إسلام أون لاين/دعوة ودعاة
 
بريدك الإلكتروني
الصفحة الرئيسة  | دعوة ودعاة   
 

بحث        |  بحث متقدم  |  لوحة المفاتيح العربية

الدعوة بين المرئي والمكتوب.. الشعراوي نموذجًا

محمد عبد العزيز- 14/08/2005

الشيخ متولي الشعراوي

بعد أن لقي الشيخ محمد متولي الشعراوي ربه انتشرت له مجموعة من الصور الفوتوغرافية، التي تمثله وهو في أشكال ومراحل عمرية مختلفة، وتباع هذه الصور عند باعة الجرائد والمجلات، وبالتالي فهي تُعرَض بجانب صور النجوم والمشاهير حيث تقبل الجماهير على اقتناء هذه الصور.

ولعل أهم هدف لاقتناء صور هذا الداعية هو التبرك، فالشعراوي هو الداعية أو العالم الذي تعلق صوره داخل البيوت والمحال التجارية على الرغم من أنه لم يكن مؤسس طريقة صوفية أو أحد أقطابها المعروفين، بل إن كثيرًا ممن يقومون باقتناء وتعليق صور الشعراوي قد لا يكونون أصلاً من المنتمين إلى الطرق الصوفية.

كيف عرف الناس الشعراوي؟

في السبعينيات من القرن الماضي ظهر الشيخ محمد متولي الشعراوي في التلفزيون المصري بعد عودته من المملكة العربية السعودية بعد طول فترة إقامة هناك، حيث تم تقديمه من خلال عدة برامج كان من أهمها برنامج "نور على نور" والذي كان أول برنامج تلفزيوني يظهر به الشيخ بعد العودة إلى مصر.

ثم بعد ذلك تم تقديم الشعراوي من خلال اللقاءات الأسبوعية المنتظمة والتي كان من خلالها يلقي بخواطره حول القرآن الكريم، ونستطيع أن نقول إنه العالم أو المفسر القرآني الوحيد الذي قام بعملية التفسير من خلال إطار شفهي مرئي عبر شاشات التلفزيون في ذلك الوقت، والذي كان له تأثير في زيادة احترام المرجعية الدينية عند المجتمع المصري.

فالشعراوي هو شيخ العمود الأزهري الذي يظهر على شاشة التلفزيون، والذي ما لبثت حلقته أن امتدت من الجامع عبر الشاشة إلى شرائح الشعب المختلفة بل وتعدت إلى سائر المنطقة العربية والإسلامية.

نخلص من السابق بنتيجة هامة جدا، ألا وهي أن أول سبب في استمرار صور الشعراوي حتى الآن يرجع إلى أن تعريفه للشعب المصري جاء من خلال الصورة "التلفزيون" فالعامل المرئي والبصري كان العلامة الواضحة في إبراز هذا الشيخ الداعية، وليس عامل الكتابة أو الخطابة في المساجد أو معارضة النظام الحاكم، ومعظم من قام بذلك في عصر الشعراوي لا يكاد كثير من الناس يعلمهم، فالمعرفة بهؤلاء الشيوخ والعلماء والدعاة الآخرين كانت من خلال نصوصهم المقروءة والمسموعة، وليست من خلال نص مرئي كما هو الحال مع الشعراوي.

نقل التفسير من المرئي إلى المكتوب

بعد أن انتشرت حلقات الشعراوي وانتظمت أسبوعيًّا على مدار السنين، صدرت هذه الخواطر مطبوعة في أجزاء باسم "تفسير الشعراوي"، وقد انتشر هذا التفسير انتشارًا واسعًا، ولاقى إقبالاً جماهيريًّا كبيرًا، ومن ثم رواجًا تجاريًّا، وهذا بالطبع شيء متوقع نتيجة انجذاب الجماهير وحرصهم على مشاهدة وتسجيل حلقاته الأسبوعية.

إلا أنه تكررت كثيرا على ألسن قراء "تفسير الشعراوي" عبارة أن هناك فرقًا كبيرًا بين عملية مشاهدة وسماع الشعراوي وهو يفسر القرآن، وعملية قراءة تفسيره المكتوب والمطبوع، وظهر شبه اتفاق على أن الشعراوي "يُسمَع ولا يُقرَأ"، وترمي هذه العبارة إلى فقدان الشعراوي للجاذبية من خلال النص أو التفسير المكتوب. وتتجلى من هذه الملاحظة الفجوة بين النص المرئي والنص المكتوب. ويرجع ذلك إلى أن من قام بإعداد التفسير وكتابته هو شخص آخر غير الشيخ الشعراوي، حيث قام هذا الشخص بتفريغ التسجيل التلفزيوني على الورق ثم يراجع بعد ذلك من قبل الشيخ ليصبح جاهزًا للطباعة.

إن كُلا من التفسير المرئي والتفسير المكتوب - أو النص المرئي والنص المكتوب - يتميز بملامح وخصائص تجعل كلا منهما يصلح لحالة ظرفية تختلف عن الآخر. فالتفسير المكتوب على سبيل المثال يتميز بأنه وثيقة يتم تداولها عبر الأزمان، كما أنه يعتمد بداية على الكاتب في إتمامه وإنجازه على الورق، أي صنع نص مكتوب ومنضبط وفقًا لأحكام التفسير ومناهجه، وهذه هي البداية، ثم بعد ذلك طباعة نسخ متعددة من هذا التفسير، ثم يأتي دور توزيع ونشر هذا التفسير على العامة، وكلمة العامة هنا تشترط بعدًا هامًّا، ألا وهو إجادة القراءة والتعامل مع النص. وتفاعل الجمهور هنا يكون مع النص وليس مع المفسر بشخصه، فرسالة التفسير - أو الدعوة هنا أو النص - ستكون موجهة لجمهور معين وبتوزيع ونشر محدد قد يحتاج إلى فترة زمنية طويلة حتى تتكون أرضية عامة من الناس تتعاطى مع النص وتقتنع به. لذا فإن آليات وإجراءات إنجاز النص المكتوب قد تكون بسيطة، إلا أنها تحتاج كثيرًا من الوقت لبلوغ هدف الدعوة.

أما التفسير المرئي فإن له مميزات قد تكون معكوس خصائص التفسير المكتوب، ومن أهمها أن إنجاز النص مرئيًّا لا يتم إلا بحضور الشخص عينيًّا أمام المشاهد من خلال الكاميرا، وبالتالي فإنه يتطلب خصائص شخصية ومهارية معينة حتى ينجح في توصيل رسالته، فالشيخ الشعراوي على سبيل المثال كان – رحمه الله - يتميز بطلاقة اللسان وحسن البيان وخفة الظل والوجه الباسم، إلى جانب احتفاظه باللهجة الريفية التي تدل على جذوره القروية والتي أوجدت له نوعًا من الشعبية بين الناس، كذلك حرصه على الاجتهاد في شرح بعض النقاط التي تستعصي على الفهم، مع ضربه الأمثلة المتعددة للتدليل وتقريب المعنى للأذهان، وقد يستخدم من خلالها بعض الألفاظ الفكِهة حتى يسقط الحواجز بينه وبين الجمهور.

إذن فصفات الداعية الشخصية تمثل بعدًا هامًّا في عملية الدعوة المرئية، كما أن لها أهمية كبرى في تسريع وإنجاح وصول الرسالة الدعوية إلى فئات الناس المختلفة: من لا يجيد القراءة والكتابة منهم إلى جانب المستويات التعليمية الدنيا.

والخطاب الدعوي هنا - وبطريقة الشعراوي كنموذج - قد تم تقديمه لشرائح المجتمع المختلفة بسهولة ويسر، ومن ثم التعاطي والتفاعل معه كان أسرع من المتصور في تلك الفترة الزمنية، فعبارة: "كانت دروس الشعراوي سببًا في زيادة المرجعية الدينية في المجتمع المصري" لم تأتِ من فراغ. وذلك بالطبع مرهون بمؤسسة منتجة لها قنوات للعرض.

وببساطة فإننا عندما نسمع الآن اسم الشيخ الشعراوي فإنه يتبادر إلى أذهاننا فورًا صورته التلفزيونية التي كان يفسِّر فيها القرآن الكريم، والتي تظهر فيها إيماءاته وحركاته التي تقدم حالته الشخصية الكاريزمية الفريدة، والتي يتطلع العامة إلى التبرك بها من خلال اقتناء وتعليق صورة على جدران البيوت والمحال. فالتفسير وشخص الشعراوي قد توحدا لدى ذهنية العامة من خلال دروسه المرئية، والتي تختفي في حالة التفسير المكتوب، حيث تجريده من القسمات والتعبيرات والملامح الأساسية لشخصية الشيخ الداعية على الورق.

اقرأ أيضا:

عودة



دعوة للتأمل | زاد المسير  | قضايا معاصرة |  التواصل فن | تجارب دعوية | خدمات دعويةلقطة وفكرة

 

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع