فكر

الإعلام في مراحل الانتقال السياسي

“الجزيرة” و”كامبريدج” تعرضان نتائج مشروعهما البحثي الضخم

9 يناير, 2017

0
مشاركة

نظِّم “مركز الجزيرة للدراسات” و”جامعة كامبريدج” هذا الأسبوع مؤتمرًا بعنوان “الإعلام في مراحل الانتقال السياسي: دراسة حالات تركيا والمغرب وتونس”. ويهدف المؤتمر إلى عرض نتائج المشروع البحثي المشترك بين المركز والجامعة المذكورة والذي استمر ثلاثة أعوام، واستعرض الباحثون من البلدان الثلاثة نتائج أبحاثهم وخلاصة دراساتهم كما عقِّب عليها نخبة من الخبراء وأساتذة الإعلام من جامعات عربية وأجنبية مختلفة.

من أبرز ما ناقشه المؤتمر: العلاقة بين السُّلطة ووسائل الإعلام في الدول الثلاث، وطبيعة القطاع الإعلامي نفسه من حيث مؤسساته العامة والخاصة، وخصائص السوق التي يشتغل فيها، ومصادر التمويل، والأجندة السياسية لوسائل الإعلام، والمعايير المهنية التي وسمت أداءها. كما استعرضت الأوراق دور وسلوك الإعلام كراوٍ للثقافة السياسية السائدة، وأداة للخطاب العام وبناء الهوية خاصة في مرحلة ما بعد 2011.

وكان هذا المشروع البحثي قد انطلق في العام 2013، بعنوان “الإعلام في مراحل الانتقال السياسي: تونس نموذجًا” بالتركيز على دراسة التغييرات التي شهدتها منظومة الإعلام التونسية بعد الثورة، وتُوِّجَت المرحلة الأولى بإصدار مركز الجزيرة للدراسات كتابًا يحمل العنوان نفسه، كما صدرت أعمال هذه المرحلة باللغة الإنجليزية في مجلة الدراسات الإفريقية الحديثة. وفي العام 2014 بدأت المرحلة الثانية من المشروع بغرض إجراء أبحاث مماثِلة حول الإعلام في مرحلة الانتقال السياسي في كلٍّ من المغرب وتركيا.

الأنظمة الإعلامية في تركيا المغرب وتونس

ويهدف المشروع إلى دراسة مقارِنة لأنظمة الإعلام في البلدان المطلَّة على البحر الأبيض المتوسط، على أساس ثلاثة مداخل بحثية تشمل البنية والوظيفة والوكالة، إضافة إلى مقاربة قضايا إشكالية، مثل حرية الإنترنت والمراقبة، والخطاب السياسي، واستخدام وسائل الإعلام الاجتماعي، وقضايا النوع على شاشة التليفزيون وفي الحياة العامة، والكفاءة المهنية والحزبية للقطاع، وظهور وسائل الإعلام الإسلامية، والمنافسة الداخلية بين النخب السياسية للاستفادة من وسائل الإعلام لخدمة أهدافها الخاصة.

وتكمن قوة هذا المشروع في ما يوفره من أدوات تحليلية لدراسة التغيير في ثلاثة أشكال متباينة للغاية من أنظمة الحكم، وهي: الانتقال الديمقراطي السريع في تركيا، والتغيير في ظل النظام الملكي في المغرب، والتجربة التعددية في تونس ما بعد الثورة والإطاحة بنظام دكتاتوري عتيد. وكذلك في إلقائه الضوء على الإعلام باعتباره أداة لسلطة الدولة، وفي الوقت ذاته آلية للتعبير الاجتماعي.

كل هذا يوفِّر تحليلًا مقارِنًا أصيلًا حول علاقة الإعلام بالسياسة في هذه الدول المتوسطية، وهو أمر لم يتم بحثه من قبل بعمق كاف. بالإضافة إلى ذلك، فإن دراسة الإعلام بوصفه أداة للسلطة وانعكاسًا لها (سواء استخدمته الحكومة أو الجيش أو الاستخبارات أو القطاع الخاص أو الجماعات المدنية)، ستلقي الضوء على بنية السلطة في هذه الدول وعلى العوامل التي تقود سياساتها واستراتيجياتها التحديثية من زاوية جديدة.

