخذ المزيد والمزيد من القروض في السنوات الأخيرة من الاتحاد السوفيتي، وقد تأثر سياستها الخارجية بشكل كبير بسبب الحاجة المستمرة للحصول على المزيد من التمويل من الخارج: وإنخفضت وتيرة التحرير على المستوى المحلي ، ولم تستطيع اإتخاذ ى خطوات مضادة نحو إعادة توحيد ألمانيا، وان موسكو لن تتدخل عندما شرعت أوروبا الشرقية فى متابعة المسار السياسي الخاص بها في 1980.

الدروس المستفادة من هذه الحلقة التاريخية تنطبق أولا إلى الاتحاد الروسي الذى خلف الاتحاد السوفياتي رفض على الفور أي أيديولوجية للدولة، والتخلي ليس فقط على الإمبراطورية العالمية، ولكن أيضا على أراضي تعتبر تقليديا قلب روسيا التاريخي، مثل أوكرانيا. بعد خمسة وعشرين عاما، حيث تسعى إلى إعادة بناء نفسها كقوة عظمى عالمية، فإن روسيا تدرك أن تأسيس امبراطورية تحت اسم مختلف ليس في فى تفكيرها. بعد أن دخلت الحرب في سوريا، فقد أوضحت روسيا أيضا بوضوح من البداية أنها لن ترسل قواتها البرية، لئلا تصبح سوريا أفغانستان أخرى.

ولكن الدروس لا ينبغي أن تقتصر على الفضاء السوفياتي السابق. التاريخ لا يعيد نفسه، ولكن يدندن. إن تدخلات الولايات المتحدة في أفغانستان في عام 2001 والعراق في عام 2003 تحولت الى مشاريع ضخمة لبناء أمة تحت ستار الديمقراطية – وبتكلفة بشرية ومالية كبيرة. أي أيديولوجية، وليس فقط الشيوعية، هو دليل ضعيف للسياسة الخارجية. المغامرات العسكرية الأجنبية تؤدي إلى خيبة أمل في الداخل وفقدان هيبة في الخارج. والدين الوطني المتنامي هو بمثابة قنبلة موقوتة تهدد استقرار الدولة ذاتها.

روسيا لا تستطيع القيادة من خلال الإمبريالية

نرجس كاسانوفا أستاذ مساعد ومدير مركز دراسات آسيا الوسطى في معهد كازاخستان للإدارة والاقتصاد والبحوث الاستراتيجية في ألماتي يرى أنه بينما أصبحت روسيا أقل ديمقراطية ويراودها دائماً الحنين نحو المجد السوفياتي في أواخر 1990، بدأت موسكو اظهار الفائدة مرة أخرى في آسيا الوسطى.

كما أحيا الكرملين الحديث عن “مصالحها المميزة” و “مناطق النفوذ”، وأصبحت تسعى بطرق جديدة لتعزيز مكانتها كمركز للنشاط الاقتصادي والسياسي في أوراسيا. سكبت موسكو موارد جديدة في منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وهي التحالف العسكري الذي يحتوي على ثلاثة من البلدان الخمسة في آسيا الوسطى. في عام 2015، أنشأ الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، كتكتل اقتصادي من أرمينيا وروسيا البيضاء وروسيا وكازاخستان ليربط بشكل وثيق الدول السوفيتية السابقة .

من خلال تحالفاتها، موسكو تواصل التصرف كدولة ذات سيادة وليس الأول بين متساوين في الاتحاد. عندما أوقع الغرب عقوبات على روسيا بسبب تدخلها في أوكرانيا في عام 2014، ردت موسكو مع مجموعتها الخاصة بعدد من العقوبات الانتقامية ضد المنتجات الأوروبية. وقد تم ذلك دون استشارة روسيا البيضاء وكازاخستان، وأعضاء آخرين في الاتحاد الجمركي. تقوم روسيا أيضا بهجمات صاروخية من بحر قزوين إلى أهداف في سوريا منذ خريف عام 2015 دون الأخذ بعين الاعتبار مخاوف حليفها العسكري وأقرب شريك لها كازاخستان، والتي أجبرت على تغيير مسار الرحلات الجوية في فترة وجيزة من المنطقة.

