فكر

الصناعة بين الثقافة والسياسة (2 من 2)

4 يناير, 2017

14
مشاركة

 

الفشل الذي عانت منه التجارب الصناعية التنموية بفعل السياسات غير المكتملة التي انتهجتها بعض البلدان في إفريقيا وأمريكا اللاتينية ليست حجة على الحماس لتبني سياسات صناعية، فالتجارب الصناعية أثمرت نموا وتنمية في دول شرق وجنوب شرق آسيا، والحقيقة أن الصناعة هي التي تخلق القيمة المضافة الحقيقية، وهي أيضا التربية على الإبداع والنافذة إلى الحضارة..

وكمثال كان حجم إنتاج الصين السنوي محدودا قبل إقلاعها الصناعي، وفي أقل من خمسين سنة من العمل الصناعي ازداد حجم المنتجات الصناعية الرئيسية بعشرات الأضعاف، وباتت أنواع عديدة من المنتجات الصناعية الصينية تصدر إلى مختلف أنحاء العالم. وظلت كمية إنتاج الصين لكل من الحديد والصلب والأسمدة والزجاج تتصدر المنتجات العالمية من هذه المواد، ثم تطور الأمر إلى امتلاك نظام صناعي متكامل من الصناعات التقليدية والصناعات الكيمياوية والالكترونية إلى الصناعات النووية والفضائية. 

والسر في ذلك يرجع لعوامل عديدة ليس الهدف تتبعها الآن، إلا أننا نعتقد أن اتباع إستراتيجية صناعية شاملة سيقود بلداننا إلى كسب رهان التنمية الصناعية؛ وهي استراتيجيه ينبغي أن تجمع بين خلق البيئة المناسبة إداريا وبحثيا والقيام بتعبئة اجتماعية وقبل ذلك ومعه سياسات صناعية وتوجهات تعليمية مؤسّسة وضامنة.

السياسات الاقتصادية الصناعية

ولا نقصد بالسياسات الصناعية هنا السياسات الحمائية للصناعات الوطنية التي لم تعد ممكنة في ظل العولمة واشتراطات نظام اقتصاد السوق المتحكم من خلال مؤسساته الدولية، وإنما نقصد جملة من التوجهات الكلية التي تضمن العبور إلى خلق قاعدة صناعية وطنية:

نقل التقانة، وهو موضوع إشكالي وحديثه ذو شجون، ولكن لو تم توجيه سياسات حفز الاستثمار الأجنبي بحيث تشكل مدخلا لتوطين الصناعات المختلفة لكسبت البلدان النامية رهان التصنيع، وتوجيه الاستثمارات يعني أن تتبنى الحكومات سياسات استثمارية تضمن توجيه الاستثمار الأجنبي المباشر إلي قطاعات الصناعات التحويلية من خلال محفزات معينة للاستثمار في هذه المجالات، والهدف الذي سيحققه مثل هذا التوجه هو الاستفادة التقنية من هذه الورش والمصانع بما يمكن من خلق قدرات تقنية وطنية وانتقال خبرات التصنيع ومتطلباته.

كما أن من مسؤوليات الحكومات خلق بنية تحتية مادية تدعم التصنيع وتهيء له من طرق وكهرباء وموانئ واتصالات ومواصلات، وتشكل إنجاز المجمعات الصناعية أو تشجيعها إحدى التجارب العالمية المهمة في هذا الإتجاه، والتي تشكل بيئة مادية للإنتاج، ولتكن البداية بالمجمعات الصناعية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والعمل على الاستفادة من المواد الأولية في تأسيس صناعات وطنية مدخلاتها متاحة.

إن هذا الأمر لا يعني بالضرورة تدخلا سافرا للدولة في النشاط الاقتصادي، لكنه يترجم مستوى من الرعاية لا تستطيع بلدان في طور التأسيس التنموي الاستغناء عنه بحجة قدرة قوى السوق على توجيه الموارد .

وهو أيضا، وهذا الأهم، مقدمة ضرورية نحو دفع القطاع الخاص للمشاركة في عملية التنمية الصناعية حين تكون البنية التحتية مواتية وخصوصا في ظل حوكمة تحقق العدالة وتحارب الفساد وتضمن استيعاب الفاعلين الخواص في معامل وورش صناعية تحقق إنتاجية عالية وتوظف عمالة واسعة وتخلق قيمة مضافة كبيرة.

الإصلاح الإداري

إن التأسيس لمثل هذا القطاع الصناعي لن يتم إلا رفقة إصلاح إداري عصري يقطع مع عادات البيروقراطية ويؤسس لقيم وثقافة ومهارات إدارية جديدة أساسها إدارة الموارد البشرية بطريقة تضمن تحقق أعلى قدر من الرضا الوظيفي للعاملين، الهدف الذي يحقق الحافزية الضرورية والإنتماء والولاء للعمل والمؤسسة، وآليات هذه الأهداف تمر بالإشراك في الخطط والتحفيز المادي والمعنوي للعاملين.

التعليم في قلب المعركة

فتطوير مناهج التعليم ضرورة لتخريج الكوادر وإنتاج البرامج والأفكار التصنيعية، وهو أمر لن يتحقق قبل اعتماد أساليب التعليم القائمة على التحليل والاستنتاج والتفكير والإبداع بدل المنظومات التعليمية المنتشرة في عالمنا الإسلامي القائمة على الاستظهار والتكرار، كما يتعين تحويل الجامعات إلي بيئات محفزة للإبداع من خلال دعم البحوث والدراسات وتشجيع البحث العلمي، والإنفاق عليه إنفاقا حقيقيا فلا زال نصيب البحث العلمي في ميزانيات أغلب بلدان العالم الإسلامي ضعيفا جدا.

 أين الإعلام التنموي؟

من المؤسف أن إشاعة التفاؤل ورفع معنويات الشعب فهم من قبل المنظومات الإعلامية، أو أريد له أن يكون، وسيلة لجلب شرعية مفقودة لحكومات ضعيفة الفاعلية، وهكذا وظفت وسائل الإعلام الرسمية في التطبيل لمعركة تنموية لا وجود لها.

إن وظيفة الإعلام التنموي تقوم على شقين: شق تعبوي يسعى إلى بث روح الحماسة والتفاؤل والترويج للخطط التنموية الحقيقية وبث روح وعي تنموي مدعوم بسياسات حكومية صادقة، وشق تأهيلي وتبصيري يجلب الخبرات والتجارب العالمية والمجتمعية الناجحة ويبصر بالعوائق والنواقص والثغرات ويتحدث بالحقائق والأرقام لا يخدر بالأوهام والأحلام.

إن برامج تنموية إعلامية تشجع النجاحات الذاتية وتلقي الضوء على المبادرات الخلاقة تكاد تكون معدومة في وسائل ووسائط إعلامنا الحكومية وغير الحكومية.

نحن بحاجة لإعلام تنموي تقوم تعبئته على نشر قيم التفكير والتشاور والإبداع ومعاني الثقافة الإنتاجية والريادة في الأعمال والمبادرة الذاتية جنبا إلى جنب مع الاحتفاء بالروح الجماعية والإحساس بالروح الوطنية الهادفة إلى كسب رهان التصنيع والخروج من موقع التابع المستهلك في منظومة تقسيم العمل الدولي الجائرة.

 

 

 

 

 

 

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017