فكر

الحضور التركي بإفريقيا: الدوافع و الأدوات

8 مارس, 2017

0
مشاركة

يزداد الاهتمام العالمي بإفريقيا في الآونة الأخيرة بشكل ملحوظ، حيث تتسابق الدول الكبرى لإحراز مواقع استراتيجية و اقتصادية جديدة، أو لتعزيز الحضور في قارة تمتلك الكثير من الخيرات والثروات والموارد البشرية وتتوقع الإحصائيات أن تحتل المركز الأول في الترتيب العالمي للقارات من حيث حجم السكان بنسبة 25% في عام 2050، كما أن إفريقيا اليوم تعتبر الواجهة المستقبلية للاستثمار العالمي.

ونظرا لهذه الأهمية المحورية لإفريقيا، فإن الشراكة معها تعتبر رافدا أساسيا لأي قوة صاعدة في عالم اليوم تريد أن تحقق  نهضة اقتصادية دائمة وتحتل موقعا استراتيجيا مؤثرا.  ومن هذا المنطلق يدخل الاهتمام التركي بإفريقيا التي تمكنت خلاله من الدفع بعلاقاتها مع إفريقيا، حيث عرفت العلاقات التركية-الإفريقية على مدار السنوات الأخيرة قفزة نوعية على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية.

سياسة جديدة

و توثقت هذه العلاقات بفعل سياسة الانفتاح على القارة السمراء التي تبناها حزب العدالة و التنمية الحاكم سنة 2005. و أصبحت تركيا اليوم بعد تبني سياسة الانفتاح على إفريقيا شريكا هاما في المجالات التجارية والاستثمارية والتنموية، وداعما أساسيا  لجهود الاتحاد الإفريقي من أجل إحلال السلم وإرساء ممارسة ديمقراطية حقيقية بالقارة السمراء.

و يغذي الاهتمام التركي المتزايد بإفريقيا اعتماد الحكومة التركية لسياسة خارجية جديدة ترتكز على نظرية العمق الاستراتيجي للدولة التركية وتقوم هذه النظرية على ربط تركيا بماضيها الإسلامي ذي الامتداد العربي والإفريقي من أجل تأمين مصالحها وتحقيق طموحاتها التوسعية. فالحكومة التركية الحالية تسعى إلى التصالح مع محيطها العربي.

فدوافع تركيا اليوم لحط رحالها بقوة في إفريقيا دوافع متعددة منها الاقتصادي والسياسي الدبلوماسي والثقافي، فتركيا كقوة اقتصادية صاعدة بحاجة إلى شراكة مع القارة السمراء التي ظل ارتباطها الاقتصادي مقتصرا  على القوي الاستعمارية الغربية،  التي يعود الفضل للكثير من تفوقها إلى علاقاتها التاريخية الاستعمارية بالقارة السمراء.

رافعة الاقتصاد

يعتبر الاقتصاد ركيزة علاقات التعاون بين تركيا وإفريقيا مع تنوع مجالات التعاون بين الجانبين، فقد عرفت العلاقات التجارية بين الجانبين على مدى الأعوام الأخيرة تطورا ملحوظا عكسه ارتفاع حجم التبادل التجاري، فحصة إفريقيا من الصادرات التركية ارتفعت من 3% سنة 2003 لتصل 10% سنة 2013. كما اتسم التواصل التجاري بحركة نشطة للتجار ورجال الأعمال في الاتجاهين.

فبالإضافة للاعتبارات الإستراتيجية التي تمت الإشارة إليها كمحفزات للاهتمام التركي بإفريقيا، فأنقرة بحاجة لتنويع أسواقها خارج دائرة الاتحاد الأوروبي الذي كانت حجم الصادرات التركية الموجهة إليه تصل حوالي 70% من إجمالي صادرات تركيا، فحالة الكساد التي تعيشها الأسواق الأوروبية بفعل الأزمة المالية والاقتصادية التي اكتوت بها أوروبا مؤخرا تفرض على تركيا البحث عن أسواق جديدة لمنتجاتها ومؤسساتها الاستثمارية.

و للتأسيس لعلاقات اقتصادية استراتيجية واعدة مع إفريقيا، قامت الحكومة التركية بتنظيم عدة قمم  ومنتديات اقتصادية تركية-إفريقية، من أبرزها القمة التركية-الإفريقية بمشاركة جميع الدول الإفريقية، وذلك علي غرار القمة الإفريقية -الفرنسية والقمة الإفريقية-الهندية، ونتيجة لهذه السياسية بلغ حجم التبادل بين إفريقيا و تركيا 23.5  مليار دولار سنة 2013 مقارنة بـ 750 مليون دولار سنة 2000، و ساهم دخول الخطوط الجوية التركية للسماء الإفريقية في تنشيط حركة التواصل التجاري بين الجانبين، و يؤمن أسطول الخطوط الجوية التركية حاليا رحلات منتظمة لأزيد من 20 عاصمة افريقية.

مجالات أخرى للتعاون

  و تتجاوز المشاريع التركية بإفريقيا الأبعاد التجارية والاقتصادية إلى الجوانب الصحية والتعليمية والاجتماعية والثقافية. ففي الجانب الإنساني والإغاثي توسع نطاق تدخل إدارة التعاون والتنسيق التركي “تيكا” بفتح مكاتب جديدة بدول القارة، وتمتلك الوكالة حاليا مئات المشاريع في حوالي 40 بلد إفريقي.

و لا تقتصر جهود التدخل في المجال الإنساني في إفريقيا على الجهود التي تقوم بها الحكومة التركية من خلال وكالة “تيكا”، فمع مساهمة تركيا بنحو 800 مليون دولار لدعم مشاريع الإغاثة الرسمية ببعض الدول الإفريقية في عام 2013، فهناك جهود كبيرة للعديد من المنظمات الأهلية التركية بإفريقيا.

و تحتل الأبعاد الثقافية والتعليمية والدينية هي الأخرى حضورا معتبرا في مسار العلاقات التركية-الإفريقية. فمن بين الأدوات التي تستخدمها تركيا لتوسيع دائرة نفوذها بإفريقيا الروابط الدينية والتاريخية مع إفريقيا وتفعيل الاهتمام بمنظمة التعاون الإسلامي، التي يأتي في طليعة أهدافها “تعزيز التضامن الإسلامي بين الدول الأعضاء وتعزيز التعاون بينها في المجالات الاقتصادية والصحية والاجتماعية والتعليمية”.

نختم بالقول أن مستقبل العلاقات التركية-الإفريقية هو مستقبل واعد على ضوء المعطيات التي تمت الإشارة إليها، إلا أن تركيا بحاجة لتنسيق هذا الحضور مع دول شمال إفريقيا التي تتقاسم مع تركيا إرثا تاريخيا كبيرا من جهة، و من جهة أخرى فإن هذه البلدان تمتلك ثقلا سياسيا ودبلوماسيا في القارة السمراء بحكم التاريخ والجغرافيا ودور بعض هذه الدول في دعم الحركات الإفريقية المناهضة للاستعمار وفي تأسيس الإتحاد الإفريقي.

كما أن استمرار هذا الحضور بحاجة لخلق تكتل دولي مؤثر لا يتعارض مع  طموحات تركيا، وذلك لتحقيق اختراق نوعي بالقارة السمراء، فالدول الغربية تنسق طبيعة تدخلها بإفريقيا، وعليه فإن البلدان الأخرى التي تنهج سياسية الانفتاح على إفريقيا كالصين والهند و البرازيل بحاجة هي الأخرى لتنسيق سياساتها تجاه القارة السمراء.

 

 

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017