فكر

نجاح النموذج التركي.. هل العلمانية هي السبب؟

16 فبراير, 2017

46
مشاركة

إن نجاح التجربة السياسية لأردوغان، بدءًا من الآليات التي انتهجها للوصول إلى الحكم، ومرورا بالإصلاحات في مجال الحقوق المدنية لأفراد شعبه، هذه التجربة جعلت بعض المراقبين يرى أن العلمانية هي الحل، وهي الضمانة للوصول إلى إقرار الحقوق المدنية بنوعيها لفرقاء الوطن الواحد وتمتعهم بها.

ويعللون ذلك بأن العلمانية تقف من الأديان موقفا محايدا، فلا تقترب من الإسلام إلا بقدر قربها من المسيحية، ولا تكافح الإلحاد إلا بقدر مكافحتها البوذية، وهكذا، يتمكن كل فريق من ممارسة دينه كيفما أحب، دون قيد من الدولة، وفي الوقت ذاته دون تبنيها دينا بعينه! فهي دولة المسافة الواحدة من الأديان جميعا.

فهل فعلا يُعزى نجاح التجربة التركية الأردوغانية إلى العلمانية؟ هذا ما نحاول الإجابة عليه من خلال السطور التالية.

دستور تركيا علماني منذ سنة 1937م

بالنظر إلى الدستور التركي فيما يخص علمانية الدولة نجد أنه  لم يتغير في وقت  أردوغان عما كان عليه الحال قبل وصول أردوغان للسلطة، فالدولة  علمانية بحسب الدستور منذ 1937م،  لم تعمل فيه يد التغيير شيئا.

وقد ضاقت العلمانية التركية بحجاب امرأة واحدة  بالبرلمان (مروة قاوقجي) التي دخلت البرلمان عن حزب الفضيلة الإسلامي عام 1999م، وطالبت الدولة العلمانية (مروة قاوقجي) بخلع حجابها، فرفضت، فكان جزاءها الطرد من البرلمان، وإسقاط عضويتها، ولم يُعدموا حيلة قانونية لتسويغ طردها!

السماح بالحجاب

ولم يجد أردوغان نفسه مضطرا فيما بعد لتغيير علمنة الدستور حتى يتسنى للدولة القبول بنائبات محجبات داخل البرلمان التركي، فقد دخلت ثلاث سيدات محجبات البرلمان التركي نائبات عن حزب العدالة والتنمية عام م2011، ثم زاد العدد في الدورة التالية ليصبح ست سيدات، ليصل اليوم لأكثر من 20 نائبة محجبة في آخر انتخابات برلمانية.

وفي أغسطس 2015 تم تعيين أول وزيرة محجبة في حكومة تركية، وفي نوفمبر 2015 تم تعيين أول قاضية محجبة.

توسع في المدارس الإسلامية

وفي ظل الدستور ذاته، الذي كانت ترى الدولة من قبل أنه لا يسمح  بالتوسع في  مدارس الإمامة والخطابة ، وجدنا أن أردوغان تمكن من مضاعفة عدد هذه المدارس ، ليصل عدد طلابها من 65000 طالب في العام 2002 إلى 658000 عام 2013 م، وصولاً إلى أكثر من مليون طالب اليوم. وذلك كله دون الحاجة إلى تغيير الدستور!

وعلى الصعيد ذاته،  تمكن أردوغان من جعل التعليم الديني منهجا رسميًّا إجباريًّا في المدارس التركية ابتداء من العام الدراسي 2012 – 2013 ومن سن السادسة،  وهو الأمر الذي أهاج العلمانيين وقتها.

كما أوصى مجلس التعليم بزيادة عدد الحصص الدينية للتلاميذ الأكبر سنا من ساعة واحدة إلى ساعتين أسبوعيا.
كما سمح المجلس ذاته للطلبة في المرحلة الرابعة فصاعدا بترك مقاعد الدراسة لسنتين من أجل حفظ القرآن، وإلغاء التدريب الذي يحصل عليه طلبة معاهد السياحة حول كيفية تقديم المشروبات الكحولية للزبائن.

وأصبح حفظ القرآن متاحا لمن يرغب قبل بلوغ سن الثانية عشرة، وهو الأمر الذي كان ممنوعا من قبل.
وأعلنت الحكومة في عام 2013 عن برنامجها لتدريس وتحفيظ القرآن قبل مرحلة الدراسة “Qur’an courses for preschoolers”. كل ذلك دون أن يجد أردوغان نفسه مضطرا لتغيير علمنة الدستور!

محاصرة للخمور

وإذا كانت العلمانية تعني في أبدَهِ مبادئها  منح الحريات الشخصية للمواطنين فيما يتعلق بحياتهم الشخصية دون تقيد بالدين، فإن أردوغان استطاع في ظل الدستور العلماني أن يُصدِر قانونا بحظر بيع المواد المسْكرة من الساعة الـ 10 ليلاً حتى الـ 6 صباحاً عام 2013 م، ولم تُستثن من ذلك المناطق السياحية، ومنع بيع الخمور على حافة الطرقات التابعة للدولة، والمؤسسات الحكومية، ومنع بيع الخمور لمن هم دون سن الـثامنة عشرة، وحظر السماح لأي إعلان يروج لعلامة تجارية خاصة بنوع من أنواع الكحول، ومنع بيعها أيام الجمعة، مع غرامات تصل إلى 270 ألف دولار للمخالفين.

كما حوّل حزب العدالة والتنمية أكبر الحانات والبارات إلى منتجعات سياحية، تتبع البلدية في أجمل المواقع، خاصة في أسطنبول مع تحريم بيع الخمور فيها.

الأذان يعود إلى آيا صوفيا

وإذا كان من أبرز مظاهر العلمنة التي أدخلها كمال أتاتورك بالبلاد، منع اللغة العربية، ومنع إقامة الشعائر الدينية في مسجد آيا صوفيا عام1931م، ثم تحويله عام 1935 إلى متحف فني يضم آثارا إسلامية ومسيحية.

ففي ظل حكم حزب العدالة والتنمية سمحت الحكومة بفتح مسجد في الجزء الخلفي من مبنى آيا صوفيا، وكلفت أجملَ مؤذني إسطنبول أصواتا برفع الأذان من مبنى يقع في ساحة “آيا صوفيا”، ليتردد الأذان عبر مكبرات الصوت في مآذنه.

ثم أصدرت رئاسة الشؤون الدينية التركية في يونيو/حزيران 2016 قرارا بتلاوة القرآن يوميا في أيا صوفيا خلال شهر رمضان المبارك لسنة 1437 هـ، وأطلقت من داخله برنامجا دينيا خاصا بليلة القدر بعنوان “خير من ألف شهر”، رفع في نهايته المؤذن التركي الشيخ فاتح قوجا الأذان من نفس الموقع الذي رفع منه آخر مرة قبل 85 عاما!

ولم يرَ أردوغان وحزبه في ذلك مِساسا بعلمانية البلاد، في الوقت الذي انتقدت فيه دولة كاليونان هذه الخطوات ، معللة ذلك بأن هذه الخطوات تتعارض مع العلمانية، ولا غروَ، فأثينا من بين عواصم عالمية قليلة لا يُسمح فيها ببناء المساجد!

مصارف إسلامية واختلاط

كما أفسح أردوغان المجال للمصرفية الإسلامية، فمن المتوقع – وفق خبراء- أن يصل عدد فروع مصرف Ziraat Islamic bank إلى 170 فرعا في أنحاء تركيا بحلول العام القادم 2018م

ومن الاقتصاد إلى الاختلاط بين الجنسين ، حيث إنه في شهر نوفمبر 2013 صرّح أردوغان في كلمته الأسبوعية أمام نواب حزبه: “لم ولن نسمح باختلاط الفتيات والفتيان في مساكن الدولة”.

ورغم أن 75% من مساكن الطلاب التي تديرها مؤسسة يورتكور الرسمية تفصل بين الشبان والشابات بحسب مصدر رسمي، وبأنه يفترض ألا يبقى أي منها مختلطا مع مطلع 2014 إلا أن أردوغان أكد أنه لن يكتفي بذلك، متحدثا عن توسيع الفصل ليشمل مساكن الطلاب الخاصة والسكن المشترك.

ومن تصريحاته في هذا الصدد أنه لا يمكن للطلاب والطالبات الإقامة في المنزل نفسه!

العلمانية تسمح بالشيء ونقيضه

 وهكذا عاشت تركيا الشيء ونقيضه تحت دستور واحد لم يتغير، وفي المرتين كلتيهما تُعلل التشريعات والإجراءات القانونية أنها تتوافق مع الدستور العلماني؛ ليدل ذلك على أن النجاح الذي حققه أردوغان في مجال الإصلاح الديني، والحقوق المدنية لا يُعزى إلى العِلمانية كما يروِّج البعض، ولكنه يُعزى إلى أردوغان نفسه وحزبه.

فالذي نجح في إقرار هذا التواؤم والتعايش في تركيا بين المدنية والإسلام هو أردوغان وحزبه، كما يدل الأمر ذاته على أن العلمانية مصطلح فضفاض يتسع للشيء ونقيضه دون أن يستدعي ذلك تغييرا أو تقييدا أو توضيحا للمصطلح ذاته، فحتى أولئك الذين يحلو لهم أن يعزوا ذلك إلى أن العلمانية نوعان : علمانية ليبرالية، وعلمانية ماركسية، ويقولون : إن علمانية أردوغان من النوع الأول، بينما علمانية أتاتورك من النوع الثاني!

يُقال لهم : حتى هذا لن ينفعكم؛ لأن مواد العلمنة في الدستور التركي لم تتغير في عهد الرجلين، فلم يُضطر أردوغان مثلا لتقييد العلمنة بالعلمنة الليبرالية، بل أدخل هذه الإصلاحات دون مساس بالدستور، ورأينا في السطور الماضية كيف أن إصلاحاته أهاجت العلمانيين في بلده وفي غيرها كاليونان، بأنها تتعارض مع العلمانية.

ولذلك يقول عبد الوهّاب المسيري بحق : “إن مفهوم العلمانية تجاوز أي تعريفات معجمية للمصطلح، كما تجاوز كثيرا من التصورات الفكرية القاصرة له”.

علمانيات لا علمانية

كما يرى أردوغان أنه لا يزال غير محتاج إلى حذف كلمة ( العلمانية) من الدستور، فقد صرح رئيس مجلس الأمة التركي إسماعيل كهرمان أن بلده بحاجة  إلى أن  يكون الدستور الجديد فيها غير علماني، مستشهداً بأن ثلاثة دساتير فقط تحتوي على لفظ العلمانية وهي: الدستور الفرنسي والتركي والإيرلندي، فبادر أردوغان إلى التصريح بأن ما قاله كهرمان، لا يعدو كونهأمراً شخصياً وتعبيراً عن رأيه فقط، ولا يمثل توجّه حزب العدالة والتنمية.
وأن العلمانية ستبقى دائماً أحد أهم المبادئ التي قامت عليها الجمهورية التركية، والتي يسعى العدالة والتنمية إلى المحافظة عليها.

وهكذا فما يعيبه العلمانيون على الإسلاميين بأن كلمة ” الإسلام” كلمة فضفاضة، تسمح بعدد كبير من التفسيرات والرؤى المختلفة للمنهج الإسلامي، وأن العلمانية مصطلح محدد قاطع لا يسمح بهذه الرؤى حوله، نجد أن هذه منهم دعوى عريضة لا يقوم عليها برهان، وأنه إذا كان قد قيل من قبل: إن العدالة في ضمير القاضي وليست في نص القانون، فإنه يقال هنا :  تحديد المفهوم بيد السلطة المفسِّرة له لا في نصه حتى لو كان المصطلح مدنيا معاديا للدين، وصدق القائل : ” فكما أن الإسلام حالة ديناميكية ومتحركة ، سواء من جهة القراءات الاجتهادية، والجهود التأويلية، أو من جهة الممارسة التطبيقية، فكذا هو الأمر بالنسبة للعلمانية والحداثة، اللتين هما عند التحقيق علمانيات، وحداثات كثيرة ومتنوعة، وليس حداثة واحدة، أو علمانية مفردة”.

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017