فكر

العلاقات الاقتصادية بين الصين وافريقيا – موريتانيا نموذجا (1 من 2)

15 مارس, 2017

51
مشاركة

شهدت العلاقات الصينية- الإفريقية في العقد الأخير قفزة كبيرة، يُغذيها الانفتاح المتزايد للصين، المصحوبِ بدعم تنموي واجتماعي سخي للقارة السمراء، كما يُغذيها من جهة أخرى تطلع الجانب الإفريقي للبحث عن شراكة مربحة، تُنهي ثقافة التعامل الاقتصادي القائمة على أسس احتكارية مشحونة في الغالب بنفَس من رواسب وتراكمات الحقب الاستعمارية.

وعلى هذه الخلفية نشأت العلاقات الموريتانية الصينية التي تأسست منذ عقود، وتحديدا في يوليو عام 1965 بعد استقلال موريتانيا عن فرنسا مباشرة. وقد أدت سياسة الصين القائمة على قربها من بلدان العالم الثالث فضلا عن عدمِ وجود ماض استعماري لها في افريقيا إلى تقارب سياسات البلدين، وهو ما تُرجم في مساندة موريتانيا للصين في مواقفها الديبلوماسية، كما تجسد في الاهتمام المبكر للصين بموريتانيا من خلال مساعدتها في إنجاز أكبر المشاريع التنموية للدولة الوليدة: (الميناء البحري الوحيد الذي تطل من خلاله موريتانيا على العالم، عددٌ من المستشفيات الكبيرة، مباني عدد من الوزارات بما فيها الوزارة الأولى ووزارة الخارجية، بل والقصر الرئاسي وقصر المؤتمرات) وكلها تمثل اليوم أهم معالم البنية التحتية للدولة الموريتانية.

وقد تُوج هذا التعاون باتفاقيات عديدة، وباستثمارات مباشرة، وبتطور كبير للتجارة البينية، حتى غدا حجم التبادل بين موريتانيا والصين يمثل 28.24% من حجم التبادل التجاري مع بقية دول العالم.

  الصين..هل ستشكل بديلا لإفريقيا؟

 خصوصية العلاقات الاقتصادية بين موريتانيا والصين في حقيقتها ليست إلا نموذجا لحالة افريقية تكاد تكون شاملة؛ فقد تأسست هذه الروابط على ثنائية المصالح المشتركة وعلى الصداقة البينية التي يمكن أن تشكل أساسا عادلا تحتاجه افريقيا في علاقاتها الدولية، وتضمن موطئ قدم للصين في قارة تزخر بالمواد الأولية ومصادر الطاقة، ويمكنها موقعها الفريد من الاتصال عبر منافذ بحرية متعددة بقارات العالم المختلفة.

وقد ظلت الصين تدعو إلى علاقات اقتصادية قائمة على أساس “المساواة والمنفعة المتبادلة، الاهتمام بالنتائج الفعلية، تنويع الأشكال، التنمية المشتركة[1]، وهي سياسات يحتفي بها الأفارقة باعتبارها تعدّل العلاقات الاقتصادية القائمة بين الشمال والجنوب والتي بنيت على أساس من عدم الندية وعلى استغلال ميزان القوى الاقتصادي والتكنلوجي والعسكري لصالح دول المركز.

ومن الواضح أن الصينيين يعون هذا الاختلاف الذي يمكن أن يشكل ميزة تفضيلية للصين في منافستها للفاعلين الدوليين في القارة: فـ”الصين وإفريقيا قد تعرضتا لمعاناة متشابهة في الماضي، وظلتا تتعاطفان مع بعضهما البعض وتدعمان بعضا في نضالهما لتحقيق التحرر الوطني، فأقامتا صداقة عميقة بينهما”[2].

على هذا الأساس تشكل تلاق مصالح مشتركة بين الجانبين؛ “فلجمهورية الصين مصالح واضحة في إفريقيا: الموارد وتأمين الطاقة والدخول في الأسواق والدعم الدبلوماسي الدولي خاصة في جهودها الرامية إلى عزل تايوان ومن ثم استعادتها، ثم إن إفريقيا كذلك لها مصالح واضحة، فهي تحتاج الصين؛ لأنها توفر مصدرا بديلا للتمويل في إفريقيا، وتوفر مؤسساتها بشكل سريع سلعا رخيصة وخدمات وقروضا يحتاجها المواطن الإفريقي”([3]).

مع ذلك يجب الاعتراف للصين أن اهتمامها بافريقيا لم يكن وليد استحقاقات العولمة التي فتحت أعين لاعبين دوليين عديدين على الإمكانات الهائلة من موارد وقوى عمل وأسواق في القارة السمراء، فمنذ عقود كانت الصين تبشر بتصورها في بناء علاقات متوازنة أساسها الصداقة بين الطرفين، وابتداء من القرن الجديد شهد مسار العلاقات الصينية الإفريقية تطورا ملحوظا مع تأسيس منتدى التعاون الصيني الافريقي FOCAC الذي مثل  الإطار الرئيسي للتشاور والحوار بين الصين والقارة الإفريقية، وقد تأسس بمبادرة صينية وعقد مؤتمره الأول ببكين في الفترة من 10 إلى 12 أكتوبر 2000 .

يضم المنتدى في عضويته أغلب الدول الافريقية (49 دولة افريقية) ويعقد مؤتمرا وزاريا كل ثلاث سنوات، وكانت آخر دورة نظمها المنتدى هي المؤتمر الخامس الذي أقيم في بكين 19 يوليو 2012، ويصادق المؤتمرون في نهاية كل دورة على خطة لتعزيز الشراكة الصينية-الافريقية الاستراتيجية من تطوير التبادل التجاري وتعزيز التعاون في الاستثمار والتمويل وتعزيز الأطر الفرعية، التي تشكل آليات عمل تنفيذ سياسات التعاون الاقتصادي، مثل منتدى الأعمال الصيني الإفريقي والغرفة الإفريقية الصينية المشتركة للتجارة والصناعة.

“وقد بلغ حجم التجارة الثنائية بين الصين والبلدان الإفريقية 160 مليار دولار أمريكي في عام 2011، واستمرت الصين في تقديم مساعداتها التنموية إلى القارة الإفريقية وأعفت 32 دولة افريقية من ديونها ورفعت عدد السلع الإفريقية المعفاة من الرسوم الجمركية إلى 446 نوعا”.

وعلى صعيد آخر قدمت إفريقيا للصين دعما ديبلوماسيا قويا في القضايا الدولية، وفي دعم إعادة توحيد الصين وعدم الاعتراف بتايوان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ وثيقة سياسات الصين في افريقيا الصادرة في بكين 12 يناير 2006. [1]

[2] ) مضامين مبثوثة في وثيقة سياسات الصين في افريقيا.

[3] ) العلاقات الصينية الإفريقية.. الديمقراطية والتوزيع:

التصنيفات:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017