الصفحة الرئيسية

مناهضة الحملة الأمريكية

بحث متقدم

استعراض واضح للقوة المسلحة*

2003/03/19

طارق علي

طارق علي

إن عددا كبيرا من الأوروبيين الذين وافقوا على قصف بلغراد الذي استمر 73 يوما، أو الحرب الانتقامية في أفغانستان، رفعوا أياديهم رعبا تجاه إمكانية العمل العسكري في العراق.. لماذا؟ عمليا لم يقتنعوا قط بالنقاشات التي قدمتها حكومة الولايات المتحدة وتابعتها بريطانيا، بأن مستودعات العراق من الأسلحة المحرمة (مقارنة بمخزون إسرائيل النووي) تشكل خطرا كبيرا على الشرق الأوسط، أو أن لحزب البعث العلماني بشراسة علاقات بعصابة بن لادن، وهذا هو سبب نزول ملايين الناس إلى شوارع أمريكا الشمالية وأوربا، وأستراليا للتعبير عن وجهات نظرهم. ولاحظت المعارضة أيضا التحول في تفكير حكومة الولايات المتحدة الأمريكية، فاعترافا بضعف مواقعها الأصلية التي تبرر الغزو بدأت واشنطن باستحضار قضيتي الإنسانية والديمقراطية التوأمين لتبرير الحرب. لقد تأخر الوقت قليلا على ذلك.

لكن هنالك مسألة أكثر جوهرية تعمل هنا، فالأغلبية المعارضة للحرب في أوروبا الغربية، وفي كل مكان آخر، تعتقد غريزيا بأن مبادرة الولايات المتحدة لا تزيد على كونها تعبيرا فاضحا عن القوة العسكرية، فهي لا تستند إلى الدفاع عن النفس (أفغانستان)، أو إلى الدفاع عن الآخرين (البوسنة، كوسوفا) بل هي محاول غير مصقولة لفرض هيمنة الولايات المتحدة على منطقة مهمة إستراتيجيا، وتأسيس سابقة خطيرة جديدة في القرن الـ 21 في حال نجاح الغزو، الضربات الاستباقية كانت سلاح هتلر وموسوليني المفضل في الثلاثينيات، وقلدتهما إسرائيل بعد ذلك بسنوات كثيرة عام 1967، وإذا ما قامت الولايات المتحدة باحتلال العراق، فإن تأثير مثل هذا الحدث يمكن أن يؤدي إلى هز استقرار نظام ما بعد الحرب الباردة كله. القوى الإقليمية -الصين والهند، وجنوب أفريقيا- يمكن أن تستخدم هذا المثال لحماية مصالحها الخاصة.

إن أساس العدوان الأمريكي هو الفهم الفج لما يكسب الوطن العربي أهميته: أكبر احتياطيات النفط الرخيص في العالم. وهذا هو سبب إعلان الخارجية الأمريكية عام 1945 أن الاحتياطي النفطي في الجزيرة العربية يشكل "مصدرا هائلا للقوة الإستراتيجية، وأحد أعظم الجوائز المادية في تاريخ العالم" ويفسر هذا الواقع حروب النفط المختلفة التي وقعت سابقا، إضافة إلى حرب أخرى يتم التخطيط لها حاليا.

إن الجدل بأن النفط ليس حافزا -لأن المجهود الحربي يكلف الولايات المتحدة كمية هائلة من المال- يضيع الهدف فالاستثمارات الابتدائية تشكل دائما مجازفة، لكن نفط العراق يمكن أن يقدم للولايات المتحدة عائدا اقتصاديا محتملا هائلا.

إن مغامرة الولايات المتحدة المضللة في العراق تقودها عوامل أخرى بالطبع. فإسقاط صدام حسين يمكن أن يعطي للولايات المتحدة بلدا عربيا يمكن منه إعادة صياغة المنطقة سياسيا وهو ما لا يمكن عمله من خلال إسرائيل أو السعودية. ولا يقدم عدد من العقائديين داخل إدارة بوش بعكس أشباههم من الأوروبيين المتذرعين، أي محاولات لإخفاء تلك الرغبة عن الجماهير والأبعاد الجغرافية السياسية، لكن تكون مقصورة على الوطن العربي، فكما كان قصف الولايات المتحدة لهيروشيما وناجازاكي عبارة عن رصاصات على الصاري السوفيتي، فإن احتلال العراق مصمم جزئيا كعرض للقوة الاستعمارية على اللاعبين الكبار في أوروبا والشرق الأقصى، الصين بشكل رئيسي.

لكن الجائزة الحقيقية هي النفط والتأثير على المنتجين الكبار. ويستهدف صقور الولايات المتحدة خصخصة الصناعة النفطية العراقية بعد إخراج صدام؛ مما سيؤدي إلى زعزعة أوبك بشكل كامل. كما أنهم يريدون إعادة فرض الدولار باعتباره عملة العراق الاحتياطية ففي عام 2000 بدأ صدام بالمطالبة بأن تدفع جميع صادرات النفط باليورو، وإذا قدر لبلدان أخرى مثل فنزويلا وإيران أن تقوم بالإجراء نفسه فإنه سيكون من الصعب إخفاء أثر ذلك على اقتصاد الولايات المتحدة الضعيف أصلا.

ومن المؤكد أن ذلك لم يغب عن تفكير الرئيس بوش الذي يمكن تلخيص فلسفته الإستراتيجية ببساطة: حين تحتاج الإمبراطورية إلى استثارة، فأرسل رجال مشاة البحرية.


* المقالة منشورة بالنيوزويك –الطبعة العربية بتاريخ:11 مارس 2003، بعنوان "عرض واضح للقوة المسلحة"


:شارك في تحرير أبواب الملف على

stopthewar@islamonline.net


 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع