آخر تحديث: الإثنين 21 محرم 1429 هـ

ابحث

 

 

 


مراتب شهداء رمي الجمار

**الدكتور نصر فريد واصل 

مما لا شك فيه أن مَن تَوفَّاهم الله تعالى في حادِث رمْي الجمرات في مواسم الحج لهم ثَوابهم الجزيل عند ربِّهم؛ لأنهم ماتوا بعد أن وَقفوا بعَرفات وتَطهّروا مِن الذنوب والآثام، وأدَّوا فريضةَ الحج، وانعقدتْ نِيَّاتُهم على تنفيذ الأوامر الإلهية إليهم بإتمام أعمال الحج فاختارهم الله إلى جِواره وهمْ يُلبُّونَ ويُهلِّلونَ ويُكبِّرونَ، فما أعظمَ ثوابَهم وأجزلَ عطاءَهم، وسيُبعثون يومَ القيامة مُلبِّينَ على الحالة التي ماتوا عليها؛ حيث إن أحد الصحابة مات في حَجة الوداع في عرفات فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يُدفن في مَلابسه قائلًا: "إنه يُبعث يومَ القيامةِ مُلبِّيًا".
والسؤال: هل يُعتبَرُ هؤلاءِ شهداء؟
والشهيد شرعًا: مَن قتَله أهلُ الحرب أو البغْي أو قُطاع الطريق، أو وُجد في المعركة وبه أثَرٌ، أو قُتِلَ ظُلمًا، ولم تَجب بقَتله دِيةٌ.
ولذلك قال صلى الله عليه وسلم حينما سُئلَ: يا رسول الله، الرجلُ يُقاتل من أجل الذكْر، ويُقاتل مِن أجل المَغْنَم، ويُقاتل من أجل إعلاء كلمة "لا إله إلا الله" فمَن في سبيل الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: "مَن قاتَلَ لتَكونَ كلمةُ اللهِ هيَ العُليَا فهو في سبيلِ اللهِ".
وصفة الشهيد تُتاحُ لأصنافٍ عدَّةٍ بيَّنها رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما قال: "الشهداءُ خمسة: الشهيد في سبيل الله أي المُقاتل في سبيل الله والمَطعون والمَبْطون والغَريق وصاحبِ الهدْمِ" (رواه مسلم) ويدخل في صفة الشهيد أيضًا المَسمومُ، ومَن قُتل دُون مالهُ، ومَن قُتل دون عِرْضه، ويُقاس عليهم مَن قُتل أثناء رمْي الجمرات في الحج.
ولكن أعلى مَراتب الشهادة وهي القتْل في سبيل إعلاء كلمة "لا إله إلا الله" وهم الذين عنَاهم الله تعالى بقوله: (ولا تَحْسَبَنَّ الذينَ قُتِلُوا في سَبيلِ اللهِ أمْواتًا بل أحياءٌ عندَ ربِّهمْ يُرزَقُونَ) (آل عمران: 169).
أما باقي أصناف الشهداء، ومنهم الذينَ ماتوا في حادثةِ رمْي الجمَرات، فهم وإنْ كانُوا شهداء إلا أنهم لا يَصلونَ إلى مَرتبة شهداء المَعارك في سبيل الله، وأجْرُهم لا يُماثل أجرَ شهداء المعركة.
أما بالنسبة لمَن زَجَّ بنفسه في الزحام قاصدًا بذلك أن يَنالَ أجرَ الشهيد، وكان بإمْكانِه تَجنُّب الزحام، فالأعمال بنِيَّاتِ أصحابها، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنَّمَا الأعمال بالنيَّات، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نَوَى".
فما دامَ أنه قصَد بزَجِّ نفسِه في الزحام الحُصولَ على أن يكون شهيدًا مُخالفًا قوله تعالى: (ولا تُلْقُوا بأيدِيكمْ إلى التَّهْلُكةِ) وقوله تعالى: (ولا تَقْتُلُوا أنفسَكمْ إنَّ اللهَ كانَ بكمْ رَحِيمًا) فيعامَل بنَقيضِ قصْده ولا يُعتَبر بهذا شهيدًا.