على المستوى المجتمعي في روسيا، ليس هناك الكثير من الاهتمام أو الحب لآسيا الوسطى. الملايين من العمال المهاجرين من آسيا الوسطى يعملمون في روسيا، ويرسلون الأموال لدعم الأسر التي تركوها وراءهم. وقد أدى ذلك الى تزايد المعاداة للمهاجرين والمشاعر العنصرية في البلاد، وحتى بعض السياسيين المعارضين الرئيسيين مثل ميخائيل بروخوروف، الملياردير ومرشح للرئاسة خلال الانتخابات في روسيا عام 2012، وعد أنه سيغلق الحدود مع “آسيا الوسطى” (المصطلح السوفياتي في اشارة الى آسيا الوسطى ناقص كازاخستان) وتطبيق نظام التأشيرة مع هذه الدول. أليكسي نافالني، هو الآخر قد قام بحملة في الماضي لإدخال نظام التأشيرة مع آسيا الوسطى والقوقاز. ومع تزايد المشاعر القومية، أصبحت آسيا الوسطى على نحو متزايد “الآخر” للروس.

هذا الاتجاه يجب أن يحث آسيا الوسطى أن تأخذ في الاعتبار أن الدرس المستفاد من 1990 أنه بدون هوية مشتركة أو حلم مشترك للمستقبل، فإنه من المستحيل بناء مجتمع سياسي أوأي نوع من التكامل الاقتصادي ذات مغزى. الدول والمجتمعات فى آسيا الوسطى بحاجة للتفكير في الماضي والتبعيات الحالية وتطوير الهويات التي تكون منفصلة عن تاريخ الاتحاد السوفياتي،وحان الوقت لآسيا الوسطى إلى التخلي عن إى نوع من الإيذاء الذاتي المعروف عند من الشعوب المستعمرة والعمل بجد على احتضان استقلال بلادهم.

العولمة تثري وتمكّن فقط الحكام المستبدين

ألكسندر كولي يعمل مدير معهد هاريمان بجامعة كولومبيا وأستاذ العلوم السياسية في كلية بارنارد في نيويورك يرى أن نظام التمويل الخارجي في أنحاء آسيا الوسطى قد عمل على تمكين المستبدين لها. وأن النُخب في المنطقة قد عملوا على استخدام مؤسسات الدولة لإثراء أنفسهم – الاعتماد على شركات وهمية مجهولة المصدر وحسابات مصرفية في الخارج للتمويه بمعاملاتها المشبوهة. على الرغم من أن الغرب انتقد هذه الدول للفساد المتفشي، فإنه نادرا ما تدفع الانتباه إلى المحاسبين الدولي، والمحامين، والمستشارين الخارجيين الذين ساعدوا في تنظيم هذه الترتيبات غير المشروعة.

وفي الوقت نفسه، في قيرغيزستان أطيح بنظامين في انتفاضة شعبية منفصلة في عامي 2005 و 2010، استخدما القاعدة الجوية الأمريكية في مطار ماناس لإثراء أنفسهم وشركائهم. على الرغم من أن القاعدة كانت حاسمة لحملة الجيش الأمريكي في أفغانستان، وتوجيه مليارات الدولارات من عقود الوقود المربحة من خلال الشركات الخارجية المسجلة في جبل طارق. يعتبر الاقتصاد المجاور أوزبكستان عموما مغلق، ولكن، أيضا، كان غارقاً في فضيحة الرشوة الدولية. يقال ان جلنار كريموفا، ابنة الرئيس الراحل، كانت تستخدم مجموعة متنوعة من المركبات البحرية لهيكلة أكثر من 1 مليار دولار من المدفوعات وعمولات من شركات الاتصالات الغربية.

منذ انهيار الاتحاد السوفياتي، صنف المراقبين الخارجيين آسيا الوسطى كجزء منعزل من العالم. ومع ذلك، فان تجاهل الدول الغربية لاستخدام هذه الدول لأنظمة المركبات البحرية والحسابات المصرفية، والوساطة المالية، يعتبر الغرب متواطؤاً في تعزيز الشبكات العالمية التي دعمت الأنظمة الاستبدادية في آسيا الوسطى وحول العالم السوفياتي السابق.

