قبل التحدث عن "سينما دعوية" ينبغي التطرق إلى المحاولات "الفيلمية" المنتجَة حاليًّا وتعريفها والتي تتعلق بالمقولات والرسائل "الإسلامية" المطروحة على الساحة، بالإضافة إلى تصنيفها؛ وذلك لتحديد المشكلات والتحديات والعقبات، وبالتالي الوصول إلى طرق تجاوز تلك العقبات، وحل تلك المشكلات، لوضع أيدينا على مفهوم عملي واضح للسينما الدعوية، خاصة بعد أن تصاعدت في الفترة الأخيرة من قبل الإسلاميين والدعاة صيحات المطالبة بما يمكن أن نطلق عليه "سينما إسلامية"، وهذا في حد ذاته طلب مشروع (مع التحفظ على مصطلح "إسلامية" الذي يُعَدّ إطلاقه مصادرة على النقد للأعمال التي تحمل هذه الصفة)، خاصة في ظل تصاعد مفهوم "أسلمة المعرفة"؛ لتقديم بديل "مرئي" إسلامي يحض على التمسك بالعقيدة والفضائل الإسلامية، في ظل سيادة تيار جارف من انحطاط هذه القيم.
سينما
إسلامية أم فيلم إسلامي؟
يجب
في البداية التفريق بين مصطلحَي "سينما
إسلامية" و"فيلم إسلامي"،
فالأول يحمل في طياته مجموعة عوامل
متراكبة حتى تصلح هذه التسمية، فهو
يمثل اتجاهًا أو تيارًا له منهجه
وأدواته وآلياته، وإمكاناته
المادية والبشرية، وبمعنى أدق هو
مرادف لمفهوم "الصناعة المتكاملة".
فالبداية
تعتمد على العملية الإنتاجية
التمويلية لهذا المشروع، وما دام
هناك جهة إنتاجية، فإننا بصدد "مكسب
وخسارة" تعتمد على أسواق التوزيع
والدعاية ومفاهيم عدة، كمفهوم صناعة
النجم وغيره، حيث عملية جلب وحث
الجماهير على المشاهدة والإنجاح.
إلا
أن هناك عاملاً هو الأهم يتمثل في
مدى سماح نظم الرقابة المتعددة
بتأسيس مثل هذا التيار، خاصة أنه
يطرح -غالبًا- ما يتعارض مع اتجاه
ومصالح بعض النظم الحاكمة في الدول
الإسلامية.
وأما
المصطلح الثاني "فيلم إسلامي"
فهو يشمل ويندرج تحته كل الأعمال
التي تتفق مقولاتها ورسالتها مع
العقيدة الإسلامية أو حتى جوهرها،
سواء المقولات الخفية أو المباشرة،
كالأفلام الداعية إلى تماسك الأسرة
وبر الوالدين والأخلاق الفاضلة
ومحاربة الرذائل، هذا بالإضافة إلى
الأفلام الوثائقية الخاصة بأعمال
المقاومة على سبيل المثال، كأفلام
المقاومة العراقية والفلسطينية
والشيشانية، وهي النوعية الأكثر
ظهورًا على شبكة الإنترنت وبعض
الفضائيات. كل هذا نستطيع أن ندرجه
تحت مسمى الفيلم الإسلامي بعد
مراعاة المحاذير الشرعية، وهذا
بالطبع نوع من تعميم للمصطلح حتى
يشمل كل المحاولات.
الوسيط
المرئي الحر
إن
مجمل المحاولات الفيلمية الإسلامية
المنطلقة من مقولات صريحة، نجد أنها
أثبتت كفاءتها بعيدًا عن مجال
السلطة -أي مؤسسات الدولة المختصة
بالمراقبة والمعاقبة- فالشبكة
الدولية للمعلومات "الإنترنت"،
أو أقراص الكمبيوتر "السي دي"
المتداولة يدويًّا، وبعض القنوات
الفضائية الإسلامية، قد أصبحت
متنفسًا غير خاضع للرقابة على
المقولات الإسلامية المطروحة في
الأفلام.
لذلك
فإن كل المجالات غير الخاضعة لنظام
رقابة صارم هي حقل رحب لعمليات تجريب
خاصة بالفيلم الإسلامي، مهما تعددت
أشكاله ومدته ورسالته، من حيث كونه
"مقاومًا" أو "محرضًا" ضد
النظم السياسية الراهنة، أو كونه
دعويًّا خاصًّا بطرح مبادئ الإسلام
الأساسية، إلا أنه في النهاية ما زال
ضمن الإطار التسجيلي الوثائقي.
