كتب

كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟ (2-3)

2 يناير, 2017

40
مشاركة

تحدث المقال الأول عن العوامل العسكرية التي تؤثر في قرار الجيش من الثورة، سيحاول هذا المقال عرض العوامل المتعلقة بالدولة في علاقتها بالجيش والتي تؤثر بدرجة ثانية على قرار الجيش، يطرح المؤلف سؤالين ستشكل الإجابة التي قدمها عليهما صلب هذا المقال، السؤال الأول: كيف  تعامل النظام الحالي مع الجيش؟ أما السؤال الثاني فهو: مالذي يريد النظام الحالي من الجيش فعله تجاه الثورة؟.

معاملة النظام للجيش

تقضي طبيعة التحليل الاجتماعي أن يتناسب تعامل الجيش من الثورة مع تعامل النظام مع الجيش تناسبا طرديا، فكلما كان النظام يعامل القوات المسلحة بطريقة جيدة فإنها على الأرجح ستظل موالية له، وعلى العكس فإن الجنود لن يترددوا في الالتحاق بالثورة إذا كان النظام يعاملهم معاملة سيئة.

وتأخذ العناية بالجيش ثلاث مسارات، أولها الاهتمام بالوضع المادي وبرفاهية أفراد الجيش لا سيما الجنرالات والضباط الكبار وضباط الصف، وينعكس ذلك الاهتمام في الرواتب اللائقة والعلاوات المستمرة، أما المسار الثاني فيتعلق بالعناية بتطوير بناء الجيش تسليحا وتدريبا، فإذا كان النظام يزود الجيش بتسليح جيد وبقواعد ووقود وقطع غيار وغيرها من لوازم عسكرية فإن هذا سيخلق حالة من الرضى لدى كبار الضباط.

وفي هذا السبيل تسمح بعض الدول من أجل سد نقص مخصصات الميزانية بشكل صريح أو ضمني للجيش بالمشاركة في الاقتصاد الوطني من خلال مشاريع تهدف للربح، ويستفيد ضباط الجيش بشكل شخصي من أرباح تلك المشاريع، كما هو الحال في اندنوسيا على سبيل المثال، لكن العناية بالجيش لا تقتصر دائما ـ لدى قادته وجنوده ـ على الحوافز المادية، فهناك حوافز معنوية قد تؤثر على موقف الجيش من النظام.

إن طبيعة المهام التي يكلف النظام بها جيشه تؤثر على موقفه منه، فإذا كان النظام يورط الجيش في مهام لا تناسبه أصلا مثل قيامه بدور الشرطة المدنية مثلا(السيطرة على الحشود، توفير الأمن في المناسبات، والأحداث الكبر، قمع الاحتجاجات الصغيرة للمدنيين العزل) فإن التذمر سيدفع الجيش للالتحاق بالثوار بدل الدفاع عن النظام.

كما أن توريط الجيش في حروب يمكن تفاديها أو لا ضمانات للانتصار فيها قد تكون سببا في خذلان الجيش للنظام، ذلك بأن الجيوش لا تحب الهزيمة، وهذا ما حدث في حالة كومونه باريس 1871؛ فعلى الرغم من أن الحرب الفرنسية مع بروسيا امتدت لفترة وجيزة، إلا أن هزيمة فرنسا كانت مهينة للغاية، فانقسم الجيش والتحق بعضه بصفوف المتمردين.

إن إقحام الجيش في صراعات غير محسوبة ولا محسومة قد يزيد من تآكل ثقة الجنرالات وولائهم للنظام، ودائما تقلل الهزيمة من ثقة الجيش في الحكومة وترفع من احتمالات الغضب الشعبي والثورة، وكثيرا ما تتمتع الثورات التي تعقب الحروب بدعم الجيش لأن الجنرالات يميلون لإلقاء اللوم على النخب السياسية بسبب سياستهم التي اضطرت البلاد إلى خوض الحرب، وبسبب سوء قيادتهم أثناء الأعمال الحربية.

ثم إن الاستقلال المهني للجنرالات وسلطتهم في اتخاذ القرارات له أثر كبير على موقف الجيش من النظام والثورة، فإذا كانت الدولة تتدخل في أدق تفاصيل الحياة العسكرية الصرفة مثل التدريب والترقيات الاعتيادية، فإن كبار الجيش سوف يتذمرون ويلتحقون بالمتمردين الثوار، أما إذا كان النظام يترك لهم حرية اتخذ القرارات المهنية باستقلالية فيما يتعلق بالقوات التي تحت إمرتهم فإن ذلك سيؤدي غالبا إلى ولائهم للنظام ودفاعهم عنه ضد الثورة.

كما إن قرار الجيش يتأثر بمدى شفافية قرارات النظام المتعلقة بالتعيينات العليا، والقرارات الشفافة في تعيينات الجيش هي تلك التي تقوم على ركيزتي الكفاءة والأقدمية، لأن اتخاذ القرار بطريقة غير ديبلوماسية وغير شفافية كثيرا ما يؤدي إلى الانقسامات ومن ثم إلى شرخ في ولاء كبار الجيش للنظام.

ثم إن الجيش يتأثر موقفه بمدى هيبته واحترامه من الشعب، فإذا كان النظام يقوم بما يستدعي احترام مهنة الجيش من قبل الشعب وجعلها حذابة للشباب فإن هذا سيجعل الجيش أكثر ولاء، إلا أنه يلزم التنبيه إلى أن هذا العوامل قد يحدث عكس ما سطر من نتائجها لاعتبارات أخرى، فمثلا خذل الجيش المصري نظام مبارك رغم البذخ والامتيازات التي كانت ممنوحة له، حيث يديرا قطاعا كبيرا من اقتصاد الدوة.

طبيعة أوامر النظام للجيش

الحيثية الثالثة هي طبيعة أوامر النظام للجيش إبان الثورة، حيث تحتاج الجيوش إبان الثورات والانتفاضات إلى أوامر صريحة لا لبس فيها من قبل المدنيين، أوامر تجيب على أسئلة من قبيل، متى على الجيش أن يتدخل وبأي طريقة؟ هل يستخدم الأسلحة الثقيلة والذخيرة الحية أم يتقيد بأساليب الشرطة غير القاتلة؟

إن الجنرالات الذين يحصلون على أوامر واضحة ومحددة من قادة سياسيين حازمين يستجيبون للثورة بشكل يختلف عن أولئك الذين يحصلون على أوامر متضاربة أو غير واضحة، ويضرب المؤلف مثالا للأوامر الواضحة بما حصل مع الجيش الامبراطوري الروسي خلال ثورة 1905 التي أحبطها، وللأوامر المشوشة بثورة شباط التي أطاحت بالنظام القيصري.

تلك كانت أهم الحيثيات المتعلق بالعامل الثاني من العوامل المؤثرة في موقف الجيش من الثوار وهو عامل مدى عناية النظام بالجيش، أما المقال الثالث والأخير عن هذا الكتاب فسيضطلع بشرح العوامل المجتمعية المؤثرة في موقف الجيش من الثورة.

 

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017