فكر, كتب

رؤية ابن المقفع لإصلاح الجيش (1 ـ 2)

6 فبراير, 2017

38
مشاركة

يبدو أن الوعي بخطر  تماس المؤسسة العسكرية مع الأمور المالية والمدنية قديم جدا، في التاريخ الإسلامي، فقد أورد ابن المقفع (106 – 142هـ) في رسالته المعروفة باسم “رسالة في الصحابة”، (وهي رسالة شاملة في إصلاح الحكم عموما، مطبقا على الوضع السياسي والاجتماعي في أيام المنصور، وبها رؤية عميقة لإصلاح الجيش) توجيها للخليفة العباسي أبو جعفر المنصور بأن من “صلاح الجند أن لا يولي أحدا منهم شيئا من ولاية الخراج”.

وقد علل ذلك بعلل منها أن “ولاية الخراج مفسدة للمقاتلة”، فهي تؤثر على عقيدتهم القتالية، كما يدفعهم الترف إلى مفارقة الخشونة والصلابة الممدوحة في الجندي، بدل اللين والطراوة التي تعتبر من خوارم صفات الجند، ويضيف ابن المقفع موضحا أن هذا تقليد سارٍ  في الدول ذات الجيوش النظامية الاحترافية –ولعله هنا يعني قومه الفرس- فيقول: “ولم يزل الناس يتحامون ذلك منهم، وينحونه عنهم لأنهم أهل دالة ودعوى بلاء”.

ثم إن انخراط الجيش في صفقات الربح والخسارة باب فتنة كبيرة عليه ومن ثم على الأمن القومي للدول، ذلك بأن بريق المال غلاب ومن ذاق طعمه اجترأ عليه واستمرأه، مما يؤثر على ولائه وبلائه، إذ قلبه مربوط بقدر الربح ونفسه نزاعة إلى السلامة قصد الاستمتاع بجو النعيم المترف.

وهنا يجعل ابن المقفع اجتراء الجند على المال وامتزاجهم به مدخلا لفساد نفوسهم ومدعاة للخيانة بأخذ أكثر من حقوقهم والاعتداء على الأموال العامة، ومرتكب الخيانة لا يحب أن يفضح، كما أن فساد النفوس بسرقة المال العام ينجر إلى فسادها في مختلف الأمور، ومنها طاعتهم ونصيحتهم، بل قد يدفعهم ذلك إلى عدم قبول العزل فيقع الشقاق أو الانقلاب، يقول –يعني الجند-: “وإذا جلبوا الدراهم والدنانير اجتروا عليهما، وإذا وقعوا في الخيانة صار كل أمرهم مدخولا نصيحتهم وطاعتهم”.

ثم خلل آخر ينشأ من مقاربة الجيش للأمور المدنية والمالية، وهي نقص هيبته في قلوب الشعب الذي أصبح بالنسبة للجيش مجرد زبون يلزم استنفاد ما في جيبه من نقود، وليست علاقة التجار بالزبناء ودية كل حين، والأصل أن تكون منزلة الجيش في نفوس الشعب توازي منزلة الوطن ذاته، لأنه حاميه وضامن وحدته وأمنه. يقول ابن المقفع: “… مع أن ولاية الخراج داعية إلى ذلة وعقوبة وهوان، وإنما منزلة المقاتل منزلة الكرامة واللطف”.

وهذا نظر عميق جدا، فإن الجندي حينما ينزل إلى الشارع يجمع المكوس والضرائب ويتابع يوميات حياة الناس وأرزاقهم فإن ذلك مدعاة لاحتقاره وسقوط هيبته، ذلك بأن سنن الاجتماع البشري تقتضي مدافعة الناس عن أموالهم وطرق صفقهم بما يستطيعون، بما في ذلك الرشوة والإدلال بالقرابة والمكانة، ولن يسلم الجنود من قبول ذلك عند مماستهم واختلاطهم بيوميات الناس.

والأصل أن يكون حضور الجندي في مخيال المجتمع حضورا رمزيا فيه كثير من الأسطورية وحكايات النبل والعفاف والنجدة والحفاظ، أو ما سماه ابن المقفع بـ”الكرامة واللطف”، قال: “وإنما منزلة المقاتل منزلة الكرامة واللطف”، فالجيش الاحترافي هو ذلك الذي يشعر المواطنون أمامه بالأمن والحماية، ويذكرهم بأمجاد الوطن وقدسية ترابه وحدوده، لا ذلك الذي يخافونه أن يسلبهم لذة العيش أو طعم الحرية.

إن دور المؤسسة العسكرية في الأصل هو حماية الحوزة الترابية للبلد، وفي حالات نادرة تتدخل في المجال المدني، كقوة إنقاذ في أوقات الكوارث الطبيعية، أما أن تتطلع إلى السلطة وشؤون الحكم أو تستثمر في الاقتصاد والتجارة، فذلك ما يرجع عليها وعلى الدولة بالفساد، وتكمن إحدى معضلات التغيير والتنمية في العالم العربي في انحراف المؤسسة العسكرية عن دورها الأصلي وتحولها إلى جناح سياسي وفاعل اقتصادي يربو على منافسيه في الساحة بجنوده المنظمين وبنوعية التسليح.

صحيح أن وجود آلية رقابية تشريعية وتنفيذية صارمة يمكنها الحد من سلبيات انخراط الجيش في الأعمال الاقتصادية ذات الهدف الاستثماري الربحي، ولكن دولا مثل دول العالم العربي –لاتستطيع ذلك- إذ لا تزال مرتبكة وغير قادرة على ضبط العلاقة بين السلطات التشريعية والنفيذية من جهة وبين السلطة والمؤسسة العسكرية من جهة أخرى، حيث إن كثيرا من الأنظمة إما جاءت بانقلاب فج أو بانقلاب موارب.

ولعل في تجربة الجيش الصيني واعظا شاهدا على تأثير هذه الاهتمامات على احترافية ودور الجيش الأول، فقد كان الجيش الصيني يستثمر  في التجارة والصناعة حتى سنة 1988، وقد نفذ مشاريع كبيرة في مجالات النقل وبناء الفنادق والمطارات إلخ، لكن الحكومة قررت قبل سنة إخراج الجيش خلال ثلاث سنوات من كل أعماله التجارية.

وقد علَّلَتْ ذلك بأن التجاره تغير العقيدة العسكرية للجيش حيث يتحول إلى منافس، وليس إلى مؤسسة من مؤسسات الدولة، ومن الصعوبة بمكان الجمع بين العقيدة القتالية والعقيدة الاقتصادية، الأولى مندفعة والثانية متحفظة، الأولى شجاعة ورأس المال جبان.

ويشير بعض الباحثين إلى أن من سلبيات استثمارات الجيش الاقتصادية التأثير على النشاط المدنى الذى يوظف يدا عاملة ويدفع ضرائب للدولة، بعكس الجيش الذي يجعلك أمام “رجال أعمال بزي عسكري لا يدفع ضرائب أو جمارك أو كهرباء، ويستغل يدا عاملة مجانية تحت مسمى الخدمة العسكرية .

لكن الأخطر هو أن يؤدي هذا التغلغل الاقتصادي للجيش إلى استخدام سلطته لحماية أمواله، وكم من انقلاب جر  ويلات كثيرة على شعوب ودول كان دافعه الرئيس أن حاكما أراد أن يمارس صلاحياته عبر خطة تنمية شاملة، فلما وصل التنفيذ إلى قطاعات الجيش الغارقة في وحل المال العام واستغلال السلطة انقلبوا عليه، لأنه لا يريدون مفارقة ما اعتادوه من البذخ والترف، ولا يريدون إصلاحا سيفضي إلى نبش مظالمهم وجرائمهم الاقتصادية والسياسية.

يحذر ابن المقفع من هذا الأمر فيقول: “فإن حيل بينهم وبين وضعه أخرجتهم الحمية”، والحمية هناك حمية للأموال التي تم تحصيلها بأدوات الدولة وسلطتها، والتي أصبحت تستغل للانقلاب والتأثير على إرادة شعبها من أجل استمرار تدفق الأرباح إلى حسابات قلة من الجنرالات انحرفت عن مسارها الأصلي.

 

 

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017