الصفحة الرئيسية

مناهضة الحملة الأمريكية

بحث متقدم

حاكموا بوش وكل مجرمي الحرب الأمريكيين

2003/03/23

د. أسامة القفاش

من حوالي 40 عامًا أو 39 عامًا على وجه الدقة انطلقت قذائف مجهولة الهوية لتصيب سفينة حربية أمريكية في خليج تونكين في الهند الصينية، واتهم الرئيس الأمريكي ليندون جونسون حكومة فيتنام الشمالية (وقتها حيث كانت فيتنام مقسمة إلى جنوبية وشمالية) بأنها وراء الحادث. وأصبح الحادث ذريعة الإدارة الأمريكية لقصف جوي مكثف ومجنون ضد كل مدن فيتنام الشمالية في أسوأ مجزرة بشرية في التاريخ حتى هذا الوقت.

انطلقت القاذفات العملاقة من طراز B52 لتدمر ميناء هايفونج الفيتنامي بالكامل، وتدمير العاصمة هانوي وكل المدن والآثار التاريخية في فيتنام دون استثناء، كان الدمار شاملا ومروعا.. وبالمناسبة شاركتها في التدمير هذه المرة أيضا "أستراليا".

وبالمناسبة أيضا كان الدمار باسم الحرية والديمقراطية ودفاعًا عن حياة الجنود الأمريكيين الذين كانوا في فيتنام الجنوبية لحماية حكومتها "الصديقة" (أي "العميلة").

في غفلة من الإدارة خرج موظف صغير على العالم صارخًا: "هذه الحادثة مفبركة، نحن الذين أطلقنا النار على سفينتنا"، القصف الجوي الوحشي كان مقررًا سلفًا، ولكننا كنا في حاجة لذريعة!! كان هذا الموظف هو دانييل الزبرج مؤلف الكتاب الشهير "أسرار البنتاجون"، الأمريكي الشجاع الذي قال مؤخرًا رأيه في الحرب المجرمة التي تخوضها إدارة بوش الأمريكية للسيطرة على العراق تمهيدًا للهيمنة العالمية، وما أشبه الليلة بالبارحة!!

أدت هذه الفضيحة إلى أمرين: الأمر الأول كان تزايد حركة مقاومة الحرب في الولايات المتحدة، وانضمام جماهير غفيرة من الأمريكيين لها في أكبر حركة عصيان مدني في التاريخ الأمريكي، وهكذا عرفنا الفهود السود بقيادة أنجيلا ديفيز وستوكلي كار مايكل وفريد هامبتون، وعرفنا مايا أنجلو ونعوم تشومسكي وتوم هايدن، وظهر أيضا مارتن لوثر كينج، والحاج مالك الشباز، ومحمد علي، وجين فوندا. كان الرفض عارمًا وشاملاً.. رفض للتفرقة العنصرية، رفض للحرب، رفض للسيطرة الذكورية...، تحققت مكاسب كثيرة للمجتمع الأمريكي نتيجة هذه  الحركة القوية.

الأمر الثاني كان الرفض العالمي الذي اتخذ شكل مظاهرات غضب وبرقيات احتجاج ومحاصرة السفارات الأمريكية، ومحاكمة دولية لجرائم الحرب الأمريكية في فيتنام!!

نعم محاكمة شعبية تحت اسم محكمة "ضمير العالم"، دعا لهذه المحكمة كل من الفيلسوف البريطاني الكبير برتراند راسل والفيلسوف الفرنسي الشهير جان بول سارتر. كان الغرض تجميع أكبر قدر ممكن من الوثائق التي تدين العدوان الأمريكي على فيتنام، وتثبت أن أمريكا ترتكب جرائم حرب هناك، سواء من حيث مبرر العدوان (الذي ثبت أنه مفبرك وكاذب) أو من حيث جرائم الحرب الفعلية من قبيل استخدام النابالم الممنوع دوليا والغازات السامة والأسلحة البيولوجية الفتاكة القاتلة للحياة والمدمرة للبيئة، والتي أدت إلى تصحر مناطق كبيرة من دلتا نهر الميكونج في فيتنام، وتجويع الشعب الفيتنامي الذي ما زال يدفع ثمن هذه الجرائم حتى الآن.

كانت السابقة التاريخية لهذه المحكمة هي محكمة جرائم الحرب في نورمبرج بألمانيا لمحاكمة النازيين بعد الحرب العالمية الثانية، والتي حاكمت وأدانت قيادات ألمانيا النازية الذين أشعلوا العالم، وارتكبوا جرائم ضد البشرية.

وكانت السابقة الأخرى هي المحكمة الشعبية التي شكلها الفيلسوف الأمريكي الكبير جون ديوي لمحاكمة الزعيم الشيوعي الروسي تروتسكي وكل من اتهم من قبل حكومة ستالين عام 1936 بالخيانة، وحكم عليه بالإعدام.

كانت المحكمة شعبية تضمنت مثقفين وكتابا وفنانين وقانونيين لإعادة فحص أدلة ستالين، وأثبتت المحكمة براءة تروتسكي والآخرين، وأدانت المحكمة التي شكلت لهم في الواقع حملة التشهير الكاذبة.

