شريعة

الأوراق وحدها لا تكفي

7 مارس, 2017

25
مشاركة

  يشيع في الدوائر القضائية المعاصرة : أن القضاة يحكمون بناء على الأوراق المقدمة إليهم، ولا شأن لهم بحقيقة هذه الأوراق من حيث الواقع إلا إذا استطاعت هيئة الدفاع أن تثبت للمحكمة زيف هذه الأوراق، وإلا فالأوراق الثبوتية هي المحكِّمة والفاصلة في القضية !

فما حظ هذه المقولة من العدالة في المنظور الإسلامي؟

مقاصد الشريعة من إقامة القضاء

لقد كان إقامة نظام القضاء من الأمور التي حرصت الشريعة عليها، أن يكون للناس قضاء يتحاكمون إليه، فمن واقعية هذا الدين أنه حينما أمر أتباعه بالمعروف ونهاهم عن المنكر، لم يفترض أن ينصاعوا جميعا لهذه الأوامر فلا تقع منهم المنكرات، بل أمر بحفظ الدماء، وعرف أن منهم من سيتجرأ عليها فيستخف بها، فشرع القصاص، ونهى عن قربان الزنا، وعرف أن من أتباع هذا الدين من سيتجرأ على حدود الله فيتعداها، فشرع حد الزنا عقوبة للزناة…وهكذا.

وكان للشريعة من وراء إقامة نظام القضاء غرض ومقصد هام، هو أن يؤدي هذا النظام إلى إظهار الحقوق، والحكم بها لأصحابها، وإظهار الباطل وقمع المبطلين.

 

شروط لضمانات تحقيق هذه المقاصد

 ولأن هذا المقصد ليس أمنيّة حالمة، ولا لفظا فارغا، بل هو مقصد مراد تحقيقه؛ لهذا أحاطت الشريعة هذا النظام بما يضمن تحقيق هذا المقصد.

فلا غرو، أن اشترطت الشريعة في القاضي مجموعة من الشروط تؤهله لتحقيق هذا المقصد، فاشترطت في القاضي: الفطنة، والعدالة ، والعلم، والسلامة من نفوذ غيره عليه.

تحرير القضاة من القوى النافذة، ولذلك اتفق الفقهاء على أنه لا يتولى القضاء ( عبد من الرقيق)؛ لأنه لن يكون سالما من نفوذ وإملاءات سيده عليه، فإن العبد لا يسعه إلا مصانعة سيده، فيصير لسيد العبد أثر في نظر القضايا التي يباشرها عبدُه.

وهذا يوميء إلى وجوب تجرد القاضي عن كل ما من شأنه أن يجعله تحت نفوذ غيره، فإن العبودية مراتب[1]. وفي الحديث: “تعس عبد الدينار، وتعس عبد الدرهم، وتعس عبد القطيفة الذي إذا أُعطي رضي، وإن لم يعط لم يرض”[2]. فجعل ذلك سبباً لاستعباده؛ ولذلك ذهب الفقهاء إلى تحريم الهدية للقاضي؛ حتى لا يقع تحت ضغط المهدي، ولو كان ضغطا أدبيا؛ فإن الإنسان أسير الإحسان.

ونهت الشريعة القاضي من القضاء حينما يشوش عقله بالغضب[3]، وفي معناه كل ما يشوش عليه حواسه، من جوع أو خوف أو فزع، أو نحو ذلك؛ ولهذا كان التحليل المرضي في تأبي أبي حنيفة منصب القضاء للدولة العباسية تخوفه أن يستخدم منصب القاضي في تصفية الدولة الوليدة خلافاتها مع الدولة  الأموية التي أدبرت أيامها!

 

 الفطنة إحدى الضمانات

وأماّ العلم والفطنة، فمن أبلغ من عبر عنهما الإمام ابن القيم إذ يقول :هنا نوعان من الفقه، لا بد للحاكم منهما: فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس، يميز به  بين الصادق والكاذب، والمحق والمبطل. ثم يطابق بين هذا وهذا، فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفًا للواقع.

فإن السياسة  نوعان: سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر، فهي من الشريعة، عَلِمَها من عَلِمها، وجهلها من جهلها.[4]

ويضرب العلماء هنا مثلا يتجلى فيه فقه القاضي وعلمه وفطنته، التي بها يتوصل إلى الوصول إلى الحقيقة حتى لو كانت الأوراق  مضلِّلة، بل حتى لو اعترف أحد المتنازعين على نفسه، والاعتراف سيد الأدلة، فلا ينبغي للقاضي أن يطمئن إلى هذا الاعتراف فيحكم بمقتضاه؛ لأنه ربما أقرّ على نفسه ظلما لنفسه ليتخلص بهذا الاعتراف من  ضرر أكبر في نظره مثلا.

وهنا تبرز ملفات تلك القضية، التي اعترفت فيها المرأة أنها ليست صاحبة الحق، فكانت فطنة القاضي السبب لمعرفة زيف هذا الاعتراف.

وترجع وقائع هذه القضية إلى امرأتين أتتا إلى قاعة المحكمة بابن يتنازعانه، كل واحدة منهما تدعي أنها أمه، وأنه ولدها، وكان القاضي سيدنا سليمان بن داود عليهما السلام، فأراد سليمان أن يلجئهما إلى الاعتراف بالحقيقة، فلا شك أن إحداهما كاذبة، وأن الولد ابن واحدة منهما فقط، غير أنه لا بينة معهما،  فقال عليه السلام: ائتوني بالسِّكِّين أشُقُّه بينهما، فقالت الصغرى، لا تفعل – رحمك الله – هو ابنُها.[5]  فها هي المرأة الصغرى تعترف وتقر بأن الولد ابن ( الأخرى الكبرى) ولحظة الاعتراف هي اللحظة التي يطمح إليها كل قاض، ويظن أن القضية قد انتهت، ويحكم بناء على الاعتراف وهو مرتاح الضمير، غير أن سيدنا سليمان بفهمه الذي قال الله فيه : {فَفَهَّمْنَاهَا سليمان } [الأنبياء: 79]  أدرك أن الحكم لا يكون  بالأوراق وحدها، وأن الاعتراف ليس دائما سيد الأدلة، بلْهّ أن يكون دليلا، فقضى به للصغرى.

وفي ذلك يقول العلامة ابن القيم : فأي شيء أحسن من اعتبار هذه القرينة الظاهرة! فاستدل برضا الكبرى بذلك، وأنها قصدت الاسترواح إلى التأسّي بمساواة الصغرى في فقد ولدها، وبشفقة  الصغرى عليه، وامتناعها من الرضا بذلك، على أنها هي أمه ، وأن الحامل لها على الامتناع هو  ما قام بقلبها من الرحمة والشفقة التي وضعها الله تعالى في قلب الأم، وقويت هذه القرينة عنده، حتى قدمها على إقرارها، فإنه حكم به لها مع  قولها “هو ابنها” وهذا هو الحق ، فإن الإقرار إذا كان لعلة اطلع عليها الحاكم لم يلتفت إليه أبدًا. … فهكذا يكون الفهم عن الله ورسوله.[6]

 

ضمير القاضي

ومما يجب أن يذكر في هذا المقام، ما مقام به المستشار المصري – أحمد رفعت- رئيس محكمة جنايات القاهرة، فيما عرف بقضية القرن، التي اتهم فيها الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك بقتل المتظاهرين في ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011م، وقد خلت الأوراق المقدمة من أدلة ثبوتية تدين الرئيس المخلوع، ما يؤدي إلى الحكم له بالبراءة طبقا لهذه الأوراق.

فما كان من هذا القاضي الشجاع إلا أن وجه تهمة أخرى للرئيس المخلوع غير تهمة القتل بالمباشرة، فوجه له تهمة القتل بالترك[7]، حيث ترك المتظاهرين دون حماية لهم، ولم يتخد من التدابير ما يحول دون قتلهم مع قدرته على ذلك، ومن ثم أدانته المحكمة بهذه التهمة، وحكمت عليه بالسجن المؤبد في يونيو 2012م؛ وذلك لعلم القاضي أنه متهم وإن خلت الأوراق من أدلة الاتهام.

ولو كان يسوغ في دين الله تعالى، أو في عدالة البشر أن الحكم يكون بالأوراق وحدها، لصلح لمنصب القضاء كل غبي وعيي، إذ أن عمله حينئذ لن يعدو كونه نطقا وقراءة للأوراق، وهذا يحسنه كل أحد. ولما أناط الله براءة ذمة القاضي بالاجتهاد، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر واحد»[8].

فلا بد من اجتهاد القاضي في القضية للوصول إلى الحق، والاجتهاد يحتاج تأهل القاضي لأدوات الاجتهاد، وإلا كان عمله خبط عشواء، وقراءة أوراق. وكان أحد قاضيين اثنين في النار؛ فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” القضاة ثلاثة: واحد في الجنة، واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به. ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار.

ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار.[9]

 


[1] – انظر مقاصد الشريعة الإسلامية، ابن عاشور (3/ 529) وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر.
[2] – رواه البخاري من حديث أبي هريرة، جامع الأصول (9/ 494)
[3] –  متفق عليه، اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (2/ 195)
[4] – الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ط عالم الفوائد (1/ 8)
[5] – الحديث متفق عليه، جامع الأصول (8/ 519)
[6] – الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ط عالم الفوائد (1/ 9)
[7] – انظر حيثيات الحكم هنا : http://gate.ahram.org.eg/News/216935.aspx
[8] – متفق عليه، مشكاة المصابيح (2/ 1102)
[9] – رواه أبو داود بسند صحيح.
التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017