فكر

النخب العربية والثورات.. بين خائف ومقاوم وغير مهتم

8 يناير, 2017

4
مشاركة

في يناير، الذي صار يعرف بشهر ثورات الربيع العربي، تتراوح ما بين “الخوف من التغيير ومقاومته” ردود أفعال النخب العربية تجاه الثورات الشعبية، التي شهدتها المنطقة منذ عام 2010، بحسب ما ذهب إليه باحثون تونسيون وفرنسيون وألمان في العلوم السياسية والاجتماعية.

وقال الباحث الفرنسي في العلوم الاجتماعية، ميشال كامو، إنه “عندما انطلقت الثورة التونسية (في ديسمبر/ كانون أول 2010)، وأسقطت النظام القديم (الرئيس زين العابدين بن علي) في يناير/ كانون ثاني 2011، لم تدرك النخبة التونسية – كما باقي النخب العربية- ما يحدث، ولم تكن قادرة حتى على استيعاب ما يحدث في الشارع”.

ترحيب حذر

ويعود ذلك، بحسب كامو، إلى أن “الحراك كان سريعا ومفاجئا.. وبالطبع كانت النخب السياسية الحاكمة في تونس وباقي الدول العربية ضد هذا التغيير، لكن كان هناك أيضا ترحيبا واسعا من عدد كبير من المثقفين والكتاب”.
وحول النخب الاقتصادية، رأى الباحث الفرنسي، في تصريحات صحفية أنه “كان هناك ترحيبا حذرا للغية؛ فقطاع الأعمال كان خائفا من عدم الاستقرار الذي يرافق مراحل الانتقال”.

وانتقلت شرارة الثورة الشعبية من تونس إلى مصر، فأطاحت ثورة شعبية اندلعت في يناير بنظام حكم الرئيس المصري الأسبق، حسني مبارك، في فبراير/شباط 2011.

وعن الحالة المصرية قال كامو: “في مصر أيضا رأينا ردود فعل مقاربة مما وقع في تونس، لكن بخصوصية مصرية، أي بتواجد مؤسسة عسكرية قوية وضخمة في قلب الحياة السياسية ولها وزنها في قطاع الأعمال”.

فيما ذهبت الباحثة التونسية في العلوم السياسية، أسماء نويرة، إلى أن “النخب التي كانت لها مخاوف من الثورات العربية هي أساسا النخب الاقتصادية والعلمانية”.

الخوف من حكم الإسلاميين

وهو موقف أرجعته نويرة إلى أن “النخب الاقتصادية كانت متخوفة من أمرين، الأول هو عدم الاستقرار، والأخير، وهو الأهم، هو فقدان الامتيازات التي حصلت عليها في السابق، والتي ساهمت في تحقيقها ثروات”.

أما عن “النخبة العلمانية” فرأت الباحثة التونسية أن “هذه النخبة كانت خائفة من وصول الإسلاميين إلى الحكم، خاصة بعد أن بدأت شعبية الأحزاب الإسلامية تظهر للعيان من خلال قدرتها على التعبئة الشعبية والجماهيرية.. وهذا الاستقطاب الفكري كان واضحا بشكل قوي في تونس ومصر”.

ومستكملا لرؤية نويرة، قال الباحث الفرنسي في العلوم السياسية، فيليب فارتو، إن “مثقفين في العالم العربي كانوا فعلا مع التغيير والثورات، ولكن الاستقطاب الأيديولوجي بين الإسلاميين والعلمانيين جعلهم يصطفون إما مع الإسلاميين أو ضدهم، حيث اصطف بعضهم مع النظام القديم ضد الإسلاميين، وهو ما أفقدهم جزءا مهما من مصداقيتهم”.

ثورات ما يعرف بـ”الربيع العربي” كان لها تأثير كذلك على دول عربية لم تعرف ثورات ولا حراكا شعبيا واسعا منذ عام 2010، بحسب الباحث الفرنسي في العلوم السياسية، إيمانيول الكاراز.

استحضار التاريخ

وضرب الكاراز مثلا بالجزائر، حيث رأى أنه في هذا البلد العربي “جرى التعامل مع الثورات (في الدول الأخرى) باستحضار التاريخ، وخاصة المظاهرات التي طالبت عام 1988 بالتعددية السياسية، وتلتها انتخابات تشريعية، ومن ثم العشرية الدموية التي مرت بها الجزائر ولم تندمل جروحها بعد، وبالتالي كان هناك خوف كبير من التغيير في الجزائر، خاصة لدى النخب”.