واستنادا لهاتين السابقتين تشكلت المحكمة، ودعتها الحكومة السويدية برئاسة السياسي الاشتراكي الديمقراطي الشهير الذي كان قد جعل من السويد ملجأ لكل معارضي الحرب في فيتنام "أولاف بالمة" لتنعقد هناك.

لكن فكرة المحكمة الشعبية لم تنتهِ بوفاة برتراند راسل.. بل أعيد إحياؤها في التسعينيات تحت قيادة المدعي العام الأمريكي السابق رامزاي كلارك الذي كان يعارض الحرب الأمريكية الأولى ضد العراق، وكان يرى أنه من الممكن إجبار العراق على الانسحاب من الكويت بوسائل سلمية.

ومن ثم دعا لتشكيل محكمة شعبية تجمع وثائق تثبت ارتكاب أمريكا لجرائم حرب في العراق، وتبنت فكرة المحكمة شخصيات عديدة من مختلف أنحاء العالم، منها: نائب رئيس الوزراء الباكستاني الأسبق الشيخ محمد رشيد، والمحامي وداعية الحريات الياباني سوسومي لوزاكي، وعضو مجلس النواب الأردني بسام حدادين، وشريف حتاتة الكاتب المصري وغيره.

انظر: Final Judgment: International War Crimes Tribunal

وتحولت الفكرة إلى حقيقة دولية في لاهاي بهولندا لمحاكمة مجرمي الحرب في البلقان، وكان أكبر صيد وقع في شبكتها هو رئيس يوغوسلافيا السابق سلوبودان ميلوسفتش.

إن فكرة المسئولية التاريخية للرؤساء عن الجرائم التي ترتكب ضد الإنسانية أصبحت واقعا مقبولا في القانون الدولي اليوم.

وعلى أساس هذه الفكرة أصدر القضاء البلجيكي مؤخرًا قرارًا باستمرار محاكمة رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية (وهي جرائم لا تسقط بالتقادم) في صابرا وشاتيلا.

وعلى أساس هذه الفكرة أيضا طالب القاضي الأسباني جوزمان بإلقاء القبض على الرئيس الشيلي السابق الديكتاتور أوجستو بينوشيه لارتكابه جرائم ضد شعبه. وتم إلقاء القبض عليه فعلا في إنجلترا ووضع قيد الإقامة الجبرية، ولكنه لم يرحل لأسبانيا ليحاكم، ولكن أعيد لشيلي تحت دعوى عدم كفاءته العقلية والصحية وهي حيلة مذلة حقا؛ فهذا الرجل كان يظن نفسه مبعوث العناية الإلهية لإنقاذ شيلي من الفساد والشيوعية، يضطر لادعاء الخلل العقلي وقبول هذا لكي ينقذ نفسه من المحاكمة (أي هوان! وأي مذلة!).

السوابق كثيرة، وعدالة السماء حق، والله سبحانه وتعالى يمهل ولا يهمل.

دعونا نستخدم هذه الآلية الشعبية الدولية والقانونية.. فكل العناصر اللازمة لتفعيلها قد توافرت:

* غضب دولي عام ضد أمريكا وغطرستها.

* خرق واضح لقرارات الأمم المتحدة وعدم التزام تام بالشرعية الدولية.

* جرائم حرب على أرض الواقع.

* وغضب جماهيري وحركة رفض كبيرة في الولايات المتحدة ذاتها.

إننا ندعو لتشكيل محكمة شعبية دولية لضمير العالم لمحاكمة الرئيس الأمريكي جورج بوش ومن معه. ستحدد هذه المحكمة المسئولية التاريخية للإدارة الأمريكية عن الدمار اللاحق بالعراق، وستوفر الأرضية الشرعية لمحاكمة المتهمين أمام محاكم دولية مثل المحكمة الجنائية الدولية (رغم عدم اعتراف أمريكا بها).

وستكون المحكمة بمثابة منبر قانوني يعبر عن هذا الغضب الشعبي العالمي وسخط شعوب العالم على إدارة بوش.

يمكننا أن نتحرك، وأن ندعو، وأن ندعم، صوتنا مهم، ويمكننا أن نفعل شيئًا.

يمكننا المشاركة باقتراح أشخاص للمشاركة في المحكمة؛ فالمثقفون والكتاب والشخصيات القانونية المعارضة للحرب كثيرة. ونعتقد أن مشاركتهم في محكمة الضمير تلك ستكون أمرًا مقبولاً بل ومطلوبًا منهم.

إن اليأس والغضب لن يفعلا شيئا، لكن تحويل الغضب والسخط لفعل حقيقي سيؤثر ولو على المدى الطويل، إن علينا أن نفعل، والنتائج على الله سبحانه وتعالى.

وفقنا الله سبحانه وتعالى إلى ما فيه الخير والصواب.


:شارك في تحرير أبواب الملف على

stopthewar@islamonline.net


 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع