كتب

كيف تستجيب الجيوش للثورات؟ ولماذا؟ (3-3)

9 يناير, 2017

50
مشاركة

حاولت المقالات السابقة الحديث عن العوامل الذاتية والعوامل المتعلقة بالدولة التي تؤثر على موقف الجيش من الثورة، أما هذا المقال فيسعى لعرض العاملين الأخيرين ـ حسب المؤلف ـ وهما:العوامل المجتمعية والعوامل الخارجية. ولنبدأ بالحديث عن العوامل المجتمعية.

العوامل المجتمعية

إن المجتمع هو الذي ينتج الثورة، كما هو وقودها، ومطالب الثورة بالضرورة هي انعكاس لواقع غير مرضي لدى أفراد المجتمع، وبما أن المجتمع هو منتج الثورة فإنه لا بد للجيش أن يضع هذا الأمر في اعتباره قبل أن يتخذ أي قرار بدعمها أو قمعها، وهناك عدة أمور تؤثر عليه، منها:

حجم وتكوين وطبيعة المظاهرات

إن حجم المظاهرات قد يمثل عاملا كبيرا في طبيعة تعامل الجيش مع الثورة، فعادة ما يتم احتواء المظاهرات الصغيرة من قبل الشرطة أو الأجهزة الأمنية والقوات شبه العسكرية، لكن إذا زاد حجم المظاهرات فإن احتمال تدخل الجيش يصبح واردا.

وإذا ما نزل الجيش للمظاهرات فإن ذلك يعني أن النظام قد اتخذ قرارا بسحق الثورة، لكن ـ حسب المؤلف ـ ليس هناك علاقة مطردة بين ضخامة الحشود المشاركة في الثورة وبين قرار الجيش تجاهها، إن هناك عاملا آخر يعتبر أكثر أهمية من حجم الحشد وهو طبيعة المتظاهرين، أي هل المشاركون في الثورة يمثلون مختلف الأعمار والأجناس والفئات والشرائح المجتمعية، أم أنهم يمثلون قطاعا واحدا من الشعب؟

إنه من السهل على الجيش أن يقوم بسحق حفنة من الرجال لكنه سيتردد في القيام بنفس الفعل إذا كان أمام أطفال ونساء وشيوخ ورجال أو حتى مجموعات متنوعة من حيث انتماءاتها السياسية، فقد استطاع الأوكرانيون في ثورة البرتقال عام 2004 أن يقلصوا احتمالات إطلاق النار من خلال رص صفوف الشابات بذكاء في أماكن أكثر قربا من حواف التظاهرات أمام القوات الحكومية.

كما قد تمثل الهوية العرقية والدينية للمتظاهرين عاملا آخر مهما في تحديد موقف الجيش من الثورة، ويمكن التمثيل لذلك بوقوف الجيش والنخب الحاكمة إلى جنب الملك البحريني لأنهم سنة ولأن المتظاهرين كانوا شيعة.

1 ـ شعبية الثورة

من الطبيعي أن تزيد احتمالات وقوف الجيش إلى جنب الثوار كلما أحس أنهم يحظون بتأييد مجتمعي واسع، كما أن الثوار الذين لا يحظون بهذا الدعم أكثر عرضة لسحقهم من قبل الجيش، وهناك ملاحظة مهمة وهي أن قادة الجيش من جنرالات وكبار ضباط يخافون الثورة التي يحتملون نجاحها، وذلك لما يتوقعونه من محاكمات لهم بسبب الاختلاس والفساد والقمع الذي قد يواجهون به الثورة.

لم يكن أمام قادة الجيش الكوبي إلا دعم نظام باتيستا لأنهم عرفوا أن أمامهم خياران لا ثالث لهما، فإما أن يبقوا إلى جانب النظام حتى آخر رمق، وإما أن يغادروا الجزيرة قبل أن يتم إعدامهم من قبل فيدل كاسترو وثواره، وقد تأكدت مخاوفهم بعد الثورة حينما أعدم نظام كاسترو المئات من الموالين لباتيستا.

2 ـ التقارب مع الثوار

وكثيرا ما يحاول الثوار التقارب مع الجيش وإظهار التلاحم معه في لحظة الهيجان الشعبي من أجل كسب وده وطمأنته، فالتاريخ مليء بمشهد الثوار وهم يضعون الزهور على الدبابات أو في فوهات البنادق، إنهم يسعون دائما للتقرب من الجيش كما يسعون لإثارة سخطه على النظام من خلال الحديث عن تعامله السيء مع صغار الجنود ومتوسطي الرتب العسكرية، كما يقومون بتقديم وعود بتبني سياسات مقبولة من قبل الجيش مع انتصار الثورة.

وفي معظم الحالات يستمع الجنود والقيادات المتوسطة إلى نداءات الثوار لأنهم غالبا أقل ارتباطا بالنظام ولأنهم يرون فيها أملا لتحسين ظروفهم المهنية والمعيشية، وقد استخدمت هذه الدعاية في ثورات عديدة ونجحت بشكل كبير في سد فوهات بنادق الجنود عن صدور الثوار.

العوامل الخارجية

كل العوامل السالفة الذكر هي عوامل داخلية، بمعنى أنها تنشأ داخل الجيش، المجتمع الدولة، إلا أن للبيئة الخارجية أثرها القوي على موقف الجيش من الثورة، وهناك عدة أمور خارجية تنظر لها الجيوش قبل اتخاذ قرارها تجاه الثورة.

1 ـ احتمالات التدخل الأجنبي

يعني هل هناك إمكانية حقيقية للتدخل الأجنبي؟ إلى أي الأطراف يمكن أن تميل القوى الأجنبية، النظام أو الثوار؟ مثلا في ليبيا أدى تدخل الناتو إلى انشقاق عدد من الضباط عن الجيش الليبي والتحاقهم بالثوار.

2 ـ الشؤون الخارجية

فقد تؤثر طبيعة العلاقات بين النظام القائم وبين الدول الأجنبية على موقف الجيش، وسيولي كبار الضباط أهمية كبيرة لموقف زملائهم في الدول الأجنبية خصوصا الذين يتولون ملفات المساعدات الخارجية، وسيضعون في اعتبارهم الموقف الذي تريد هذه الأطراف من الجيش أن يتبناه

3 ـ الانتشار الثوري

ويعني أن موقف الجيش قد يتأثر في بعض الحالات من اندلاع ثورات متعددة في المنطقة فيما يشبه عدوى ثورية تنتقل من دولة إلى أخرى، وتأخذ هذه الحالات منحيين متعاكسين، في الأول منهما ينضم الجيش للثورة لأنه يرى أن وقوفه إلى جنب نظام خاسر قرار غير راشد، ولكنه أيضا يلاحظ أن بعض الجيوش تكون أكثر دموية حينما ترى الأنظمة تتساقط من حولها، كما حصل في سوريا وكما حصل في بورما حينما سحق الجيش ثورة الزعفران.

4 ـ خبرات الضباط مع الخارج

معرفة تاريخ التدريب والدول المدربة لأي جيش قد يسهم في التنبؤ بموقفه من الثورة، لأن أي دولة لا تقدم التدريب فقط ولكنها تقدم أيضا قيما عسكرية وسياسية معينة، فالضباط الذين يتلقون تدريبات في دول ديمقراطية وبها نظام سياسي مستقر وفصل بين السلطات، ولديها جيش احترافي بعيد عن السياسية سيكونون أقرب إلى الجماهير الغاضبة أكثر من أولئك الذين تلقوا تدريباتهم في دول محكومة بالجيش أو بديمقراطيات شكلية.

تلك أهم العوامل التي يرى زولتان باراني أنها تؤثر على موقف الجيش من الثورات، وقد قدم في كتابه تحليلات عميقة ومستوعبة لطبيعة الجيوش ومواقفها، كما قدم نماذج تطبيقية على جملة من الثورات  تمثل كل واحدة منها موقفا للجيش مغايرا وفق المعطيات الوالعوامل المذكورة، كانت في مقدمتها الثورة الإيرانية، والصينية وكذلك بعض ثورات الربيع العربي.

 

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017