وألغى الجيش الجزائري عام 1991 نتائج انتخابات تشريعية فازت “الجبهة الإسلامية للإنقاذ” بمرحلتها الأولى؛ ما أدخل البلاد في صراع مسلح خلف مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمفقودين، فضلا عن دمار اقتصادي هائل، ولم تنته هذه “العشرية السوداء” إلا بإصدار الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لقانون الوئام المدني عام 1999.

personality3

وزاد الكازار بأن “عددا مهما من أفراد النخبة السياسية والإعلامية الجزائرية يمتلك موقفا سلبيا للغاية من الربيع العربي، ويرى أنه مؤامرة أجنبية يراد بها إدخال العالم العربي في فوضى، وهؤلاء يستشهدون اليوم بما يقع في ليبيا واليمن وسوريا”.

وبحسب الباحثة الألمانية المهتمة بالحراك النسوي، إيفا شميت، فإن “الثورات العربية أحدثت تغييرات في النخب العربية، وبشكل خاص السياسية منها.. ففي تونس مثلا نجد اليوم طبقة سياسية جديدة تختلف عما كانت قبل الثورة.. وأصبح على سبيل المثال هناك عدد مهم من النواب والوزراء من الطبقات المتوسطة والشعبية”.

لكن شميت رأت أن “النخب الجديدة، التي أفرزها الربيع العربي، أقل انسجاما من سابقاتها لسببين.. الأول هو وجود مناخ حرية يسمح بطرح خلافات لم تكن تطرح في السابق، أما السبب الأخير فهو وجود تدافع على الحكم، وهو ما لم يكن معهودا”.

دهشة الصدمة

وذهبت الباحثة الألمانية إلى وجود تغيير في النخبة النسائية العربية، “فهذه النخبة قبل الثورات كانت تعمل ضمن سياسات الدولة، لكن المشهد تغير اليوم، فهناك نخب نسوية جديدة غير تقليدية أو غير تلك التي كانت تتصدر المشهد”.

وختمت شميت بأن “هذه النخب النسوية الجديدة هي من إفرازات التيار الإسلامي، فيمكن القول إن الإسلاميين بدأوا في إفراز تيار نسوي يعمل على حقوق المرأة من منطلق إسلامي، وهذا أمر جديد”.

من جهة أخرى ،تقول الباحثة الأكاديمية والكاتبة السياسية السورية مرح البقاعي في مقال لها عن “أزمة النخب الوطنية في الثورات” ،أن المستنير العربي (وتعني به مثقف النخبة وصاحب سلاح الحبر الحرّ والكلمة الاستباقية)، “وقف مشدوهاً أما صدمة ما يدور حوله، وفي مواجهة مباشرة ويومية غير مسبوقة في التاريخ البشري المعاصر مع مشهد الدم البريء المسفوك مصاحَباً ولوعة صرخات الوجع العربي في ربيعه المقتول!”.

وتضيف أن “التغيير المنشود الذي زرع شتلته الصغيرة كتّابٌ وفنانون ومفكّرون، وسقَوا غرسته الصعبة على مرار عقود، قد نبتت له أشوك خرافية تكاد تفترس شجيرة الديمقراطية تلك، الوحيدة والضعيفة في مهب رياح العنف المؤدلج الصفراء تهبّ عليها من كل مجهول”.

أزمة هوية

وتقول مي الريحاني الكاتبة اللبنانية التي عملت في الأمم المتحدة واليونيسيف والبنك الدولي والوكالة الأميركية للتنمية الدولية وتنقلت بين أفريقيا وآسيا ودول الشرق الأوسط وخاضت في قضايا وملفات حساسة جدا ، أن النخب فشلت في قيادة تلك التغييرات ،مع الإدراك أن النخبة العربية عانت الكثير من الظلم والقمع والاضطهاد”، وتضيف أن هذه النخب أضاعت فرصة أسمتها ذهبية وذلك عندما “فتحت الثورات العربية نافذة الأوكسجين لتكون النخب رائدة في القيادة فآثر البعض منها الصمت”.

وتربط الريحاني دواعي التغيير بما تطلق عليه “أزمة الهوية” ،وفي ظل الحراك الانقلابي الذي تعيشه البلاد العربية ، تقول أن مصطلح “أزمة الهوية” أصبح “مصطلحا يعبّر عن الواقع العربي الذي يعيش انقلاباً كبيراً على أنظمة الدولة وطبيعة النظم السياسية وماهيتها، مع منظومات المجتمع في المستويات المتعددة سواء الحزبية أو الأفراد، في أجواء تغيب النخبة عنها، وعلى ضوء عدم قدرة الهوية العربية على التعبير عن خصوصية هذا الفرد أو تلك الجماعة أو هذا المجتمع”.

وتؤكد الريحاني أنه “لذلك لا بد من ربط وإعادة ترميم الهوية العربية بالقضايا التنموية، التي تصب في صناعة الأمم. وعن طريق ربط التنمية سواء الاقتصادية أم الإنسانية أم السياسية، لخلق دائرة متكاملة للوصول إلى برّ مفهوم الهوية”.

التصنيفات:

الوسوم:

المصدر: مصادر متعددة
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017