أما إذا كان قصْدُه إتمامَ مناسِك الحجِّ ورَمْي الجمرات، ولكن زُجَّ به في الزحام وخَرَّ صريعًا، فيُعدُّ من الشهداء ويَنال أجر الشهداء بحسب درجات الشهادة.
وأما عن نوعيات الشهداء ومَراتبهم ومنازلهم عند الله تعالى، فقد نصَّ الفقهاء على أن الشهيد الكامل هو شهيد الدنيا والآخرة، وهو المسلم المُكلَّف الطاهر الذي قتَله أهل الحرب أو البغْي، ولم تَجب بقَتله الدية، وكان موْتُه فورَ إصابته، ومن أجل إعلاء كلمة الله، وهذه هي أعلَى مراتب الشهادة.
وهناك شهيدُ الآخرة فقط، وهو الغريق والحريق والغريب ومَن مات في سبيل طلَب العلْم، وكذلك مَن مات في الزحام أثناء رمْي الجمرات ولم يكن قاصدًا الزجَّ بنفسه في الزحام للحصول على درجة الشهادة.
وهناك شهداء الدنيا فقط، وهو مَن كان غير قاصدٍ الحربَ، ولم يكن من الجنود الواقفين على خطِّ النار للدفاع عن الوطن ولا لإعلاء كلمة الله، ولكن قُتل، فهو شهيد الدنيا (فتاوى الإمام عبد الحليم محمود 2 / 108 والفتاوى الإسلامية لدار الإفتاء المصرية 
وأما عن معنى قوله تعالى: (أحياءٌ عندَ ربِّهمْ يُرزَقُونَ) فقد قال القرطبيُّ في تفسير هذه الآية ما نصُّه:
"أخبر الله تعالى في هذه الآية عن الشهداء أنهم أحياء في الجنة يُرزقون، ولا مَحالةَ أنهم ماتوا، وأنَّ أجسادَهم في التراب، وأرواحهم حيَّة كأرواح سائر المُؤمنينَ، وفُضِّلوا بالرِّزق في الجنة مِن وقت القتْلِ، حتى كأن حياة الدنيا دائمةٌ لهم. ثم قال:
وقد اختلفَ العلماء في هذا المعنى، والذي عليه المعظم أن حياة الشهداء محققة، فمن العلماء مَن يَقول: تُردُّ إليهم الأرواح في قبورهم فيُنعَّمون كما يَحيا الكفار في قبورهم فيُعذَّبون. وقال مجاهد: يُرزَقونَ مِن ثمر الجنة. أيْ يَجدونَ رِيحَها وليسوا فيها. وصار قومٌ إلى أن هذا مجاز والمعنى أنهم في حُكم الله مُستحقُّونَ للنعيم في الجنة، وأنهم يُرزقون الثناء الجميل. وقال آخرون: أرواحهم في أجوافِ طَيرٍ خُضْرٍ وأنهم يُرزقون في الجنة ويأكلون ويَتنعَّمون. وهذا هو الصحيح (تفسير القرطبيِّ 2/ 1613).
والذي تجدر الإشارة إليه في هذه الحالة أن حياةَ الشهداء حياةُ أرواح فقط إلا أنها أرقَى من حياة غيرها، بدليل قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: "أرواحُ الشهداء في حَواصِلِ طيْرٍ خُضرٍ في رياض الجنة، ثم تَأوي إلى قناديلَ مُعلَّقةٍ تحت العرْش". وللشهداء خاصية أخرى بالنسبة لأجسادهم، فإنها تَبقى بحالها حتى تُبعث أرواحُ أصحابها فتَتَّصل بها، تلك الخاصية ليست لأحد سواهم إلا الأنبياء والصدِّيقِينَ والعلماء العاملين حتى وُجدَتْ بعض أجساد المشهود لهم بالصلاح والتُّقَى باقيةً في قُبورها بحالها لم يُصبْها شيءٌ مِن البِلَى.


** مفتي جمهورية مصر العربية سابقاً

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع