فكر

عن استبداد العمل الخيري

15 فبراير, 2017

23
مشاركة

 

في المجتمعات الفقيرة ماديا وثقافيا يتطور الاستبداد إلى أزمة حلقية متتالية الأفعال والنتائج.. من الأسرة والوالدين، إلى المجتمع الصغير والكبير، إلى هرم الدولة، ثم نزولا إلى الأسرة الفرد من جديد.. وتحتفظ ذاكرتنا الاجتماعية بألوان من الاستبداد ليس آخرها السياسي بطبيعة الحال، وإن كان أكثرها وضوحا وتأثيرا..

كنت قد كتبت مقالة لموقع إسلام أون لاين العام الماضي عنونت لها بـ”سيكلوجية التسلط” تناولت فيها جانبا من تكريسنا الاجتماعي لنفسية القهر والاستبداد، وشكوانا المتصلة من آثاره ونتائجه.. وبعد نشر المقال وبحكم عملي أو تواصلي مع عدة جهات خيرية وإنسانية- رأيت استكمال فكرة المقال المشار إليه بكلمات إلى مؤسساتنا الخيرية ونشطاء العمل الإنساني؛ لتتكامل الجهود والأفكار وإن كانت العناوين الصحفية حادة في كثير من الأحيان..

استراتيجيا.. ينتظر من العمل الخيري- أن يعمل على مساندة قادة المجتمعات المحلية وتأهيلهم؛ لتحمل مسؤوليات التوعية والبناء والتنمية، وإن استغرق ذلك الهدف الكبير سنوات طويلة وجهودا ضخمة..

ولعل قارئ المقال وكاتبه أيضا، يدركان صعوبة تنزيل الأفكار وتطبيقها في واقع متداخل ومعقد بإجمال، وتغيب عنه في نفس الوقت- استراتيجيات واضحة في مختلف مستوياته بلا استثناء.. وبرغم ذلك يظل القرع على الباب أجدى للضيف من الإياس..

تعتمد عامة الأعمال الخيرية على إنشاء المرافق الأساسية وتشغيلها، وقد تهتم بعض المؤسسات بالبناء دون التشغيل لصعوبته في الواقع وتجدد احتياجات التشغيلي بخلاف التأسيس والإنشاء مهما كانت ارتفعت كلفته.. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى عادة ما يركز منفذو الأعمال الخيرية على صورة المرافق– دون فاعليتها- لنقلها زاهية إلى طبقة الممولين كوسيلة لاستدرار المزيد من أرباب البزنس الإنساني واستحلابهم..

وإذا نحيّنا استراتيجيات العمل نفسه جانبا.. وتركنا الوسطاء والممولين وشأنهم، وطبيعة العلاقة بينهما أيضا.. واتجهنا صوب فاعلية الأنشطة الخيرية نفسها ودورها في الدفع بالمجتمعات المستهدفة إلى الأمام أو حبسها في دائرة التلقي والاستهلاك- فسنرى نماذج متفرقة هنا وهناك تتراوح ما بين الجيد والإيجابي والمنتج في بعض الحالات، والسلبي والمعطل والمهدد لسلامة المجتمع أحيانا أخرى..

وبما أن عامة الأعمال الخيرية ذات صبغة دينية ومذهبية- إن اردنا الصراحة- فإن معظم الإشكاليات عادة ما تبدأ من نقطة ارتباط المساندة الخيرية بالدعوة والترويج لمذهب أو طائفة- وكلامي عن المنظمات الخيرية الإسلامية بالطبع- وتتفرع عن الارتباط المذكور عدة مشكلات ليس أقلها انقسام المجتمع الصغير المستهدف بالعمل الخيري إلى شطرين أو عدة أجزاء حسب عدد الطوائف الدافعة بمنظماتها تجاهه.

في حالة الإنفاق الخيري لتأسيس المساجد مثلا، عادة ما تشترط المؤسسة الخيرية الحصول على حق إدارة المسجد مما يتسبب في تلويث رسالة الإنفاق ورهنها بمقابل وثمن، وكأن المنفق يقول بلسان حاله: “إن اردتم بناء مسجدكم والاستمتاع بسجاجيد فاخرة، وبالكهرباء وتوابعها من تكييف وماء بارد.. فإن عليكم التنازل عن حقكم في إدارة المسجد، وتبعا لذلك: التنازل عن حقكم اختيار من يخطب فيكم ويعظ ومن يتقدمكم في الصلاة”.

وكم من مساجد شرع الخيرون في بنائها ثم توقف العمل.. وكم من أخرى تزينت لروادها ثم تعذر افتتاحها لأسباب من شاكلة ما ذكرت.

دعوا رسالة الإنفاق بلا ألوان.. ضعوا عنها آصار المنظمات المذهبية وأغلال الإدارات المستبدة.. وليكن إنفاقكم إطلاقا لطاقات جبارة كبلها الحرمان، وتسريعا لنجاحات تفتقر إلى أدوات ومصابيح، ومنحا لمزيد من الحرية والأمل.

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017