فكر, كتب

هل يمكن أن نعيش بدون دول؟

22 فبراير, 2017

47
مشاركة

يستطرد أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة السوربون برهان غليون فكرة جريئة في بحثه “الصراع على الدولة” المنشور في كتاب (مأزق الدولة بين الإسلاميين والعلمانيين)،  والذي يقول في مقدمته إن إحدى أزماتنا المركزية تتمثل في (التمركز حول موضوع الدولة) وتحويله إلى أسطورة مقدسة واعتبارها “خشبة الخلاص الوحيدة لمجتمع فقد سيطرته على أوضاعه ومقاليد أموره”.

وينتقد غليون زيادة الاهتمام لدى كل التيارات بموضوع الدولة، حيث يعتبرها الإسلاميون هي: “طريق الخروج من التيه الذي دام لأكثر من قرنين، تيه الحداثة وما بعدها، ورمز المصالحة بين الدين والدنيا وبين العبد وربه وسبيلا أوحد لاستعادة الأمجاد المتخيلة للأمة، وينظر الخيال العلماني إلى الدولة بوصفها رديفا للنظام والأمن مقابل الفوضى وانتشار الفساد والعنف والمحسوبية.

الصراع على الدولة –حسب غليون- يعكس مشكلة أكبر  من الدولة نفسها وهي “انحلال نظم المجتمعات العربية لحقبة ما بعد الاستعمار، أي النظم القومية أو الوطنية بشعاراتها وأفكارها وقيمها وأهدافها وغاياتها وسياساتها ومناهج عملها وتسييرها”، ذلك بأن المجتمعات التي لا يمكنها التماسك خارج إطار الدولة هي مجتمعات ضعيفة جدا ومفككة غالبا، والغالب –حسب غليون-  أن لا تنجح الدولة في توحيدها إلا بالقهر والقوة، فالأصل أن تحصل الشعوب أدنى حد من الإجماع على القيم والمبادئ والغايات التي تجيء الدولة لرعايتها بوصفها كيانا منظما مسؤولا.

الإشكال الثاني أن هذه الدولة التي يتم الصراع عليها ليست موحدة المفهوم في أذهان النخبة ولا المجتمع، فالدولة التي ينادي بها كل من الإسلامي والليبرالي والاشتراكي ليست ذات مفهوم واحد لدى الجميع، لذلك يظل الصراع على مجهول أو على الأقل على مفهوم ضبابي، الدولة بالنسبة للإسلامي المعاصر تعني -حسب غليون-: “ما تسميه الأدبيات الفقهية الإسلامية الكلاسيكية الإمامة، وهي تعنى بتنصيب قيادة الجماعة المسلمة وترتيب السلطات داخل هذه القيادة، وتعيين حقوق القادة على المؤمنين وحقوق المؤمنين على القادة”.

لكن هذا ليس هو ما يعنيه الليبرالي في عصرنا حين يتحدث عن الدولة، فالدولة في مخيال الليبرالي هي: “الدولة الحديثة بما تمثله من ارتباط وثيق بين السلطة العامة المنظمة للمجتمع ككل وهذا المجتمع نفسه، أو ما تسميه النظرية الحديثة: الدولة الأمة التي تستمد السلطة المركزية فيها سيادتها من الشعب ولا تستمر إلا بفضل الشرعية التي تؤمنها لها الانتخابات أو الاستشارات الدورية”.

والمفهومان السابقان للدولة على اختلافهما لا يراهما أصحاب النظرية الماركسية في مفهومهم للدولة، إذ هي في مخاييلهم تلك الأداة المنفصلة عن المجتمع والقائمة فوقه، التي تستخدمها الطبقة المسيطرة لإخضاع الطبقات الدنيا، وهي بالتالي التعبير الساطع عن الاستلاب السياسي الذي تعيشه المجتمعات ما قبل الشيوعية، الناجم هو نفسه عن الانقسام الطبقي الذي يمثل البنية الأساسية للمجتمعات حتى وقتنا الراهن”.

هنا يطرح سياق البحث سؤالا آخر: هل نحتاج دائما من أجل تنظيم شؤوننا إلى “دولة”؟ يلزم عدم فهم هذا السؤال بحرفية جامدة، ويستدعي الخوض في دلالته تحديد بعض المفاهيم الممهدة لاستيعابه أولا، من قبيل ما ذا نعني بالدولة؟ وما هي أنماط الدول، وما هو الفرق بين الجماعة والجماعة السياسية من جهة وبين الأمة في مفهومها التقليدي في الفكر الإسلامي والأمة في مفهومها الحديث.

حين قال حاتم الأصم بعدم وجوب نصب الإمام -المعتزلة يرون وجوب نصبه لكن دليلهم العقل لا الشرع- علل ذلك بإمكانية وصول الناس إلى حقوقهم وأدائهم فرائضَهم دون الحاجة إلى إمام، قال القرطبي حاكيا قول الأصم: “أنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك، وأن الأمة متى أقاموا حجهم وجهادهم، وتناصفوا فيما بينهم وبذلوا الحق من أنفسهم، وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها وأقاموا الحدود على من وجبت عليه أجزأهم ذلك، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماماً يتولى ذلك”.

ذات المذهب ذهب إليه بعض علماء الاجتماع المعاصرين فرفض الربط بين “السياسة ووجود الدولة”، وذهب بيير كلاستر في كتابه عن الإسكيمو إلى أن غياب الدولة –من حيث هي سلطة مركزية وتراتب للسلطات- لا يعني عدم وجود سياسة، بمعنى تنظيم المجتمع شؤونه بصورة كلية”، وهناك أيضا من يعتقد أنه “من الممكن تجاوز الدولة الراهنة تماما واستبدالها بوكالات خاصة تقدم خدماتها للأفراد، تماما كما يحصل في الخدمات والمنتجات الأخرى التي يتعامل بها السوق”.

يقترح غليون من أجل إعادة تصويب النقاش الدائر حول الدولة أن نترك النقاش حول الدولة الإسلامية أو الدولة الديمقراطية إلى النقاش حول نوع المجتمع السياسي الذي نريد إقامته، “أي طبيعة العقد الذي ستقوم عليه الرابطة بين الأفراد والقيم التي توجههم والغايات التي تبرر اجتماعهم بل تسمح بتحقيق هذا الاجتماع واستمراره”.

فطبيعة العقد الذي سينشأ بين جماعية سياسية لها إخلاص وإيمان بمبادئ دين واحد سيختلف عن طبيعة عقد قائم على مواطنة لا تربطها وشائج دينية موحدة، هنا سيتغير دور الدولة وغايتها من راعية لتطبيق مبادئ الدين وقيمه إلى ساعية لتوفير الحاجات المشتركة بين الجماعة السياسية المختلفة العقائد أو المبادئ والغايات، وسيحضر الدين بوصفه حاجة عمومية في الأولى إلى انحساره بوصفه سلوكا فرديا خاصا في الثانية.

هنا يرى غليون أن أحد أسباب سوء الفهم بين المفكرين الإسلاميين ومن يرون أنفسهم حداثيين هو الخلط بين مفهوم “الجماعة” ومفهوم “الجماعة السياسية”، ذلك بأن “الرابطة الدينية قد تكون أساسا لرابطة سياسية، وقد تتطابق جماعة الدين مع جماعة الدولة، أو الجماعة السياسية، ولكن هذا ليس شرطا ولا يمثل الحالة السائدة في التاريخ”.

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017