موسكو تُضحي بالابتكار من أجل أمن الدولة

اندريه سولداتوف يعمل محقق صحفي وأحد مؤسسي مركز المعلومات الروسي و شارك في تأليف الويب الأحمر. يقول عن الدروس من إنهيارالإتحاد السوفيتى أنه فى يوم 6 ديسمبر، وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قانون عقيدة أمن المعلومات في البلاد. وتحدد الوثيقة فلى 17 صفحة تصور الكرملين للتهديدات التي يشكلها الإرهاب والدعاية الخارجية، والتجسس الألكترونى، قبل أن يدعو لتغيير كبير – إنشاء لعقيدة “نظام وطني لإدارة الجزء الروسي من شبكة الإنترنت.” وطالبت الوثيقة الشركات للتشاور مع الأجهزة الأمنية قبل طرح أى خدمات ومنتجات جديدة تحتاج إليها البلاد لتصفية “اعتماد الصناعات المحلية على تكنولوجيا المعلومات الخارجية.”

على الرغم من أن هذا قد يبدو وكأنه اتجاه جديد وجريئ بالنسبة لروسيا، لكن في الواقع هوبقايا من الماضي – وإشارة إلى أن الكرملين لم يتعلم شيئا من التاريخ السوفييتي عندما يتعلق الأمر بتبني التغيير التكنولوجي. مثل الاتحاد السوفيتي قبل ذلك، فإن الحكومة الروسية وأجهزتها الأمنية تهدف إلى تقييد الابتكار خوفا من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية التي يمكن أن تحدث. هذا هو بالضبط كيف تم تنظيم الأمور في الاتحاد السوفياتي.

عندما انهار الاتحاد السوفييتي، تبين أن هذا العجز التكنولوجي في حاجة إلى نهج جديد، وكان فلاديمير بلجاك، وزير الاتصالات في عهد الرئيس السابق بوريس يلتسين، على استعداد لقطع الصلة بالماضي. روسيا في حاجة ماسة للاتصالات الحديثة، ولكن الصناعة المحلية لا يمكن أن توفر هذه التكنولوجيا بسبب القيود فى عهد الحقبة السوفيتية، وصناعة الاتصالات السلكية واللاسلكية الروسية تخلفت الآن وراء الغرب بنسبة 20 إلى 25 عاما. “جئنا إلى الاعتقاد بأن صناعتنا لن تلحاق بالركب، وهذا يعني كان لدينا للذهاب وشراء التكنولوجيا” كما صرح بلجاك لي خلال مقابلة.

وفعلت موسكو ذلك تماما. في غضون ثلاث سنوات، تم استبدال أكثر من 70 في المئة من جميع محطات الهاتف بين المدن الروسية بأخرى رقمية حديثة، ومت زيادة عدد الخطوط الدولية في البلاد من 2000 إلى 66،000، وجميعهم من رقمية.

تم بناء البنية التحتية للانترنت الروسي على التكنولوجيا الغربية، في المقام الأول سيسكو، لأن شركات الاتصالات الوطنية الجديدة يعتقدون أن الموثوقية كانت أكثر أهمية من أصل المورد.لكن بوتين لم يتعلم هذا الدرس. عندما فرضت العقوبات الغربية على روسيا في عام 2014 بعد ضم شبه جزيرة القرم، دعا بوتين لإحلال الواردات لتحل محل المنتجات الأجنبية مع الصناعات المحلية. عقيدة أمنية جديدة تعزز هذه الفكرة، قائلا ان “مستوى الاعتماد على الصناعة المحلية من تكنولوجيا المعلومات أجنبية مرتفع جدا وهذا يجعل روسيا تعتمد على المصالح الجيوسياسية الخارجية.”

ولكن الصناعة في البلاد ببساطة لا يمكن أن تنتج جميع المعدات المطلوبة، وتحول المسؤولين منذ ذلك الحين إلى الصين لاستبدال التكنولوجيا الغربية. وعلى الرغم من أنه سؤال مفتوح ما إذا كان هذا المذهب الجديد سيجعل في الواقع روسيا أكثر أمنا – أنها سوف تحد بالتأكيد الإمكانات الاقتصادية للبلاد.

التصنيفات:

المصدر: مجلة السياسة الخارجية
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2016