فكر, كتب

رؤية ابن المقفع لإصلاح الجيش (2 – 2)

8 فبراير, 2017

26
مشاركة

بعد فراغه من الحديث عن مخاطر اقتراب المؤسسة العسكرية من المال، وأن ذلك يعود –غالبا- على الجيش بالضعف وعلى الدولة بالتفكك والانهيار، بعد ذلك يقدم ابن المقفع رؤيته التفصيلية لما يراه ضروريا لإدارة شؤون الجيش.

ومن أول ذلك وضع آلية شفافة تمكن من التعرف على قدرات بسطاء الجنود وتؤمن سير الترقيات والتطور الوظيفي على أساس الكفاءة، وأن لا يترك ذلك لأمزجة القادة وولاءاتهم، ذلك بأن من بين بسطاء الجنود مشاريع قادة عظماء، لو عرفوا ودربوا لكانوا خير عدة وقوة للجيش، يقول: “ومما ينظر فيه من أمرهم أن منهم من المجهولين من هو أفضل من بعض قادتهم، فلوا التمسوا وصنعوا كانوا عدة وقوة، وكان ذلك صلاحا لمن فوقهم من القادة ومن دونهم من العامة”.

إن في قوله: “وكان ذلك صلاحا لمن فوقهم من القادة ومن دونهم من العامة ” تنبيها إلى قانون مطرد في علم الاجتماع، وهو أن بناء أي مؤسسة على العدل والقسط يسهم بشكل كبير في تماسكها وقوتها، ويترك أثره الإيجابي على سلوك القادة والعامة، فيعرف القائد أن كفاءته هي ما أهله فيسعى لتطويرها، ويعرف العامي أنه بكفاءته يمكن أن يصبح قائدا فيسعى لإثباتها.

ثم إن ابن المقفع يرى أن التكوين العسكري للجند ليس أكثر أهمية من تكوينهم الأخلاقي والعلمي، وذلك نظر سديد لأن الجاهل لا يتوقع منه أن ينجد في مكرمة ولا أن يفي بذمة ولا عهد، فالفكرة سابقة على الفعل وموجهة له، والجهل قرين الجبن والخيانة كما أن المعرفة قرين النجدة والأمانة والإباء. وجهلة الجند هم أسواط الظلمة اللاسعة وأيديهم الباطشة بالشعب المسكين، والجيش الجاهل في الغالب ولاؤه للحاكم لا للشعب ولمصلحته لا لوطنه، يقول ابن المقفع: “ومن ذلك تعهد أدبهم في تعلم الكتاب والتفقه في السنة والأمانة والعصمة والمباينة لأهل الهوى”.

ويظهر أن ابن المقفع ينتقد بعض السلوك الخاص الذي كان شائعا في الجند في زمانه، والذي يرى أنه لا يناسب من هو في مهمتهم، لأن شأن الجندي الخشونة والزهد والتمعدد -على لغة عمر بن الخطاب رضي الله عنه- (اخشوشنوا وتمعددوا)، يقول: “وأن يظهر فيهم القصد والتواضع واجتناب زي المترفين”.

ولا يهمل ابن المقفع الحديث عن حقوق الجنود المادية، فيقدم مقترحا بالطريقة المثلى لتنظيم الرواتب، وكيف يلزم أن تناسب الأسعار غلاء ورخصا، وأن تكون لهم خزائن تموين من الطعام والعلف، لأن ذلك –حسب رأيه- أضمن لتماسكهم وولائهم “.. ويعلموا الوقت الذي يأخذون فيه فينقطع الاستبطاء والشكوى”، ولما فيه من مخاطر فـ”باب ذلك جدير أن يحسم”، ولأن شكوى وتذمر الجند ليس مثل شكوى غيرهم “فإن الكلمة الواحدة تخرج من أحدهم في ذلك أهل أن تستعظم”، كما أن الرواتب والسياسات المالية المجزئة للجنود “مدرجة لثباتهم في نزالهم لحمل العدو، وإنصاف بيت المال من أنفسهم فيما يستبطئون”.