كتاب حول نتائج المشروع نهاية 2017

الدكتور صلاح الدين زين، مدير مركز الجزيرة للدراسات، أكد أنه سيتم بنهاية 2017 نشر مؤلف حول نتائج مشروع البحث مع جامعة كامبريدج بالمملكة المتحدة. وأشار في مداخلته الافتتاحية أن المؤتمر يعرض نتائج بحوث أصلية أجراها فريقان بحثيَّان أحدهما في المغرب والآخر في تركيا، يشاركان في مشروع بحثي مشترك بين مركز الجزيرة للدراسات وجامعة كامبريدج.

ولفت إلى أن “تنظيم المؤتمر من قبل مركز الجزيرة للدراسات بالدوحة سيضيف إلى هذا المشروع البحثي دينامية فريدة في مرحلته النهائية قبل نشر نتائجه ومخرجاته في العام 2017. كما أن مشاركة الباحثين المعقّبين، وحضور عدد هام من الأكاديميين والمهتمين بالموضوع، سيسهم في تعزيز البحث العلمي حول الإعلام في منطقة الشرق الأوسط”.

وأشار مدير الجزيرة للدراسات إلى أنه سبق هذا المؤتمر أربعة لقاءات مماثلة؛ اثنان بجامعة كامبريدج واثنان في الدوحة كرست جميعها لمناقشة جوانب من مخرجات هذا المشروع البحثي غير المسبوق. وأضاف: كثيرا ما أُثير الجدلُ في هذة الأقطار بشأن العلاقة الهيكلية (المؤسساتية والتشريعية والقانونية) بين النظام الإعلامي والنظام السياسي، ودور الإعلام في المجال العام، في ظلّ مخاوف من استخدامه أداةً لحماية مصالح سياسية لفئات محددة على حساب الآخرين.

المغرب: تراجع الحريات ووفرة الوهم

قال إدريس كسيكس أستاذ الإعلام والثقافة والكتابة الإبداعية ورئيس تحرير مجلة “تيل كيل”، إن المغرب شهد سنوات التسعينيات وعودا بإصلاح قطاع الصحافة والإعلام، وبرزت صحف تجاوزت الخطوط الحمراء، بتناولها قضايا تمس بـ “الملك” و “الصحراء الغربية”، وغيرها، لكن الانفتاح سرعان ما تراجع بعد العام 2005، مع عودة القيود على الصحافة، جراء ضغوط اقتصادية على وسائل الإعلام، ومحاكمات لقادة صحف، ما اضطر بعض الصحافيين للجوء إلى الصحافة الإلكترونية، بينما فضل البعض الهجرة، أو تغيير المهنة كلية.

personality-aljazeera

واعتبر كسيكس في مداخلته أن تعدد العناوين الإعلامية في المغرب هو بمثابة “وفرة الوهم”، في وقت تزداد فيه نسبة المغاربة المتابعين للقنوات التلفزيونية، مقابل تراجع مقروئية الصحف، ناهيك عن المشاكل التي تعانيها الصحف في الانتشار، مع تراجع الصحف المكتوبة، لحساب المواقع الإلكترونية التي تستقطب 2.5 مليون زائر يوميا. في وقت تقلص فيه عدد الصحافيين المسموح لهم بممارسة مهنة الإعلام والصحافة، وصعود رجال أعمال وقادة أحزاب يديرون صحفا ومواقع إخبارية.

وأشار إلى أن “معظم داعمي الصحافة في المغرب مرتبطون بالقطاع الاقتصادي والسياسي، والنظام الإعلاني تسيطر عليه أقلية”. مضيفاً “عندما ننظر إلى الاتجاهات ونوع الفاعلين واللاعبين في المغرب نجد أن القلة يحاولون التعبير عن أصواتهم، والأغلبية غادروا الدولة”.

