كتب

كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟ (1-3)

1 يناير, 2017

46
مشاركة

انتقد الرئيس الأمريكي باراك أوباما أجهزة الاستخبارات الأمريكية لفشلها في التنبؤ بحدوث الثورات في العالم العالم العربي، وبين استياءه من خطأ المحللين العسكريين في تقدير تحكات الجيش التونسي، ليس هذا الأمر بسيطا، فإن انتقاد رئيس أمريكي ما يزال في الخدمة لوكالات الاستخبارات حدث نادر وصعب.

كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟ هذا هو السؤال الذي لم تجعله ثورات الربيع العربي في حسابها وهي تحاول فك قبضة الاستبداد، وغياب هذا السؤال وبالأحرى غياب إجابة عنه هو الذي ما تزال تتجرع مرارته إلى اليوم، ذلك بأن مصير أي ثورة أو انتفاضة (حراك شعبي) مرهون إلى درجة كبيرة بموقف الجيش منها.

يحاول الكاتب زولتان باراني أن يسد هذه الثغرة في الدراسات المتعلقة بالثورة، والتي ـ حسب رأيه ـ ركزت على أسباب الثورة وعلى عواقبها، ولكنها أهملت دراسة رد فعل الجيوش ودوره في تحديد مسار الثورة، يريد زولتان باراني في كتابه (كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟ الصادر عن الشبكة العربية للأبحاث والنشر ـ ديسمبر 2016 ـ بترجمة:عبد الرحمن عياش) أن يقدم ” إطارا معرفيا يسمح لنا أن نتكهن بذكاء ودراية بدور الجنرالات في الثورات، كتحسين للوسائل غير العلمية في التوقع، والتي يميل الباحثون وواضعو السياسات إلى الاعتماد عليها كقاعدة لبناء أحكامهم” ص18.

هناك رأيان في الفكر الثوري حول تقدير دور الجيوش في تحديد مسار الثورات، لكنه على الرغم من حماسيات تشي غيفارا وماوتسي تونغ وغيرهما ممن ذهبوا إلى أن المجموعات الثورية التي يقودها رجال من أولي العزائم لا يمكن أن تهزمها قوات الطاغية ولو امتلكت قنبلة نووية، إلا أن الاستقراء والمنطق يميلان إلى الرأي الثاني القائل بأنه ما دامت الحكومة تحتفظ بولاء القوات المسلحة فلا يمكن لأي ثورة أن تنجح.

في مقدماته يناقش زولتان باراني مفهوم الثورة الذي رغم أوليته وأساسيته في العلوم الاجتماعية لم يحظ بتعريف متفق عليه، التباين في تحديد مفهوم الثورة جعل عالم الاجتماع بارينجتون مور جونيور لا يعترف إلا بأربع ثورات في التاريخ هي: الثورة الإنجليزية(1640) والفرنسية(1789) والروسية(1917) والصينية(1949)، بينما أحصى زميله بيتيريم سوروكين أكثر من ألف ثورة، يرجع هذا للاختلاف الشديد في تعريف الثورة. بين من يراها:(الاستيلاء على السلطة الذي يؤدي إلى إعادة هيكلة كبرى للحكومة وللمجتمع، وإلى استبدال النخبة الحاكمة بواحدة جديدة) وبين من يقول إنها:(إنقلاب لا ينطوي على ما يزيد عن تغيير الأفراد الحاكمين عن طريق العنف أو التهديد بالعنف).

يقدم زولتان باراني نظرية في تحليل الموقف المحتمل للمؤسسة العسكرية تقوم على تبني أربعة نطاقات للمعلومات يرى أن الجيش يعتمد عليها في اتخاذ قرار تعامله مع الثورة، هي: المؤسسة العسكرية، الدولة، المجتمع والبيئة الخارجية، ويضعها في ترتيب يجعل عامل طبيعة المؤسسة العسكرية هو الأهم يليه موقف الدولة من الجيش وتعاملها السابق معه ثم يأتي دور المجتمع وعلاقة الجيش به، ومن ثم خوف الجيش أو اطمئنانه على الوضع الخارجي من حيث احتمال التدخل الأجنبي من عدمه.

 1 ـ العوامل العسكرية

إن العامل الأكثر أهمية بالنسبة لزولتان في التنبؤ بنمط استجابة الجيش لثورة ما هو (التماسك)، ذلك أن من شأن الجيش المتماسك أن يتخذ قرارا موحدا إما في اتجاه دعم النظام وإما باتجاه دعم الثورة، كما يضع مؤشرات لهذا التماسك تساعد في ضبط قياسه بطريقة أكثر دقة، من تلك المؤشرات التباينات العرقية والدينية والقبلية والمناطقية داخله، ذلك أنه بإمكان الانتماء العرقي أو الديني أو الجهوي أن يهيمن على أي هوية أخرى للفرد، وإذا ما ضربت الثورة على أحد هذه الأوتار فإنها قد تكسب ولاء الضباط وضباط الصف.

