شريعة

حين يهيمن القتال المسلح على مفهوم الجهاد!

20 مارس, 2017

30
مشاركة

تناول الدكتور زكريا صديقي، مؤسس ومدير المعهد الإسلامي للتعليم عن بعد، ورئيس هيئة الرقابة الشرعية للمعاملات المالية بفرنسا خلال مداخلته في المؤتمر الدولي السنوي الخامس حول مفهوم الجهاد ونظرية الحرب العادلة بإشراف مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق في قطر ، للعام الحالي، بعنوان “تجديد الجهاد في سؤالات الوحي والسياسة”، وهو يدعو إلى ضرورة مراجعة تصورات الأمة عن الجهاد وأحكامه عقائديا وأخلاقيا وفقهيا، وذلك أن الأمة بشرائحها المختلفة تضيق فهم الجهاد بالمعنى القتال المسلح مما جعل المصطلح ذاته عرضة للاختزال والنسف أو التشويه. كما اشتكى من انعدام نظرية متسقة متكاملة تستوعب الجهاد وأحكامه، ومن هنا يرى الدكتور زكريا استكشاف النصوص الشرعية من جديد بمنظار الواقع المعيش وتحرير مفاهيمه من أجل إبراز نظرية الإسلام في الإسلام كنظام بنى الشرع الحنيف عليه موازاناته عند الربط بين مقاصد المكلفين ومقاصد الشرع، والضبط لمآلات الواقع وتحولاته.

و طرح الدكتور زكريا سؤال مفهوم الجهاد، حين قال هل الجهاد في صورته التطبيقية يعكس مفهومه؟ ولبيان هذا التساؤل يرى الدكتور أن حقيقة الجهاد بالأوامر الشرعية تشمل جهاد النفس، وجهاد العدو الظاهر لدفع الظلم، وجهاد الشيطان، وهي معان مبثوثة في كتاب الله بهذه المدلولات، لكن هذا المفهوم اختزل بعد ذلك وحصر في القتال المسلح مما دفع به إلى إهماله في ميادينه الشرعية المختلفة. لهذا نرى ابن تيمية مثلا يعرف الجهاد بمنظوره الشامل أنه  بذل الوسع وهو القدرة في حصول محبوب الحق ودفع ما يكرهه الحق. وبين ابن تيمية مراده بهذا المعنى حين قال: “والأمر بالجهاد – أي: الجهاد المأمور به، منه ما يكون بالقلب: كالعزم عليه، والدعوة إلى الإسلام وشرائعه، والحجة أي: إقامتها على المبطل، والبيان أي: بيان الحق، وإزالة الشبه، والرأي والتدبير فيما فيه نفع المسلمين، والبدن أي: القتال بنفسه، فيجب الجهاد بغاية ما يمكنه من هذه الأمور”. [مطالب أولي النهى 2/501] .

وأضاف زكريا إن مصادرة معاني مصطلح الجهاد الشاملة وحصرها في القتال والمجابهة بالسلاح أثرت كذلك على معنى الشهادة عند إطلاقها، فإن النص الشرعي صحح فهم الصحابة للشهادة وحصرهم حين سألهم الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: “ما تعدون الشهيد فيكم”؟ فقال الصحابة: من قتل في سبيل الله، فكان من جواب الرسول صلى الله عليه وسلم أن قال:”إن شهداء أمتي إذاً لقليل، من قتل في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في سبيل الله فهو شهيد، ومن مات في الطاعون فهو شهيد، ومن مات في البطن فهو شهيد.. والغريق شهيد”.

واعتبر زكريا “التفسير السياسي” للنصوص الشرعية من أحد العوامل التي أثرت على هذا التضييق التصوري لحقيقة الجهاد لا سيما في العصور المتأخرة، ومما يقوي هذا الاختيار أن المعاني التي أشيرت سابقا لمصطلح الجهاد لم تلغ في الحقيقة من أدبيات الفقه الإسلامي كونها تذكر في معرض بيان السياقات اللغوية التي استعملت فيها الكلمة، واستند على ما أسماه أبو الحسن الندوي (عرض الإسلام في الأسلوب العصري)، بعامل الانحطاط الذي شاهدته الدول الإسلامية ووفود الثقافات الغربية، وظهور فئات مثقفة من الشباب الذين يرون ضرورة مواكبة الجديد واختزال قيم الإسلام المعرفية دفاعا عن الإسلام وبقائه. وإن كان الصحيح الذي يجب تكريسه أنه لا يفسر هذه المفاهيم الدينية إلا بطريق ممنهج يخضع لقواعد الأصول واللغة.

و أثار الدكتور صديقي إشكالية أخرى حول جهاد الطلب في الموروث الفقهي حيث تفاوت حكمه الفقهي من وجوب عيني أو كفائي أوندب، وبيان حِكمه ومقاصده من محو الكفر وإعلاء التوحيد، وكان هذا الحكم مبنيا على نظرية النسخ وتوسيع تطبيقاتها في آيات السلم والحوار والمهادنة والتعاون، ورد الظلم .. حتى  زعم ابن جزي الأندلسي ومن نحا نحوه أن آية السيف نسخت ما يربو على مئة آية في الكتاب العزيز، رغم أن هذه النظرية – بحسب رأي الدكتور زكريا – مهزوزة، ووجهت بالمناقشة، فابن العربي المالكي رد هذه الدعوى.

ويرى زكريا صديقي أن هذه المغالطة تقتضي ضرورة استنطاق النصوص الشرعية والغزاة الفاتحين هل كان قصدهم من هذه الفتوحات محو الكفر حقا كما تزعمه بعض فئات الأمة .

 

 

التصنيفات:

الوسوم:

مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2017