فكر

ابن حزم أمريكي

29 أبريل, 2014

0
مشاركة

سلطان العامر

 يقول ابن حزم: «ومدعي التأويل وتارك الظاهر تارك للوحي ومدع لعلم الغيب». هذا حكم قاسٍ، يصدره ابن حزم على الانصراف عن المعنى الظاهر من النص، إلى أي معنى آخر، بأي وسيلة أخرى، لم يحددها ظاهر النص نفسه. بل حتى الحكم على الشيء بحسن، أو قبيح لا يكون إلا بنص، إذ يقول ابن حزم «وما قبح الكفر إلا لأن الله قبحه ونهى عنه، ولولا ذلك ما قبح».

هذه الظاهرية الصارمة في التأويل هي ما اعتمدها بابا الكنيسة الكاثوليكية بندكت السادس عشر، في محاضرة ألقاها عام ٢٠٠٦، هدفاً لانتقاد الإسلام. ففي هذه المحاضرة نسب البابا إلى التقاليد الإسلامية تصوراً للإرادة الإلهية مطلقة القوّة ولا تحدها حتى العقلانية. وكان النموذج الذي استشهد فيه بهذا الخصوص هو ابن حزم وموقفه من التعليل بالعقل.

إن ما دفعني إلى استذكار كل هذا هو كتاب قرأته بعنوان «مسألة في التفسير» لأحد قضاة المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأميركية أنتونين سكاليا، إذ لفت انتباهي تشابه كبير في المواقف بينه وبين ابن حزم.

إذ يتساءل في هذا الكتاب: «ما الذي نبحث عنه عندما نريد فهم نص قانوني؟»، فتأتي إجابته: «نحن نبحث عن النيّة بعد أن تحولت إلى شيء موضوعي (= أي إلى النص)، هذه النيّة التي يستطيع أي شخص عاقل أن يستوعبها من نص القانون».

والبحث عن هذه النيّة الموضوعية (أي النيّة المضمنة ظاهرياً في النص) أفضل، بحسب سكاليا، من البحث عن نيّة أو مقاصد خفية. لسببين، الأول: أن القضاة إذا انطلقوا من تفسير النصوص من البحث عن النية الكامنة في القضاة، فإنهم بذلك يؤسسون نوعاً من حكم الطغيان، حيث يُحاكَم الناس على معنى خفي للنص، عوضاً عن معناه الظاهر المفهوم لديهم مباشرة. فبالنسبة إلى سكاليا: «القانون هو الذي يمارس الحكم، وليست نيّة المشرع». أما الأمر الآخر – وهنا نستطيع أن نجد تشابهاً مع ابن حزم – فهو أن القضاة ينزعون عادة في طريقهم نحو البحث عن النيّة الخفيّة، «سيقومون في الحقيقة ببث أهدافهم وتطلعاتهم…».

هذه الطريقة التي يتبناها سكاليا في تفسير النصوص يسميها – إذا ما أردنا الترجمة الحرفية- «النصوصية»، في حين أن الترجمة الأفضل هو «الظاهرية»، للتشابه الشــــديد بيــــنه وبين منهج ابن حزم.

وبحسب هذه الطريقة – كما يؤكد سكاليا – يكون على النصوصي، أو الظاهري، تفسير النصوص بشكل معقول، بحيث يستطيع أن يجعله يستوعب كل ما يمكن أن يعنيه. كما أنه يؤكد أن النصوصي يتحاشى التأويل الحرفي للنص، ويضرب على ذلك مثالاً، حيث قام شخص بمقايضة شحنة من المخدرات بسلاح. فالقانون يؤكد أنه إذا رافقت مقايضة المخدرات «استخدام السلاح» فإن العقوبة يجب أن تكون مغلظة. وبناءً على هذا القانون حكمت المحكمة بالعقوبة القصوى. يعترض سكاليا على هذا الحكم، بالقول إن معنى «استخدام السلاح» معروف أننا لا نقصد به إلا الاستخدام بمعنى الرغبة في القتال به، ومن ثم يكون استخدامه وسيلةَ مقايضةٍ لا يدخل ضمن هذا التعريف، إلا أن المحكمة أصرّت على هذا الحكم الحرفي.

إن هذه الرؤية التي يتقدم بها سكاليا – لو أُخِذ بها – ستقلص في شكل كبير قدرات القضاة على التدخل في مضمون الحكم، وعلى عدم إدراج تفضيلاتهم الشخصية، ولا الدفع بآيديولوجياتهم الخاصة، لتأكيد ذلك. بل كل ما على القاضي عمله هو احترام حدوده في نظام سياسي يجعل من القدرة على الحكم الأخلاقي وتشريع القوانين من صلاحيات الكونغرس في شكل رئيس.

وهذه الطريقة تتيح كثيراً للديموقراطية أن تعمل من دون تدخلات من المحكمة العليا بحيث تتركز المعركة السياسية في الكونغرس، من دون أن تنتقل إلى القضاء، كما هو حاصل اليوم في الولايات المتحدة.

هذه الطريقة تشبه – إلى حد كبير – منهج ابن حزم، فهي من جهة تركز على المعنى الظاهر للنص، وتعتبره العنصر الرئيس لفهم النص. ومن جهة أخرى، يرى سكاليا أن النص يجب أن تُستَمد منه الأحكام القيمية والأخلاقية، بدلاً من أن يُخضَع هو لها.

والملاحظة الأهم بينهما – على رغم وجود اختلافات متنوعة، منها أن ابن حزم ينتمي إلى التراث العربي الإسلامي، في حين أن سكاليا ينتمي إلى التراث المسيحي وتراث القانون العام الذي يعود بجذوره إلى إنكلترا، وكذلك ابن حزم أثناء كتابته كان يكتب ضد التيار الفقهي السائد في وقته، في مقابل سكاليا المحافظ الذي يُتهَم بأنه يوظِّف هذه الآلية من أجل إعاقة أي تغيير يُسعى إليه – أنهما يشتركان بترك مساحة كبيرة للأفراد خارج النص، ففي حال ابن حزم أفضى تقييد النص بالظاهر إلى توسيع مساحة المباح في شكل كبير. وفي حال سكاليا فإن تقييده لتفسير النصوص يتيح للكونغرس، أو غيرها من برلمانات حكومات الولايات أو غيرها، تمرير قوانين، في حال كانت متناغمة مع الدستور، لا يحق للمحكمة العليا أن تحكم عليها من أي منطلق غير ظاهر النص.

والسؤال الآن: هل هذا يعني أن الإخلاص للنص هو ما يضمن ترك مساحة أعلى من الحرية من إقحام العقل وتقويمه في الموضوع؟

التصنيفات:

الوسوم:

المصدر: صحيفة الحياة
0
مشاركة

جميع الحقوق محفوظة لموقع اسلام اون لاين © 2014