شريعة

المظاهر العملية لسيادة الشريعة في الدولة

20 فبراير, 2017

17
مشاركة

لما كانت سيادة الشرع من الأصول في بناء دولة الإسلام، وأحد الأسس العامة في تنظيم العلاقة بين الحكام والمحكومين، يتساءل الكثير عن كيفية تحقيق هذه السيادة عمليًّا، وما المظاهر التي تدل على سيادتها في المجتمع!

وتحقيق سيادة الشرع عمليًّا في الدولة يكون من خلال مظاهر  رئيسية بيانها فيما يلي:

المظهر الأول: خضوع الحكام لهذه السيادة، واستمدادهم سلطاتهم منها: فالحاكم الحقيقي للدولة هو الشرع. ولذا لما ذكر الله عز وجل طاعة أولي الأمر في القرآن الكريم، قدَّم طاعته وطاعة رسوله عليها، ولم يجعل الرد في التنازع إلا لله ورسوله. وهذا يعني أن الحكام أنفسهم مطالبون بالرد إلى الله ورسوله، وأن سلطته في الأمر والنهي تستمد من الشرع، فإن وافقه وجبت طاعته، وإن خالفه فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

فإذا جعل الحُكَّام شرع الله هو الركن الشديد الذي يأوون إليه، ويستمدون منه سياساتهم، لا يقدمون آراءهم وعقولهم عليه، ولا يقدمون تشريع غيره عليه، كان هذا من أعظم الأدلة على سيادة الشريعة في الدولة، وهو من أعظم محكمات الإيمان بالله، والخضوع والتسليم لدين الله، {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}[الحجرات:1]. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله في قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ}[الحجرات:2]: (إذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببًا لحبوط أعمالهم، فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياستهم ومعارفهم، على ما جاء به، ورفعها عليه؟! أليس هذا أولى أن يكون محبطًا لأعمالهم؟ والله تعالى يقول: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ}[النور:62]، فإذا جعل من لوازم الإيمان: أنهم لا يذهبون مذهبًا – إذا كانوا معه- إلا باستئذانه، فأولى أن يكون من لوازمه: أن لا يذهبوا إلى قول ولا مذهب علمي، إلا بعد استئذانه. وإذنه يعرف بدلالة ما جاء به، على أنه أَذِن فيه)[1].

المظهر الثاني: تطبيق الأغلبية للشرع في المجتمع طواعية: فليس المسلم بحاجة لأمر الحاكم لكي يقيم الصلاة والصيام ويصل الأرحام ويحفظ حقوق أهل الذمة، وغيرها من الواجبات، أو يمتنع عن الزنا والربا والغش في المعاملة وغيرها من المنكرات والمحرمات من تلقاء نفسه. وهذا جزء من سيادة الشريعة.

فالشريعة إنما تسود حقيقة في المجتمع المسلم، من خلال تعظيمها في نفوس النَّاس، وتعامل الناس فيما بينهم – سرًّا وعلانية- وفقًا لأحكامها. وانتهائهم – طواعية واختيارًا- عند أحكامها. وتواصيهم بالصبر على ذلك..

فينكر المجتمع كل مُحدثة وجريمة تعارض هذه الشريعة، كالزنا، والخمر، والربا.. ونحو ذلك. ولا يعترفون أو يقرون بإباحة شيء استحسنته المجتمعات الأخرى أو الحضارات المعاصرة، مما يخالف الشريعة كالشذوذ، والتفرقة العنصرية.. ونحوها.

كما يرفضون التحاكم في أمورهم لغير الشريعة، ولا يقدمون هوًى ولا عقلا ولا رأيًا ولا استحسانًا عليها، ولا يلتفتون إلى أي دعوة تدعو إلى خلافها.

وبذلك يبقى المجتمع المسلم ضمانة من ضمانات سيادة الشريعة، وسببًا رئيسًا في بقائها أصلًا من الأصول العامة في الدولة.

المظهر الثالث: أن يُعامل غير المسلمين في الدولة والمجتمع على أساس هذه السيادة:

فمن مظاهر تخلف سيادة الشرع في المجتمع، ألا تعامل الأقليات الدينية الأخرى بمقتضاها، سواء في ذلك ألا تُعامَل بمقتضاها أصلًا، أو تُعامَل بمفهوم خاطئ لها. وفي هذا يقول الدكتور محمد جبر الألفي في بحثه (التحكيم ومستجداته في ضوء الفقه الإسلامي) المنشور في (مجلة أبحاث اليرموك الصادرة عن جامعة اليرموك) تحت عنوان: (القانون الواجب تطبيقه على غير المسلمين): (لا خلاف بين علماء المسلمين – من أهل التفسير أو الفقه – على أن القاضي المسلم لا يجوز له أن يحكم بغير الشريعة الإسلامية – سواء أكان ذلك بين المسلمين أم كان بين غير المسلمين، وذلك لقوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ}[المائدة: 48]، وقوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}[المائدة: 49] ؛ ولأن الأصل في الشرائع هو العموم في حق الناس كافة، إلا أنه تعذر تنفيذها في دار الحرب لعدم الولاية، وأمكن في دار الإسلام فلزم التنفيذ فيها. ولكن القاضي في تطبيقه لأحكام الشريعة الإسلامية على غير المسلمين يراعي القواعد والأحكام التي نص عليها الفقهاء، تطبيقًا لقاعدة (أمرنا بتركهم وما يدينون) ، باعتبارها قواعد موضوعية في الشريعة الإسلامية، وليست قواعد إسناد تحيل إلى شريعتهم أو إلى قانون آخر غير الشريعة الإسلامية …)[2].

ومن النصوص التي وردت في المعاهدة التي عقدها النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود بعد الهجرة: (أن ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإنَّ مرده إلى الله عز وجل وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم)[3].

أما ما يتصل بالأمور الدينية الخاصة بهم وحدهم، كمراسم التزويج أو العبادات، فلهم فيه مطلق الحرية، ولا سلطان لأحد عليهم، حتى الخمور إذا شربوها معتقدين حليتها عندهم، فلهم ذلك ما لم يخل شربها بالنظام العام، كظهور شاربها في الطريق العام وهو يترنح ويهذي، ويقذف غيره ويسبه، أو تعاون مع مسلم في استيرادها أو شربها .. ونحو ذلك.

ويسير المجتمع المسلم على هذا الأصل فيتعامل مع غير المسلمين نبعًا من شريعة الإسلام، يصونون لهم الحقوق التي ضمنتها الشريعة لهم ما داموا مُستأمَنين. ويُحكم بينهم وبين المسلمين بشريعة الإسلام.

المظهر الرابع: أن تسير العلاقات الدولية والمعاهدات والمواثيق مع الدول الأخرى وفقًا لهذه السيادة، فلا يُعادَى مُسالِم ولا يُوالَى مُحارب، ولا يُتخذ الكافرون أولياء دون المسلمين. ومن الشريعة مراعاة القوانين والأعراف والمواثيق الدولية، التي لا تمثل تبعيَّة مقيتة، ولا معاهدات مذلة. فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرسولي مسيلمة – وقد كانا مسلمين ثم ارتدَّا مع مُسيلمة-: “والله لولا أنَّ الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما”[4].

وأخيرًا أثار بعض النخب العلمانية والليبرالية بعض الشبهات حول سيادة الشريعة، وغلَّفوها بغلاف العقلانية وفهم الواقع، حتى اغتر بقولهم بعض الشباب، وأخذوا يتناقلون أقوالهم بدون وعي.

فزعم بعضهم أن المجتمعات المعاصرة قد بلغت الغاية في التعقيد والتطور، بحيث لا تقدر الشريعة على تلبية احتياجاتها كما كان في العصور السابقة.

وزعم آخرون أن الشريعة مطبقة بالفعل بنسبة عالية جدًّا؛ تقارب التسعين من المائة أو تزيد، وأن المطالبات بتطبيقها وسيادتها نوع من المزايدات والاستعراضات الزائفة.

وزعم آخرون أن تطبيق هذه السيادة تمامًا، تصادر الحكام سلطتهم، أو تقيدها في أحسن الأحوال.

كل هذا وغيره قد أثاره أعداء الشريعة، والجاهلون بها..

 


[1]– ابن القيم، شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب، إعلام الموقعين، (بيروت: دار الجيل، 1973م، د.ط) ج1، ص51.
[2]– التحكيم ومستجداته في ضوء الفقه الإسلامي للدكتور محمد الألفي، ضمن بحوث مجلة أبحاث اليرموك الصادرة عن جامعة اليرموك، العدد الرابع (13/52).
[3]– السيرة النبوية لابن هشام (1/ 504) مطبعة الحلبي بالقاهرة، الثانية 1955م.
[4]– رواه أحمد  (15989) وقال مخرجوه: حديث صحيح بطرقه وشواهده. وأبو داود في الجهاد (2761)، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5320) عن نعيم بن مسعود.

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017