المصادر التي تُكَوِّنُ  الثقافة الشرعية للمسلم منذ أن تعمل أدوات الاستقبال عنده من سمع وبصر وقلب،  مصادر متعددة كثيرة، منها الأسرة والشارع والمسجد والمدرسة والأصدقاء والراديو والتلفاز والإنترنت والكتاب ودور الفتوى والمؤسسات الدينية عموما، والمشايخ والدعاة والوعاظ والعلماء وغيرهم .

وهذه المصادر تُكَوِّنُ الثقافة الشرعية عند كثير من المسلمين شاءوا أم أبوا ، فهي تقتحم الآذان والأبصار والعقول دون إذن. فهل هذه المصادر أمينة غير متهمة؟

 

وللوصول إلى الإجابة عن هذا السؤال يجب أن نجيب أولا عن هذه الأسئلة :

– من أين حفظنا أن رسول الله قال : ” نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع” مع أنه لا يوجد في شيء من كتب السنة الصحيحة والضعيفة؟

– من أين حفظنا أن رسول الله قال : “ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل….”مع أنه حديث مكذوب على رسول الله [1].

– من أين حفظنا أن رسول الله قال : ” الدين المعاملة” مع أنه ليس بحديث أصلا[2].

– من أين حفظنا أن رسول الله قال : “يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم ، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر ، جعل الله صيامه فريضة ، وقيام ليله تطوعا ، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه ، وهو شهر الصبر ، والصبر ثوابه الجنة ، وشهر المواساة ، وشهر يزاد فيه في رزق المؤمن ، ومن فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه……” وهو حديث ضعيف لا تقوم به حجة[3]، والحديث ليس في فضائل الأعمال حتى يعمل به فيها على رأي ضعيف عند أهل العلم ، ولكنه يقرر أحكاما كبيرة ، منها : أن ثواب الفريضة فيه كثواب سبعين فيما عداه، وأن ثواب النافلة فيه كثواب الفريضة ، وأن ثواب تفطير الصائم غفران ذنوبه، وأن هذا الثواب يحصل لمن فطر فيه صائما على مذقة لبن ، أو تمرة ، أو شربة من ماء، فترى كثيرا ممن الناس يتسابقون إلى أن يكونوا أول من يطعم الصائم على تمرات ، ولا يبالون بما يسد جوعة الصائم الفقير فحسبهم أنهم أطعموه التمر عقيب الفطر ، وفيه غير ذلك من الأحكام التي لا تثبت إلا بالأحاديث الصحيحة أو الحسنة على الأقل.

– من أين حفظنا أن رسول الله قال : ” كل قرض جر منفعة فهو ربا” مع أنه حديث ضعيف[4]، فضلا عن أن معناه أيضا غير صحيح؛ فإن المقترض إذا رد القرض بأحسن منه دون شرط فليس من الربا، بل هو من حسن القضاء، كما أنه سنة النبي محمد . والمعنى الصحيح : ” كل قرض اشترط فيه نفع فهو ربا” .

– من أين حفظنا أنه لا يصح بيع وشرط، مع أنه حديث في أحسن أحواله ضعيف جدًّا.

– من أين جاءنا : “مَلْعُونٌ عَلَى لِسَانِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ قَعَدَ وَسْطَ الْحَلْقَةِ” مع أنه حديث ضعيف.

– من علّمنا أن الكلام على الطعام منهي عنه؟ ومن علّمنا أن النبي قال : ” تكلموا على الطعام ولو بثمن أسلحتكم” ؟ مع أن كلا الأمرين لم يرد بشأنه سنة!

-أين نقرأ أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما، وما زاد فهو استحاضة إلا في كتب الفقه، ونجدهم يدعمون ذلك بما ينسبونه إلى النبي : ” تمكث إحداكن شطر دهرها لا تصلي” مع أن البيهقي قال عنه في المعرفة : هذا الحديث يذكره بعض فقهائنا وقد طلبته كثيرا فلم أجده في شيء من كتب الحديث ، ولم أجد له إسنادا .

وقال ابن الجوزي في التحقيق : هذا لفظ يذكره أصحابنا ولا أعرفه .

وقال الشيخ أبو إسحاق في المهذب : لم أجده بهذا اللفظ إلا في كتب الفقهاء .وقال النووي في شرحه : باطل لا يعرف .

نحو ثقافة شرعية آمنة

هذه أمثلة قليلة من مئات الأحاديث وألوفها التي تقدمها كل هذه المصادر – ولا أستثني منها شيئا- على أنها من أقواله ، على أنها دين صحيح يتعبد به، وتؤخذ منه الأحكام!

فعلى المسلم  أن يضع في أذنه ثقلا يمنعه من حفظ كل ما يلقى عليه على أنه دين، وألا يقبل إلا معلومة موثقة معزوة  إلى مرجع صحيح أمين، وأن يعلم أن هذه المصادر جميعا لا يمكن أن تمثل في جميع ما تلقيه دينا صحيحا، بل فيها النافع وفيها الضار، وفيها الغث وفيها السمين.

