|
إلى
الجرح العربي الممتد
بطول
جسد الأمة
وإلى
أبناء العراق الشقيق
نحو
فجر عسير الطلة
إلى
الجرح العربي أهدى الشاعر المصري
الكبير عبد الرحمن الأبنودي أحدث
قصائده (بغداد) والتي صدرها أيضًا
بكلمات من قصيدته تقول:
أمريكا
يم العراق زاحفة بلا قوانين
زي
إسرائيل اللي قاتلة ولادنا في فلسطين!
ويبدو
أن شاعر الجنوب الأشهر عبد الرحمن
الأبنودي قد وصل ذروة غضبه -على الأقل
شعريًا- في هذه القصيدة التي كتبها قبل
أيام من انطلاق العدوان الأنجلو أمريكي
على العراق، وألقاها على الآلاف الذين
احتشدوا في مدرجات استاد القاهرة
رافضين الحرب على العراق، وتلقتها بعض
الفضائيات بعد اندلاع العدوان لتبثها
بين الفواصل الإخبارية والتحليلات
العسكرية، لتكون هذه القصيدة الغاضبة
كالرمضاء لمن جاء يستجير من النار!
ولم
تقتصر حالة الغضب على كلمات القصيدة
إنما امتدت للأجواء المحيطة أيضًا، ففي
أثناء إلقاء الأبنودي لها في مركز
رامتان انطلق هاتف إحدى السيدات
بالقاعة، فما كان من الأبنودي إلا أن
طردها من القاعة كلها حتى يواصل إلقاء
القصيدة، وتحول من الهجوم على السيدة
إلى الهجوم على الأنظمة العربية كلها
"التي تقوم بغسيل مخ للجماهير، لذلك
أصبحنا نعيش حالة بلاهة فكرية!" وأبدى
عدم تفاؤله بالوضع الحالي على الرغم من
تفاؤله أيام النكسة! (هزيمة 1967).
ويبدو
أن هذه الحالة العصبية والعصيبة التي
أحاطت بالشاعر الكبير قد انتقلت بوضوح
إلى القصيدة، فعلى الرغم من امتلاء شعر
الأبنودي بالكثير من أنات الغضب على مدى
رحلته الطويلة مع شعر العامية والتي
امتدت لأكثر من نصف قرن منذ تخرجه في قسم
اللغة العربية بآداب القاهرة، وعبر
أكثر من خمسة عشر ديوانًا، تبدو قصيدته
الأحدث "بغداد" الأكثر غضبًا، ربما
لتناسب طبيعة الظرف الذي أحاط بميلاد
القصيدة، فيسجل الأبنودي من خلالها
غضبه من الأمة كلها ومن الذات وحتى من
الكلمات.
تبدأ
القصيدة بنوع من الاستسلام الثائر، إن
صح التعبير، فيقول الأبنودي:
مهما
أقول أو تقول.. إيه راح يفيد الكلام
حكامنا
صاحبوا العدو، وإحنا رحنا ننام
قالوا
لنا: "حنحلها إحنا في خمس تيام"
آدي
بداية انهيار الأمة قدامنا
بعنا
حقيقتنا وسكنا في أوهامنا
عشنا
وزادنا الخطب.. كرهتنا أحلامنا
أنا
ما بنيت الدار إلا لأحارب
ودار
بلا حرب.. عليا حرام!
هذا
الاستسلام الثائر ما يلبث أن يتحول إلى
مشهد غاضب يلخص مأساة العراق:
آدي
العراق منطرح على المقصلة بناسه
مستني
حكم الغريب الجاي.. بمداسه
يدوس
على الأمة وتسمعنا أنفاسه
وإحنا
بنسأل: "صحيح فيه حرب يا إخواننا".
وتتصاعد
غضبة الأبنودي لتشمل الأمة كلها
وبأسلوبه الساخر المعتاد يجلد الذات:
قال
إحنا لؤما قوي وقال إيه بنتحايل
وقال
بنخفي السلاح في الضل لو مايل
في
لقمة الطفل أو في مشية الحامل
سلاح
رهيب مستخبي فيه دمار شامل
يا
ريت يا سيدي.. ماكانش الحال بقى مايل
ولا
كنا نتسول التأييد من الغربا
والجرح
يوسع يوماتي ولا طب ولا طببا
وأقلها
كلب.. يشتمنا.. ويتطاول
ويتوغل
الأبنودي إلى عمق الجرح ويتوجه بخطابه
اللاذع إلى الأمريكيين أنفسهم:
حكايتكو
يا الأمريكان ألغز من الألغاز
وف
تبريراتكو المريبة باشم ريحة الجاز
الكدب
على وشكم ما ينقصوش برواز
شعب
العراق لن يموت.. الموت لكم إنتم
انتوا
اللي جرتوا عليه.. وانتوا اللي أجرمتم
ولا
راح نفوت طارنا مهما رجعتوا وبعدتم
يادي
الرئيس اللي على قول الضلال.. أدمن
وبالطبع
يقصد الأبنودي بالرئيس الذي أدمن
الضلال.. الرئيس الأمريكي جورج دبليو
بوش والذي ينال الجانب الأوفر، حتى
الآن، من شظايا غضب الأبنودي فيصفه في
إحدى مقطعات القصيدة بأنه (ديب جعان
شارد) وفي نفس المقطعة يصفه أيضًا بأنه (نعجة)
و(مارد) و(بارد) فيقول:
مطلوق
علينا.. كإنك ديب جعان شارد
وجاي
علينا.. بتتمطع قوي.. وفارد
من
"كوريا" نعجبة وعلينا جاي عامل
مارد
لا
انت عمي.. ولا أمي.. ولا الوالد
علشان
ما تنزل بلادي بكل أسلحتك
تنقذني
م اللي حاكمني.. كنت عينتك؟
عارفك
ما تعرف يا قاتل.. إلا مصلحتك
مش
أنظمة! إنما قابلينها يا بارد!
وتتناثر
شظايا غضب الأبنودي لتطال الأمة كلها
فينفجر في قوله:
يا
أمه قومي بقى.. ده انتي فضحتينا
الأمريكان
سكنوا مش وسطينا.. لأ فينا
واللا
اليهود اللي سرقوا حتى أغانينا
خسرتوا
الأراضي وقتلوا هناك أعز الولد
الشهدا
أكوام على أكتافي.. اوعى تعد
أبدان
جميلة.. بتأكلها النسور والحد
إحنا
انتهينا.. تعالوا ياللي بعدينا
وتصل
غضبة الأبنودي ذروتها وهو يصف الأمة
بأنها ترمي ضميرها للكلاب (ببلاش) وأنها
قبلت مصيرها وهو (خدمة الأوباش) وهي
تنتظر ظهور صلاح الدين بينما هي تقتل كل
من يصد الأعداء وبالتالي لن يظهر صلاح
الدين (ولا حتى زفت الطين).
ويوجز
الأبنودي الحل (ما عادش إلا انتظار
الموت يا إما نقوم نحمي الوطن بالصدور..
ونفجر المكتوم)
فبينما
كل الشوارع تصرخ تفضح فكرة المجنون،
يقصد بوش، (إلا إحنا ارتحنا قدام أي
تليفزيون. ونقف أمام عدونا جملان.. لكن
على بعضنا ديابة)، والكل ينتظر ساعات
المؤتمر، يقصد مؤتمرات القمة، (تمضي) أي
تمر حتى "يجري على دار العدو (يمضي) أي
يوقع.
وينهي
الأبنودي قصيدته بنداءين، الأول للشباب:
أنا
باهيب بالشباب.. انسوا اللي قضّوا العمر
يتكلموا
ويخطبوا وسابوا سنينكو.. تمر
دا
انتوا القلوب الفتية والوجوه السمر
ترضوا
تبيعوا الوطن بتفاهة الغايات؟
وتبقوا
انتوا وأعداء الوطن إخوات؟!
متربصة
بيكوا أم العولمة والجات
تتمسحوا
م الكون كما مسحوا الهنود الحمر؟
أما
النداء الثاني فيوجهه الأبنودي إلى
بغداد أم التاريخ والحكمة والأشعار،
فلم يعد إلا الصمود (فالليل آخره نهار)
ويختتم القصيدة بنداء شبه أخير:
بغداد..
بغداد..
الدنيا
كلتها تهتف باسمك المظلوم
بكره
الجراح تندمل.. عمر الظلام ما يدوم
أطفالك
اللي التاريخ حيحكي قصتهم
ونساكي
في صبرهم الدنيا نسيتهم
يا
دي العراق العريق صحي العرب م النوم
يا
طاعم المحرومين.. إزاي تبات محروم؟
ومهما
كانوا الطغاة.. الدار لأهل الدار
الدار
لأهل الدار
الدار
لأهل الدار
استمع
إلى : 
**
مصري صحفي
|