فكر

تجارب تنموية..النهوض الصيني ( 1 من 2)

16 يناير, 2017

16
مشاركة

 

يشكل الاسترشاد بالتجارب التنموية أحد المدخلات المهمة لعملية التفكير الاستراتيجي التي تسعى إلى وضع استراتيجيات التنمية، ومع الاعتراف بأن المشكلات التنموية التي تواجه بلداننا العربية ليست بسبب القصور في الاستراتيجيات، ولكن -بشكل أساسي- بسبب ضعف الإرادة السياسية، والتبعية الكاملة لنظم تقسيم العمل الدولي، ولشيء من ضعف الإلهام وغياب المشروع لدى أغلب القيادات السياسية التي تشكل رؤيتها العامة عادة إحدى ملهمات الخطط التنموية التفصيلية.

مع الاعتراف بكل ذلك، فإن التجارب الناجحة لبلدان العالم الثالث التي انطلقت من ذات التحديات التي تواجه بلداننا تشكل دليلا إضافيا على أن التخلف ليس ضربة لازب، لذا نود أن نستلهم من خطواتها الرائدة دليل عمل لمواجهة مشكلاتنا ووضع أقدامنا على طريق التقدم الاقتصادي والاجتماعي.

إحدى تلك التجارب الرائدة هي انطلاق التنين الصيني من حالة اقتصاد زراعي بدائي إلى اقتصاد تصديري عملاق، ومن مجتمع بدائي إلى أمة ناهضة تنافس منتجاتها التكنولوجية أعرق الاقتصادات الإنتاجية في أوروبا وأمريكا. فكيف خطت الصين تلك الخطوات العملاقة، وكيف ردمت تلك الهوة السحيقة أو تكاد؟

البداية والمسار

حتى نهاية السبعينات كانت الصين دولة متخلفة رغم وفرة الموارد، وكانت أوضاع الاقتصاد الصيني صعبة، فرغم كل المحاولات التي بدأت مع تأسيس جمهورية الصين الشعبية على يد ماوتسي تونغ 1949 ظلت خطط التنمية الاقتصادية تراوح بين النجاح الجزئي والفشل الذريع، وابتداء من عقد التسعينات تاريخ تحقيق أكبر نسبة نمو للاقتصاد الصيني (11%،1995) وبداية دخولها عصر الصناعات الكهربائية والدقيقة، انطلقت الصين نحو افتكاك موقع اقتصادي متقدم أهلها اليوم لشغل موقع ثاني أقوى اقتصاد عالمي، وذلك حينما اشتقت فلسفتَها الاقتصادية ورؤيتَها التنموية اعتمادا على قدراتها الذاتية وانطلاقا من احتياجاتها التنموية.

وطيلة العقد الأول من الألفية الجديدة كان معدل النمو الاقتصادي 10%، وهو أسرع نمو اقتصادي مسجل تاريخيا([1])، رغم تراجعه هذا العام 2016 إلى (6.7%)، وبقيمة للناتج الإجمالي تصل (11.01) تريليون دولار أمريكي، يبلغ نصيب الفرد من الناتج الإجمالي 7930 دولار([2])، وتنتمي الصين للشريحة العليا من البلدان متوسطة الدخل.

ويواصل القطاع الصناعي نموه، حيث سجل هذه السنة 2016 (9.2%)، وبلغ إجمالي مبيعات التجزئة للبضائع الاستهلاكية 23.8 تريليون إيوان (حوالي 3.54 تريليون دولار أمريكي) في التسعة أشهر الأولى من عام 2016. وتبلغ الاحتياطات من النقد الأجنبي حوالي 4000 تريليون دولار أمريكي، وقد غدت الصين منذ العام 2010 أكبر دولة مصدرة في العالم.

اقتصاد سوق ولكن؟

لم تعتمد الصين وصفات مؤسسات “بريتن وودز” القائمة على الصدمة، وإنما بإصلاحِ اقتصادي متدرج هيأت الصين مناخها لاستيعاب الانتقال من اقتصاد مخطط إلى اقتصاد سوق موجه، ولتفادي الهزات الاجتماعية التي يحدثها العلاج بالصدمة المتبع من طرف صندوق النقد الدولي.

لقد تمثل الإصلاح الاقتصادي الصيني في اقتصاد سوق قوامه تشجيع المبادرة الفردية وفي ذات الوقت توجيه النمو وتنسيق الجهود التنموية، لقد سعت الصين إلى تحقيق البعد الأهم في نظام السوق وهو تشجيع الإنتاج من خلال ضمان الملكية الفردية دون أن تتورط في فوضى السوق بالاكتفاء بدور الحارس للمعبد، الدور الذي يفرز غالبا منظومة اجتماعية متناقضة: غنى فاحش وفقر مدقع.

والحقيقة أن التقاء رائعا وتكاملا ناجحا بين نخبة تخطط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وبين الثقافة المجتمعية للشعب الصيني القائمة على العمل والإنتاجية هو السر الكبير في نهوض التنين الصيني.

دور الشركات الكبرى الوطنية

الاستثمار العمومي في الصين لا يقتصر على قطاع الإنشاءات والبنية التحتية، بل تنشئ الدولة شركات عمومية كبرى تستثمر في القطاعات الأخرى وتقود السوق، وتضمن التوظيف الحسن للموارد الوطنية وتحقيق السيادة عليها، ويسيطر القطاع العام على 35% من النشاط الاقتصادي في الصين.

كما تسعى الدولة إلى تحسين تنافسية الاقتصاد من خلال تطوير القدرات الإنتاجية وتحقيق جودة المنتج، وهذا يعني أن القطاع العام في الصين قطاع منافس ورشيق، عكس الصورة النمطية للمؤسسات العمومية في بلدان العالم الثالث، حيث شكلت المؤسسات العمومية عبئا على الاقتصادات الوطنية بسبب فشلها الإداري والمالي، ففي الصين تقود مجموعات كبيرة تتبع لها خطوط إنتاجية عملاقة، تقود الصناعات الاستراتيجية، ويشرف بعضها على البحث العلمي لتحقيق الابتكارات والتقدم التكنولوجي.

كما كان من أدوار القطاع العام خلق بذرة القطاع الصناعي من خلال تأسيس المجمعات الصناعية، وهو أمر أكبر من مجرد تهيئة البنية التحتية للإنتاج.

كان الشعار الذي تعاملت الدولة وفقه مع المؤسسات والشركات المملوكة للدولة هو (التقاط الكبير وإغفال الصغير)، ويعني ترك الصناعات الصغيرة والاستهلاكية للقطاع الخاص وعدم التفريط في الصناعات الاستراتيجية أو المؤسسات الخدمية أو المنتجة.

اللامركزية التنموية

سعت الدولة إلى تحقيق تنمية متوازنة في كل الصين، سواء تعلق الأمر بتنمية الأقاليم من خلال وضع نظام صناعي يضمن التخصص، فهناك إقليم متخصص في صناعة الصلب وإقليم للمنسوجات وهكذا، أو من خلال وضع نظام اقتصادي للريف قائم على أنماط من الإنتاج الزراعي والصناعي ونظام اقتصادي للمدن قائم على التسويق.

وتنتهج الصين في هذا الإطار عمليات تركيز في كل فترة على الأقاليم الأقل نموا حتى تحقق لها النقلة التي تحتاجها، ثم تنتقل إلى أقاليم أخرى في دولة شاسعة كثيفة السكان.

التخصص الوظيفي في الإنتاج، ورعاية تنمية ريفية ضَمِنا تحقيق هدفين تنمويين: أولهما ما يتيحه التخصص وإنتاج الوفورات الكبيرة من مزايا، وثانيهما تثبيت اجتماعي لساكنة الريف والحيلولة دون الهجرة إلى المدن، حتى لا تنمو المدن نموا عشوائيا، مع ما يعنيه ذلك من مشاكل اقتصادية واجتماعية.

ومن خلال ذلك كله يمكن تحقيق الهدف الأكبر وهو نظام توزيع عادل يحقق العدالة الاجتماعية والتنمية الشاملة، صحيح أن ذلك الهدف لم يتحقق بعد بشكل كاف، ولكن المؤكد أن البطالة شبه منعدمة، ولو لم يتحقق الرضا الوظيفي التام للعمال الصينيين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ:

[1]  http://www.worldbank.org/en/country/china/overview#1 (

[2] http://www.worldbank.org/en/country/china/overview#1 (


التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017