المؤشر الثاني للتماسك هو صراع الأجيال داخل الجيش وإذا ما كان الضباط الصغار يشعرون بالنقمة على الضباط الكبار، ويكون موضوع الأجيال أكثر قسوة في الجيش الذي يقوم على هرمية حديدية تعتمد الترقية فيه على الأقدمية، أي أن العمر يترجم إلى مزيد من الصلاحيات والسلطات والمسؤوليات، كما أن الضباط الضغار لقصر عهدهم لا يبدون ارتباطا كبيرا بالنظام.

ثم يأتي مؤشر آخر هو الانقسام بين الضباط وضباط الصف والمجندين، ذلك بأنه غالبا ما يكون ضباط الصف والمجندون منحدرين من خلفيات اجتماعية مختلفة، في نمط التعليم والتكوين وبالتالي يحصلون على امتيازات أقل، كما أنه في بعض الدول الاستبدادية يعامل المجندون بشكل سيء للغاية مما يجعل ولاءهم للنظام عند اندلاع أي ثورة محل شك، إلا أن الضباط كثيرا ما يسعون لعزل الجنود عن الأحداث عن طريق إبقائهم في الثكنات أيام التوتر ليتظل روايتهم المليئة بالأكاذيب وغير المحايدة هي المصدر الوحيد للأخبار بالنسبة للجنود، مما يجعل هذا العامل لا يطرد تأثيره دائما في موقف الجيش من الثورة.

كما أن من هذه الانقسامات التي تؤثر على تماسك الجيش ما يقع بين وحدات النخبة وبقية وحدات الجيش من حزازات نفسية سببها الدعم الكبير والتسليح النوعي والامتيازات الكثيرة التي تحظى بها قوات النخبة على حساب بقية وحدات الجيش، كما يشير وجود تلك القوات إلى أن النظام لا يثق بالجيش، وهو ما يؤثر على الموقف الموحد للجيش، حيث ستدافع قوات النخبة عن النظام للحفاظ على امتيازاتها في حين ستسعى بقية وحدات الجيش للإطاحة بالنظام الذي يهمش بعض الجيش لحساب بعضه الآخر، مثل ما حدث في غانا مع الرئيس كوامي نكروما، لكن الأمثلة ليست كلها تدعم هذه الفرضية ففي اثيوبيا حدث العكس حيث أطيح بنظام هيلا سيلاسي على يد الحرس الإمبراطوري الذي شكله وسلحه ومنحه امتيازات خاصة لتأمين كرسيه.

ومن تلك المؤشرات أيضا الانقسامات الاجتماعية والسياسية داخل الجيش، الذي هو في النهاية أبناء المجتمع الذي يحرك الثورة ويقوم عليها، هنا قد يختلف الضباط على أساس التوجهات السياسية أو الرؤى المهنية أو الخلفيات التعليمية، كما قد تتشكل تلك التحيزات على أساس سنة التخرج الأكاديمي لكل دفعة، مثلما شهدت بعض الجيوش كإندنوسيا والسلفادور وكوريا الجنوبية وتايلاند.

وقد يختلفون حول أمور تتعلق بعقيدة الجيش أو برامج التسليح أو حتى أساليب التدريب، كما أنه من الأمور المهم النظر إليها موضوع التباين بين المجندين إجباريا وبين الجنود المحترفين، حيث إن الجنود المحترفين أكثر ولاء للنظام من المجندين إجباريا غالبا، فالمحترفون اختاروا الانخراط في البيئة الهرمية للجيش والانضباط والحياة المنظمة، بعكس زملائهم المجندون إجباريا، ولذلك سيكون الأولون أكثر ولاء للنظام والتزاما بأوامر قادتهم بينما سيكون الآخرون أقرب للثوار ولحركات الاحتجاج.

بقي مؤشر مهم جدا في تماسك الجيش وهو رؤيته لشرعية النظام، بمعنى آخر كيف يرى الجنرالات قادتهم السياسيين؟ هل يرون أن قطاعا كبيرا من المجتمع يدعمهم أم العكس؟ ليس من المستغرب أن يميل الجيش للنظام الذي يرى أنه يتمتع بشعبية كبيرة أكثر من ميلهم لدعم نظام ضعيف الشرعية أمام مواطنيه.

أخيرا فإن سلوك الجيش السابق تجاه المجتمع قد يحدد ردة فعله على الثورة، فالجيش الذي له سوابق قمع وحشي للمظاهرات سيكون أجرأ وأكثر استعدادا من الجيش الذي لم يمارس قمع المواطنين في السابق، إن الجيش صاحب السوابق يدعم النظام لأنه يرى في الثورة حبال مشانقه على جرائمه السالفة، وبالتالي يحتاج ضمانات كبيرة سيتم نقاشها عند الحديث عن نطاق المجتمع كأحد النطاقات الأربعة التي حددها المؤلف للتنبؤ بردة فعل الجيش على الثورة.

 

 

 

 

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017