الدراما
الإسلامية المرئية والدور الدعوي
إن
الأعمال التسجيلية -كأفلام المقاومة-
احتوت بداخلها رسالة إسلامية واضحة،
وهذه بديهية لا تخفى على أحد، إلا
أننا لو أردنا أن نقدم عملاً
دراميًّا تمثيليًّا على مستوى
السينما أو الفيديو يقوم بدور دعوي،
فهو عمل ذو رسالة مسبقة. لذلك فالعمل
هنا بمثابة وسيلة لهدف آخر ونهائي،
هو الدعوة.
وتعتمد
الدعوة -غالبًا- وبشكل مباشر على
البُعْد التصريحي في عرض الرسالة
والمقولة، وبالتالي البعد عن
التأويل أو التجريد أو أي شكل باطني.
أما العمل الدرامي -ومن اسمه- فله
طريقة معينة في البناء والعرض، وفي
غالبها مرتبطة بالجذور اليونانية
المؤصلة للعملية الدرامية والتي
تعتمد أشكالاً محددة صارت كقواعد
ومقاييس لبناء أي عمل درامي، يبتعد
في النهاية عن المباشرة والتصريح.
لذلك
فنحن بصدد متطلبات لكل مجال على حدة (الدعوة
والدراما)، لكن في النهاية ذلك
يدعونا إلى أن نقول أن الأولوية
ستكون للهدف من وراء العمل، أي ستكون
للدعوة، فهي مركز الأهمية، وبالتالي
سيكون الوعاء البصري الدرامي هو
الحامل للأفكار الدعوية، مما يتطلب
محاولة إيجاد بناء درامي كلي ذي
قاعدة عملية لمحاولة بناء مفاهيم
درامية تناسب القيم والمفاهيم
الإسلامية، مثل محاولة تغيير مفهوم
"البطولة" السائد في الدراما
بشكلها الحالي، حيث يصور البطل في
الأفلام الأمريكية مثلاً بصورة تنزع
عنه صفة كونه إنسانًا مخلوقًا وتخلع
عليه بعض الصفات الإلهية، ويلاحظ
هنا وجه الشبه بين هذه الصورة وما
كان يقدم في الدراما اليونانية
قديمًا من نماذج البطل الذي نصفه إله
ونصفه بشر، كما ظهر في بعض المسلسلات
والأفلام الأمريكية مثل مسلسلي (هركليز،
زينة)، أو تقديم البطل في صورته
البشرية العادية، لكنه يقوم بأعمال
خارقة مستمدة من نفس المفهوم
الأسطوري القديم مثل سلسلة أفلام (رامبو).
فعلى
الدراما الإسلامية المرئية أن
تستبدل بهذا المفهوم للبطولة
مفهومًا قائمًا على بشرية الإنسان
وخضوعه للنواميس الإلهية والكونية،
وأنه يحقق ذاته من خلال السعي والأخذ
بالأسباب التي لا تغالب المقدور،
ولا تخرجه عن كونه مخلوقًا زائلاً،
وليس خالدًا كما توهم به البطولة
الغربية.
إلى
أي جمهور نتوجه؟
وكذلك
يدعونا هذا بالطبع إلى أن نقرر: إلى
أي جمهور سيكون هذا الخطاب الدعوي
المرئي الموجه؟ هل إلى الآخر
المخالف في الدين؟ أم إلى عامة
المسلمين لتعميق إيمانهم؟ أم إلى
التيار الإسلامي الحامل معنا لنفس
القضية والمشارك لنا في الموقع؟.
لذلك
فإننا أمام ثلاث شرائح مختلفة، مما
يستدعي اختلاف العمل الدرامي المرئي
المقدم لكل شريحة، وبالتالي اختلاف
الأفكار الدعوية المقدمة إليه.
وكذلك
ننتقل إلى نقطة أخرى هامة، وهي
إمكانية العرض بالنسبة لهذه الدراما
التمثيلية، بداية إذا كان هناك
إنتاج ضخم لفيلم كبير، أو حتى مسلسل،
فإن "الإنترنت" لا يصلح، وذلك
لانخفاض جودة الصورة المعروضة من
خلاله، حيث لا تتحمل الإنترنت عرض
أفلام طويلة نسبيًّا، فالأعمال
الصالحة للعرض عليه هي في مجملها
الأعمال المحظورة، والجمهور
يتقبلها بسبب الحظر والتفرد، كأفلام
المقاومة.
لذا
يتبقى لدينا شكل آخر وهو الأهم، حيث
القنوات الفضائية الإسلامية، وهي في
أغلبها ذات اتجاه سلفي، مما يجعلها
تشترط بعض الشروط، منها على سبيل
المثال عدم ظهور المرأة، وعدم
مصاحبة الموسيقى للعمل، بل إنها
تطالب بالبحث عن البدائل.