ويجعل ابن المقفع الالتزام بمواقيت صرف الرواتب أمرا ضروريا ويترك دورية ذلك الصرف لتقدير الجهة المختصة (الحاكم أو غيره)، لتقرر صرف الرواتب كل شهر أو كل شهرين أو ثلاثة، الأهم هو أن يتم الالتزام الصارم بذلك، يقول: “ومن ذلك أمر أرزاقهم أن يوقت أمير المؤمنين لهم فيها وقتا يعرفونه في كل ثلاثة أشهر أو أربعة أو ما بدا له، وأن يعلم عامتهم العذر الذي في ذلك من إقامة ديوانهم وجمل أسمائهم”.

وينبه ابن المقفع على ضرورة مناسبة الرواتب للأسعار  -ويقوم أثناء ذلك بتحليل اقتصادي قيم لسوق العراق لا نتعرض له هنا-، يقول: “فمن حسن التقدير إن شاء الله أن لا يدخل على الأرض ضرر، ولا بيت المال نقصان من قبل الرحمن إلا دخل ذلك عليهم في أرزاقهم، مع أنه ليس عليهم في ذلك نقص لأنه يشترون بالقليل مثل ما كانوا يشترون بالكثير”.

ويقدم مقترحا للتعامل مع تغير أسعار السوق، حتى لا يتأثر الجند ماليا بذلك، فيقترح أن يقتطع من رواتبهم وتصرف لهم قيمته من أعيان الطعام والعلف الذي يحتاجونه، بأقل سعر يحتمل أن تصله تلك المواد في السوق، حتى لا يؤثر ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية على قوتهم الشرائية، يقول: “فلو أن أمير المؤمنين خلى شيئا من الرزق فيجعل بعضه طعاما ويجعل بعضه علفا وأعطوه بأعيانه، فإن قومت لهم قيمة فخرج ما خرج على حساب قيمة الطعام والعلف لم يكن في أرزاقهم لذلك نقصان عاجل يستنكرونه”.

ويختم ابن المقفع حديثه عن رؤيته لإصلاح الجيش بفقرة عن أهمية الاستخبارات العسكرية الداخلية، ويوجه الأمير إلى ضرورة بناء جهاز استخبارات عسكرية قوي له ميزانية كافية ضافية، يعتمد على الثقات النصاح، ويظهر من كلامه وعيه المتقدم بأهمية هذا الشأن –ولعله أدرك أهميته من ثورة بني العباس التي لم يستطع بنو أمية كشف خيوطها إلا بعد فوات الأوان- وذلك من خلال اعتباره هذا الجهاز  الاستخباراتي “جماع الأمر وقوامه بإذن الله” وتوصيته بضرورة السخاء في الإنفاق عليه، “وأن يحتقر في ذلك النفقة”.

ويسعى جهاز الأمن العسكري هذا إلى جعل الأمير في مكاشفة كاملة مع جيشه وعلى اطلاع دقيق بما يجري داخل جنده، ” أخبارهم وحالهم ودواخلهم”، ويوجهه إلى أن لا يستعمل في هذا الجهاز إلا الثقات المأمونين، منبها إلى أن ترك بناء الجهاز الأمني خير من بنائه باستخدام مشكوك فيهم أو غير ثقات؛ ثقةَ أمانةٍ وثقةَ قدرةٍ، “فإن ترك ذلك وأشباهه أحزم بتاركه من الاستعانة فيه بغير الثقة، فتصير مغبته للجهالة والكذب”

ويلاحظ هنا أن ابن المقفع جمع بين نوعين من وسائل السعي لتماسك الجيش الداخلي أحدهما ليِّنٌ والآخر  عنيفٌ، فالأول: وضع النظم الداخلية للجيش في ترقياته ورواتبه وامتيازاته والالتزام بها فذلك ضامن وحدته وبلائه، والثاني: التجسس عليه وقطع الطريق على سريان الأفكار المؤدية لتفككه أو إضعاف ولائه.

 

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017