تركيا: قفزة تاريخية للإعلام الاجتماعي

قالت الأستاذة آيش تونش بجامعة اسطنبول بيلجي في دراسة بعنوان «كل شيء يتحول: تحليل عام للمشهد السياسي التركي من منظور نظام إعلامي هجين»: إن كل من ينتقد الحكومة في تركيا يجد نفسه ضحية لها، وهو أمر مألوف في تركيا خصوصا بعد محاولة الانقلاب الفاشلة ليلة 15 يوليو الماضي، لافتة إلى أن المشهد التركي مليء بالتناقضات والاختلافات، ومن الصعب جدا وصف كل هذه المواقف والاختلافات.

وبينت أن دراستها تهدف إلى إلقاء الضوء على التغير التدريجي في الإعلام التركي في الفترة ما بعد 2011؛ حيث شهدت سوق الإعلام في تركيا عملية تحول متميزة منذ 2002، عندما وصل حزب العدالة والتنمية للحكم أول مرة، من الأحزاب السياسية إلى مؤسسات الدولة، ومن الكيانات الثقافية إلى الهويات الإثنية، ومن المنظمات العسكرية إلى منظمات المجتمع المدني؛ حيث عمل تحول تركيا على تقوية بعض اللاعبين والتخلص من آخرين، بالرجوع إلى الخلفية التاريخية للإعلام التركي، بما في ذلك المحاولة الانقلابية الفاشلة، في 15 يوليو 2016، التي هزت البلاد عن بكرة أبيها.

وبينت أن بحثها ركز على الدور المتغير للصحف وقنوات التلفاز، فضلاً عن مهنة الصحافة. وأجرت الباحثة لقاءات معمقة مع قادة الرأي المعروفين، والساسة المحليين، والإعلاميين المخضرمين، وجمعيات الصحافة، وممثلي وسائل الإعلام لأغراض هذا البحث. وتقود المقابلات الطريق إلى تحليل لوظائف القطاع الإعلامي المحاصرة عند التقاطع بين ما تعتبره «المحسوبية، والميول الاستبدادية، وقواعد السوق الرأسمالية».

مديرة المشروع: هذه دراسة مشتركة غير مسبوقة

قالت د.فارمان فارمايان، الباحثة الرئيسية ومديرة المشروع الإعلامي بين جامعة كامبريدج وشبكة الجزيرة الإعلامية إنها «دراسة مشتركة غير مسبوقة، وقد قدمنا دراسة تنظر إلى موضوع موحد في 3 بلدان (المغرب، تونس، وتركيا) مع اختلاف السياسات والنظم في تلك الدول».

وأوضحت أنه «تم نشر 16 تقريرا حول المشروع البحثي المشترك بين كامبريدج ومركز الجزيرة للدراسات، وسنقوم بنشر المزيد من التقارير باللغتين العربية والإنجليزية على موقع المركز الإلكتروني»، لافتة إلى أنه سيتم طبع كتاب بنتائج البحث في نهاية عام 2017. وأشارت إلى أن الدراسة تناولت أسباب التغيير في تونس والمغرب وتركيا، وكيف أثرت السياسة في الإعلام، والعكس، والعلاقات بين الحكومات والاقتصاد.

ونوهت إلى أن الجزيرة هي المؤسسة الوحيدة التي استثمرت في المشاريع الجامعية البحثية، ولها مشاريع مستقلة، مشيدة بالجهود التي بذلتها إدارة شبكة الجزيرة، خلال 3 سنوات كاملة، ناهيك عن تكفلها بتمويل الدراسة البحثية لتتناول ثلاث دول معا، لتكون هذه سابقة تاريخية، حيث يتم دراسة ثلاث دول من جنوب المتوسط دفعة واحدة، بعدما تم الانتهاء من دراسة الحال التونسية طيلة عام كامل.

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017