ولكننا
بصدد جمهور عام تعود على خبرة تلقٍّ
خاصة بالأفلام والمسلسلات العربية
المبنية على النسق الغربي، مما
يستدعي الاجتهاد في مسألة ظهور
المرأة والموسيقى بما لا يأتي على
الثوابت. وقد تم حل ذلك في إيران حيث
إن المذهب الشيعي لا يرى في التصوير
وتوابعه حرجًا أو مخالفة شرعية. هذا
عامل، أما العامل الآخر فهو أيضًا
فاعلية التوسع في إنشاء وتأسيس
القنوات العربية الإسلامية الخاصة،
حيث سيقود بالطبع إلى نوع من التنافس
المحمود على الأرضية الإسلامية
الواحدة. خاصة أنه من هذا المنطلق
نستطيع أن نجزم بأن الخطاب الدعوي
المرئي ستتحدد آليات تنفيذه بالتيار
المحرك والمتبني له، سواء كان
سلفيًّا أو جهاديًّا أو إخوانيًّا
أو من عمل المتدينين الجدد. لذلك فإن
نوعية الدراما التمثيلية المؤلفة
والمنتقاة ستتحدد دوافعها بالتيار
المتبني لها وبأهدافه الدعوية
الخاصة به. لذا فالتنوع في إنتاج
الأعمال والتجريب من خلال المحاولة
هو في النهاية في صالح الدعوة، ومن
ثَم العقيدة.
أين
نعرض؟
تتبقى
لدينا نقطة هامة جدًّا، وهي البحث عن
وسائل عرض متاحة وناجعة في هذا الوقت
الراهن، وهي تتمثل في استثمار "وسائط
مرئية حرة"، وتتمثل هذه الوسائط
في دوائر العرض المغلقة البعيدة عن
الرقابة، مثل عمل أفلام فيديو "ديجيتال"
ونسخها على "سي دي" بتكلفة
زهيدة، تتناسب تكلفتها مع حجم العرض
والجمهور، وبالتالي يمكن لهذه
الوسائط أن تعرض في أماكن تقليدية لا
تتطلب تجهيزات مكلفة، مثل النوادي،
والمنازل، والمساجد.
لذلك
فإن انخفاض سعر تقنيات التنفيذ من
تصوير ومونتاج ومؤثرات وخدع -والتي
أصبحت متوافرة منزليًّا- هي من
الفاعلية في إرساء وبناء قاعدة
محاولات تجريبية، ومن ثَم تكوين جيل
من الفنيين القادرين على صنع مثل هذه
الاتجاه (الدراما الإسلامية المرئية)
في مواجهة أنظمة الصور المعروضة
والمفروضة علينا، سواء من الخارج أو
من السلطة.
ويمكن
عبر الزمن، وحينما تتوفر إمكانية
عمل عرض عام لها، فمن الممكن بسهولة
نقلها على شريط سينمائي، وتعرض في
دور العرض السينمائية العادية.
متطلبات
يجب توفرها
ما
نريد أن نصل إليه من خلال الكلمات
السابقة يتلخص في:
1- أهمية المحاولة لإيجاد ما يسمى بـ"فقه
العمل الدرامي المرئي"، لا يتعلق
بالمحاذير المرئية فقط (العري،
الألفاظ النابية... إلخ)، ولكنه يتعدى
إلى طريقة ومنهج البناء الدرامي
أيضًا، وفق المتطلبات الإسلامية
الدعوية.
2- وجوب تبني المؤسسات الدعوية تلك
المحاولات ودعمها، وذلك بداية عن
طريق تربية وتدريب النشء على كيفية
التعامل الحرفي مع هذه الوسائط
المرئية بمراحلها المختلفة، من
تأليف وتصوير ومونتاج وإخراج... إلخ.
دون خوف من هذه المحاولات؛ لأن ذلك
يجب أن يتم في إطار من التوعية
الأسرية والمؤسسية.
3- أهمية التكامل الإجرائي والعملي
بين التيارات الدعوية المختلفة التي
تملك منافذ إنتاج وعرض، بدءاً من
الجمعيات الخيرية والنوادي وانتهاء
بمواقع الإنترنت والفضائيات. وذلك
بعد أن تصل تلك التيارات فيما بينها
إلى حد أدنى متفق عليه ومسموح به من
خصائص ومواصفات المنتج المعروض.
وذلك لن يتأتى إلا بالابتعاد عن
التقوقع والتشبث بالحدود الحرفية
للتيار، لنصل إلى استكمال عناصر
المنظومة الإنتاجية، من:
-
رؤية واضحة الأهداف لطرح الأفكار،
ومن ثَم الأولويات.
-
توفير وضمان تمويل مناسب يغطي
تكاليف الإنتاج.
-
تربية جمهور واعٍ يتقبل ويقبل على
هذه الأعمال.
بالإضافة
إلى ما تمت الإشارة إليه من وجود "فقه
للأعمال الدرامية المرئية"،
وتدريب محترفين في كافة مراحل العمل
الدرامي المرئي.