شريعة

شبهات حول سيادة الشريعة

5 مارس, 2017

13
مشاركة

لم تعدم الشريعة الإسلامية أعداءً لها عبر الأزمان والعصور، ولكن لم يصل عصر من العصور في محاربتها، ما وصل إليه أعداء الشريعة في هذا العصر، الذين أقاموها حملة شرسة، يستغلون فيها كل وسيلة للحرب على كل ما هو تشريع إسلامي.

وأقيمت المؤتمرات والندوات، وأُثيرت الشكوك والشبهات، وخرجت الصيحات تلو الصيحات معلنة الحرب على الشريعة الإسلامية، ومنها:

أولا: شبهة الشريعة قديمة لا تصلح لهذا العصر بتعقيداته وتطوراته

كانت أول وأشهر شبهة تواجه الشريعة في هذا العصر: أنها شريعة قديمة لا تصلح لهذا العصر، ولا تلبي احتياجاته بتعقيداته وتطوراته، فهي شريعة وجدت لقوم غير القوم، وبيئة غير البيئة. يريدون بذلك تزيين الحلول المستوردة من الغرب، وإحلال المذاهب الوضعية المعاصرة بديلا عن الشريعة، ويتم بذلك إقصاء الشريعة تمامًا عن دنيا البشر، واستبعاد ما بقي منها. والعجيب أن يكون الدعاة لذلك ممن يتسمَّون بالإسلام، ويزعمون أنهم أحرص الناس على فهمه الصحيح.

وحين يناقش هؤلاء مثل هذه الشبهة فإنهم ينظرون إلى العصر بتعقيداته وتطوراته، دون أن ينظروا إلى الشريعة نفسها وجوانب السعة والمرونة فيها، وهي التي سادت مجتمعات العالم الإسلامي منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى العصر الحالي التي ضاقت فيه نطاق وجودها، وتم إقصاؤها غالبًا عن أنظمة الحكم، وإن ظل لها قدر من السيادة.

ولم تضق الشريعة – طول هذه العصور- باحتياجات الأمم التي كانوا تحت سيادتها، رغم تنوع لغاتهم وجماعاتهم وتقاليدهم وأفكارهم. بل استطاعت أن تجمع هذه الأمم وتوحدها جميعًا. ألا يعبر ذلك عن قدرة هذه الشريعة على الوفاء بمتطلبات كل العصور، وكل الأجيال، وكل الأمم، إذا وجدت من يأخذ بها ويطبقها، ولذا لم نجد أحدًا من القدماء تعرض لمثل هذه المسألة، أو استشكل هذا الأمر، بل لم يظهر التشكيك في صلاحية الشريعة لكل زمان إلا في هذا العصر.

وإن نظرة حقيقية للشريعة وأحكامها، وما تقدمه للمؤمنين بها، تجعل الإنسان يدرك أن هذه الشريعة صالحة لكل العصور وكل الأزمان وكل الأشخاص، فقد وضعت الأصول التي يصلح بها العصور دون الخوض في التفصيلات التي تتغير بتغير الأزمان والأحوال. ولهذا الكلام تفصيلات كثيرة لا يسع المجال لذكرها.

ثانيًا: شبهة سيادة الشريعة متحققة في بلاد المسلمين الآن ما عدا بعض الحدود

ومن الشبهات التي أثارها بعض النخب الليبرالية والعلمانية في بلاد المسلمين: أنَّ الشريعة الإسلامية مُطبقة بالفعل في بلادنا بنسبة كبيرة، ولا حاجة إلى المناداة بتطبيقها، فهذا نوع من المزايدات والاستعراضات الزائفة. ولا يبقى إلا بعض الحدود.

وهذه فرية وكذبة كبيرة، لا أظنها تنطلي على عوام الناس، وإذا كان من الإنصاف أن نقر أن هناك بعض الجوانب في الدول الإسلامية قد سادت فيها الشريعة الإسلامية، وخصوصًا جانب الشعوب، فمن الظلم أيضًا أن نغفل الجوانب العظيمة والهامَّة في الدولة التي تم إقصاء الشريعة منها، وتنحيتها جانبًا، بل واستبدال غيرها بها، وخصوصًا جانب الحكم والسُّلطة.

ولقد كانت الشريعة الإسلامية هي القانون الوحيد الذي يتحاكم إليه المسلمون عبر قرونهم الطويلة، ودارهم الممتدة طولا وعرضًا. وإن تهاون بعض الحكام في تطبيق بعض أحكامها، أو غلَّبوا الحكم بأهوائهم أحيانًا، ولكن مع ذلك لم يحدث أن اتخذ المسلمون غير الشريعة قانونًا تساس به البلاد، ويُحكم به بين العباد! حتى جاء القرن الثالث عشر الهجري، والذي بدأت فيه القوانين الوضعية تحل محل الشريعة، وأخذت الشريعة تُنحَّى شيئا فشيئًا عن الحكم في أغلب البلاد الإسلامية.

والقول بأن الشريعة مطبَّقة بشكل كامل ما عدا الحدود، هو نوع من التلبيس على الناس، لحصر المطالبة بتطبيق الشريعة في جانب (الحدود والعقوبات)، وصرفهم عما سوى ذلك.

والشريعة نظام شامل ودستور كامل، يشمل الثوابت التي تصلح جوانب الدولة كلها، فهي تضع الأسس لنظام خدمي كامل يتحمل أصحاب السلطة فيه مسؤولية تقديم الخدمات الصحية والتربوية والتعليمية والخدمات العامة، وفق أحدث ما توصل إليه العلم. وهو نظام يتقدم فيه أهل الكفاءة والعلم، ولا كرامة فيه لذي فساد أو رشوة.

كما تؤسس لنظام سياسي يقوم على احترام العقود والمواثيق، دون أن يعطي الدنية في دينه. ونظام اقتصادي له أصوله وقواعده وقيمه في المعاملات والمبادلات وإدارة الإيرادات والإنفاق. ونظام اجتماعي يقوم التكافل والتراحم والتعاطف، وإعطاء كل ذي حق حقه، وصيانة الأسرة وإزالة المنكرات في المجتمع، وإفشاء الأخلاق الحميدة. ونظام عسكري ينشئ جيشًا يقوم على الإنضباط والتنظيم والتفوق الإستراتيجي، ليكون أكثر جيوش العالم قوة وفعالية، يحمل جنوده العقيدة الصافية، يحب الموت في سبيل عزة الإسلام كما يحب أعداؤه الحياة.

وبعد ذلك يأتي نظام الحدود والعقوبات الذي يقوم على عقوبة من خالف نظام الحياة تحت شريعة الإسلام، مما يحقق الأمن والاستقرار الذي يعد من المطالب الضرورية الإنسانية.

وبالنظر إلى الواقع المعاصر، نجد الشريعة سائدة في شعوب العالم الإسلامي غالبًا، فنجد المجتمعات المسلمة تتميز بالإيمان بوجوب التوحيد والصلاة والصيام وصلة الأرحام والقسط مع أهل الذمة..الخ، وإنكار المنكرات كالزنا والخمور والرشوة والفساد ونحو ذلك. حتى من تلبس بمعصية أو أتى منكرًا من المنكرات، يدرك من داخله أنه يرتكب الحرام، لا يستحله. وهذا ما يميز شعوب العالم الإسلامي عن غيره.

لكن هناك العديد من الجوانب الهامة في الدولة قد تم إقصاء الشريعة عنها كليًّا أو جزئيًّا، فالجوانب الاقتصادية والتعليمية والسياسية في الدولة، التي تمثل عصب الحياة فيها، لا تكاد دولة أو اثنتين هي التي تطبق النظام الإسلامي كاملا، وغالب الدول قد سارت في ركاب النظام العالمي الذي يكرس لفصل الدين عن الدولة. وقبلت بعض الدول بمعاهدات ذل وخنوع واستسلام وتبعية مقيتة لغير المسلمين، وربما عُودي أهل القبلة في حين تم التقارب مع المحاربين للمسلمين. وهذا كله يخالف الشريعة الإسلامية.

ثالثًا: سيادة الشرع لا تصادر الحاكم سلطته

وأخيرًا زعم بعض أعداء الشريعة أنَّ تحقيق سيادة الشريعة يصادر الحكام سلطتهم أو يقيدها، وهذا جهل كبير بالشريعة الإسلامية وأحكامها، فسيادة الشرع إذا تحققت في الدولة، تكون للحاكم لا ضده، وتقوية لنظامه ودعمًا له لا عليه، فهي لا تصادر الحاكم سلطته، بل تجعل لها سندًا من الشرع.

وقد أعطى الشرع الحكَّام سلطة واسعة تمكنهم من وضع ما يرونه من تنظيمات وتشريعات، تناسب الحوادث الغير متناهية في حياة الناس. ورسم السياسة العامة للدولة والعمل على تنفيذها، وكل ذلك يقع عبئه على الحكام وحدهم. فالشريعة لم تأت بهذه التفصيلات الدقيقة، وإنما جاءت بمبادئ عامة وقواعد كلية تناسب كل العصور. ونصوص الشرع قليلة محدودة، بالنسبة للمستجدات العصرية. كما أن إقامة هذه الشريعة وحماية سيادتها يقع على الحاكم.

ولذا لا يُعلم خلاف بين الفقهاء في وجوب إقامة السلطة في الدولة أي نصب الحاكم؛ لأنها الجهة التي تقع عليها حماية الشريعة، وحفظ الثغور، وتنظيم حياة النَّاس، وتقديم الحلول المناسبة للمستجدات العصرية.

ومن هذه الناحية قام الخليفة عمر بوضع الدواوين للجيوش، مع أنها لم تكن معروفة، كما قام عبد الملك بن مروان بسك النقود، وهكذا.

وهذا ما يتضمنه الأساس الثاني من الأسس العامة، التي وضعها الإسلام لتنظيم العلاقة بين الأفراد والحكام.


التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017