فكر

أزمة الدولة/المافيا

2 مارس, 2017

4
مشاركة

نشأت الدولة تاريخيا بعد سيرورة مستمرة لتطور الاجتماع البشري، غايتها حفظ النظام وتوزيع الثروة للمجموع، الذي يسعى من خلالها لتقييد نوازعه الذاتية المندفعة نحو التسلط، ونظرا لحاجة البشر بعضهم إلى بعض في حياتهم على هذه الأرض، الدولة من هذا المنظور إنما جاءت لمصلحة الأمة.

لكن الأزمة تصبح قاسية حين تتحول الدولة ضدا على الأمة، بل تصبح كيانا عدائيا تسخر إمكانات المجتمع لقتله وسلبه ونهب خيراته، هذه هي الإشكالية التي يناقشها كتاب “المحنة العربية، الدولة ضد الأمة” لبرهان غليون، ويحاول فهم أسبابها ومظاهرها ويناقش السبل الكفيلة بالتخلص منها.

يمثل الكتاب محاولة مبكرة لفهم السياقات التاريخية والسياسات والآليات التي حولت الدولة الحديثة من أداة للتحرر والانعتاق عند العرب إلى غول ابتلع الحداثة والمجتمع في الوقت نفسه، كما يسعى لفهم الآلية التي تحولت فيها الدولة إلى “منتجة لنخبة اجتماعية هي أقرب إلى نخبة المستوطنين أو المعمرين (الأجانب) منها إلى نخبة وطنية، وإلى حاضنة للوحش الذي سينقض على هذه الشعوب، بدلا من أن تكون أداة لتحرير أبنائهم وتحويلهم إلى مواطنين متساوين، واحتضان ممثليهم الحقيقيين”.

رغم أن الكتاب طبع أول مرة منذ 1993، فإنه في طبعته الرابعة 2015 ما يزال يحتفظ بحيويته وراهنية ما جاء فيه من تحليل وتفسير وما قدم من مقترحات للحل، والذي يقرأ الكتاب لأول مرة يظن أنه كتب بعد أحداث الربيع العربي وما شهدته الدول العربية من أحداث ظهرت فيها الدولة طرفا معاديا بل عدوا لدودا لشعوبها.

يميز الكاتب أول أمره بين “الدولة الحديثة” و”الدولة التحديثية”.

فالدولة الحديثة: –في نظره- هي “الدولة التي تحركها المبادئ والقيم، وتحكمها مبادئ العمل القانونية والسياسية، ويتحكم بها مجتمع منظم تجاوز أزمة مراحل الانتقال، دولة تجاوزت إلى حد كبير مشروع المواطنة واستبطنت فكرة السيادة والحرية والمساواة وحكم القانون”.

أما الدولة التحديثية: فهي “التي تحركها إرادة اللحاق بركب الحداثة والسعي إلى استيعاب وسائلها وتقنياتها، لتأكيد نفسها ووجودها وسيادتها ضد قوى خارجية وداخلية لا تسيطر عليها، ويوجهها الاعتقاد أن قدرتها على إنجاز مشروعها هذا مرتبطة بتحررها من الضغط الداخلي، وابتعادها عن آليات العمل الديمقراطية واحتكارها السلطة والقرار، وتخلييها عن أوهام التمثيل الإحصائي، وتبنيها في المقابل مبدأ تمثيل الإرادة الشعبية الشعبوي المعبر عنها بالتطلع الجامح إلى الخروج من حال التأخر  والفقر والبؤس التاريخية والراهنة”.

يتجاوز الكاتب الخطاب التقليدي السائد في تحليل فشل مشروع الدولة الوطنية في الدول العربية، ذلك التحليل الذي يجعل السبب الرئيس لهذا الفشل هو الإرث الثقافي العربي ومقاومة الإسلام العنيدة للحداثة، والذي رسخ فكرة “الاستثناء العربي” أي نشار الاجتماع العربي عن كل الاجتماعات البشرية في خط سيره.

يرى غليون أن المشكل لا يكمن في سبب خارجي وإنما في “الدولة التحديثية” ذاتها، تلك الدولة التي لم تستطع مراكمة قيم وآليات تجسر الهوة بينها وبين شعوبها، فالأسباب العميقة لإعاقة التحولات الديمقراطية –حسب غليون- لا تعود إلى مقاومة الجمهور الشعبي أو المجتمع الأهلي لفكرة الدولة الحديثة، دولة الحرية والقانون والمواطنة، وإنما إلى “فشل الدولة التي بدأت مسيرتها كدولة/طليعة، قبل أن تتحول إلى دولة/طائفة، ثم إلى دولة/مافيا، في التفاعل مع تطلعات الشعوب وتبنيها مشروعا استعماريا داخليا يتناقض كليا مع تحرر المجتمعات والأفراد  ويعمل المستحيل لمقاومته”.

يناقش الكاتب تحت عنوان: “عصر التكوين: الأمة والشعب” العوامل الرئيسة للانبعاث العربي في القرن السابع عشر ، وكيف شكل تفكك الدولة العثمانية أزمة هوية عميقة للدول العربية التي وجدت نفسها بلا ناظم مركزي، ويتساءل الكاتب في هذا السياق عن مفهوم الأمة؟ أي ما هي الروابط التي تجمع الشعوب العربية بعد تفكك الخلافة العثمانية وهو السؤال ذاته الذي طرحه الغرب الذي كان ينتظر سقوط الخلافة من أجل تقسيم أراضيها، وما يزال هذا السؤال مطروحا إلى اليوم، وربما سيبقى برهة من الزمن المقبل.

أما بعد الحملة الفرنسية على مصر فقد طرح تحديات وأثار أسئلة من نمط آخر، كما أدخل مفاهيم جديدة على العالم العربي في مفهوم الدولة والسلطة، ومن أهم المفاهيم التي أدخلتها الحملة الفرنسية هو مفهوم المجتمع كأداة للتغيير وهدف للسياسة ذاتها، لنصبح أمام أربة أنماط من السلطة وأشكال الدول هي: الدولة الإصلاحية، الدولة الوطنية أو القومية، و دولة الانفتاح.

يقدم غليون مقترحات للخروج من تيه التجريب غير الواعي لأنماط الدول، ولتجاوز أزمة الدولة التي تمثل كيانا معاديا للأمة، والتي بوجودها يستمر الاستنزاف الذاتي الذي يؤول في النهاية لا محالة للانهيار الكلي ثم الاندثار، أول ذلك هو تأمين شروط تقدم مطرد وثابت في عملية الاندماج التدريجي في حالة الدولة الحديثة المؤسسة على الديمقراطية والمساواة والسيادة، وفي مقدمتها “ضمان التنمية الاقتصادية والاجتماعية الثابتة والمستقرة، وتأمين آليات التوزيع العادل معا لثمارها”، ولأجل تحقيق ذلك لا بد من تنظيم تعاون عربي شامل وجدي.

ومن ذلك تجاوز فكرة الدولة (الأمة التقليدية) إلى فكرة الجماعة الحضارية، وذلك يقتضي مراجعة خريطة تنظيم الجماعة والدولة من أجل إيجاد شروط قيام جماعة سياسية سيدة وفاعلة، والشرط الأول لذلك –حسب غليون- “نسيان أنموذج الأمم التي كرستها الأدبيات القومية للقرن التاسع عشر والتفكير في منظور التحولات العميقة الراهنة التي تطرأ على السياسة والدولة والنظام الدولي معا”.

 

 

 

 

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017