لا للكتب الفقهية بدون تحقيق

وعلى ذلك فيمكننا أن نقرر التالي :

أولا: على طالب العلم أن لا يعتمد على  الكتب التي تذكر الأحاديث دون تخريج حتى لو كانت من كتب الفقه المعتبرة في المذاهب، وليس الحل في أن يهجرها، فليس عنها غناء، ولايمكن لعاقل أن يدعو إلى الاستغناء عن عميم نفعها درءا لقليل ضررها.

ولكن الحل أن يقرأها مصحوبة بالكتب التي قامت على تحقيقها، فمن يقرأ كتاب الهداية في الفقه الحنفي، فلا بد أن يطالع تخريج أحاديثه في كتاب نصب الراية للحافظ الزيلغي، أو يستعين بالدراية في تلخيص الهداية للحافظ ابن حجر.

ومن يقرأ (فتح العزيز)، أو الشرح الكبير للرافعي، على (الوجيز) للغزالي في فقه الشافعي فلا بد أن يطالع مع ذلك تخريج أحاديث الكتاب في كتاب (تلخيص الحبير) للحافظ ابن حجر.

ومن كان يقرأ كتاب (منار السبيل شرح دليل الطالب للشيخ إبراهيم بن سالم بن ضويان في الفقه الحنبلي) فلا بد أن يستعين معه بكتاب إرواء الغليل في تخريج أحاديثه للشيخ الألباني….. وإن كان يدرس كتابا آخر من كتب هذه المذاهب أو غيرها كالمذهب المالكي فلا بد أن يستعين بكتب أحاديث الأحكام، التي اعتنى بها أصحابها فخرجوا أحاديثها وبينوا صحيحها من ضعيفها، أو اعتنى بها من بعدهم من المحققين، ككتاب نيل الأوطار للشوكاني، فالكتاب لم تنقطع عنه يد العناية والتنقيح إلى يومنا هذا، فضلا عن اجتهاد صاحبه فيه.

ثانيا : ومن كان يطالع كتب التفسير فلا يطالع النسخ العارية عن التحقيق، فما أكثر ما حشيت به هذه الكتب من أحاديث ضعيفة وواهية وحكايات وإسرائيليات، وإن هذا العصر الذي نعيشه يمثل العصر الذهبي  في تخريج الأحاديث وبيان درجاتها بعد أفول طال عهده.

ثالثا: ومن الملاحظات المهمة التي يجب أن ننبه عليها هنا هو عدم الوثوق بعلماء السلطة[5] بخاصة فيما يتصل بفتاوى الحكم والسياسة وفوائد البنوك، ومعرفة هذا من ذاك لطالب العلم متعذر، فالسلامة له أن ينأى بنفسه عنهم، وأن يحفظ وسائل تلقيه من إفكهم. ولله در الشيخ رشيد رضا القائل في تفسير المنار :

” واعلم أنه لا مفسدة أضر على الدين وأبعث على إضاعة الكتاب ، ونبذه وراء الظهر ، واشتراء ثمن قليل به من جعل أرزاق العلماء ورتبهم في أيدي الأمراء والحكام ، فيجب أن يكون علماء الدين مستقلين تمام الاستقلال دون الحكام – لاسيما المستبدين منهم – وإنني لا أعقل معنى لجعل الرتب العلمية ، ومعايش العلماء في أيدي السلاطين ، والأمراء إلا جعل هذه السلاسل الذهبية أغلالا في أعناقهم يقودونهم بها إلى حيث شاءوا من غش العامة باسم الدين ، وجعلها مستعبدة لهؤلاء المستبدين ، ولو عقلت العامة لما وثقت بقول ، ولا فتوى من عالم رسمي مطوق بتلك السلاسل”[6]

 


 

[1] – انظر السلسلة الضعيفة للألباني، حديث رقم ” 1098)

[2] – مع أن المعنى صحيح طبعا، ولكننا لا نتلقاه على أنه معنى إسلامي، بل نتلقاه على أنه قول نبوي.

[3] – انظر السلسلة الضعيفة للألباني، حديث رقم “871″

[4] – إرواء الغليل (5/236)

[5] – لست أقصد بعلماء السلطة كل من تولى منصبا رسميا في المؤسسة الدينية، فبعض هؤلاء كان حربا على الفساد والإفساد، وكان صاحب دين وعلم وجرأة، وآخرهم الشيخ جاد الحق علي جاد الحق – رحمه الله-. وقد ظهرت بعده ومضات سرعان ما خفتت. وسبيل معرفة علماء السلطة يظهر بوضوح فيما يتصل ب( الحكم والسياسة وفوائد البنوك ).

[6] – تفسير المنار ( 4/232)