الصفحة الرئيسية

مناهضة الحملة الأمريكية

بحث متقدم

إيران بين الاستعمار والثورة

إيران.. والبديل الحضاري 

2003/04/30

فاطمة حافظ  **

الإمام الخميني

كان المشهد السياسي لإيران في مطلع الستينيات يشير إلى أن البلاد قد دانت بالتبعية المطلقة للغرب في شتى مناحي الحياة، وأن قوى التغريب التي وقفت الولايات المتحدة على رأسها قد حققت بعض أهدافها فتم إلغاء التقويم الهجري وحل محله التقويم المجوسي، وأقدم الشاه على إلغاء القسم على المصحف بالنسبة لأعضاء المجالس النيابية والمحلية، وبدا الشارع في طهران وواجهات المحلات نسخة مكررة من العواصم الأوروبية.

وفي الجانب المقابل كان المشهد يحمل نذر مواجهة مرتقبة مع قوى الاستعمار والتغريب؛ فالجماهير كانت معبأة بفعل التغريب وبفعل السيطرة الأجنبية التي أحكمت قبضتها على إيران، فأطبقت على أعناق الشعب الإيراني واقتصاده ومنابع ثرواته، وإذا شئنا أن نوجز سمات الحركة الوطنية الإيرانية لأمكننا أن نصفها بأنها "حركة رجل الشارع"؛ فالثورات والانتفاضات المتعاقبة التي شهدتها إيران كلها ثورات جماهيرية خطط لها وخاض غمارها المواطن الإيراني البسيط. أما السمة التالية فهي أن الحركة الوطنية قد أسلمت قيادتها لعلماء الدين؛ فالعلماء هم القادة الطبيعيون للحركة، ولعل السبب في ذلك أن طبيعة المذهب الشيعي عادة ما تطرح إشكاليات ذات صفة سياسية.

الجذور الأيديولوجية لمنظري الثورة

انتقلت قيادة الحركة الوطنية إلى مدينة قم التي أخذ يلمع في سمائها نجم روح الله الخميني العالم والفقيه، ودخل الإمام معترك الكفاح من باب الفقه السياسي، فأشهر سلاح الفتاوى في وجه الاستعمار، مخرجا بذلك الفتوى من عباءة الأمور العبادية التقليدية، ومن خلال فتاواه التي ضمها كتابه "توضيح المسائل" يمكن أن نلتمس فكر الإمام ورؤيته للاستعمار وكيفية مواجهته، فالتلازم بين الاقتصادي والسياسي، والحديث عن دور أكبر للشعوب في مواجهة السيطرة الأجنبية، والدعوة لممارسة المقاطعة الاقتصادية على مستوى الشعوب والحكومات، والتركيز على دور التجار في المقاطعة.. كلها من مرتكزات الخطاب الخميني الذي انتقيت عباراته بمهارة فائقة لتحدث تأثيرها في نفوس مستمعيه، ومن فتاوى الإمام في هذا الصدد:

* مسألة 2829: إذا كان يخشى سيطرة الأجانب على بلاد إسلامية عن طريق توسيع نفوذهم السياسي أو الاقتصادي، فمن الواجب على المسلمين الدفاع بكل وسيلة ممكنة لقطع أيدي الأجانب سواء مباشرة، أو من قبل عملائهم في الداخل أو الخارج.

* مسألة 2830: إذا كان يخشى أن يسيطر الأجانب سيطرة سياسية أو اقتصادية عن طريق العلاقات السياسية بين دولهم والدول الإسلامية؛ فعلى المسلمين أن يظهروا عداءهم بأي طريقة ممكنة، وعليهم أن يلزموا الدول الإسلامية بقطع هذه العلاقات.

* مسألة 2831: إذا خشي على سوق المسلمين من لطمة اقتصادية عن طريق العلاقات التجارية مع الأجانب، ويمكن أن تؤدي إلى الاستعمار التجاري أو الاقتصادي، فمن الواجب قطع كل صنف من هذه العلاقات وتحريم هذا النوع من التجارة.

* مسألة 2832: إذا كانت إقامة أي علاقة سواء سياسية أو تجارية بين إحدى الدول الإسلامية والأجانب مخالفة لمصلحة الإسلام والمسلمين، فمثل هذا النوع من العلاقات ليس جائزًا، وإذا أقدمت عليه دولة ما فعلى سائر الدول أن تلزمها قطع هذه العلاقات.

* مسألة 2834: لا تجوز إقامة علاقات تجارية وسياسية مع الدول التي هي أداة في يد الاستعمار مثل إسرائيل، وعلى المسلمين الاعتراض على هذا النمط من العلاقات على أي شكل ممكن، والتجار الذين يتعاملون مع إسرائيل وعملاء إسرائيل خونة للإسلام والمسلمين وأداة لهدم أحكام الإسلام، وعلى المسلمين أن يقطعوا علاقاتهم مع هؤلاء الخونة، سواء في شكل دولة أو تجار، وعليهم إلزامهم بالتوبة، وقطع علاقاتهم مع هذا الصنف من الدول ().

أما الدكتور علي شريعتي "فيلسوف الثورة الأول" فكان يرى أن الدافع الاقتصادي هو المحرك الأول للغرب، وإن كل تحركاته تتم بناء على هذا الدافع، ولا يستثني من ذلك العمليات التبشيرية التي تستتر تحت دعاوى نشر المسيحية والحضارة، فيقول: "إن الرأسمالي الصناعي في أوروبا يرسل المسيحية إلى أفريقيا حتى يروجها بين المجتمعات البدائية الأفريقية التي لا ترتدي الملابس وتعيش عارية، لكي تعرف ما العفة وما الشرف والخجل والحياء، ثم تشتري بعد ذلك الملابس المصنوعة في مانشستر، هذا هو مربط الفرس".

وتحدث شريعتي أيضًا عن البرجوازيين الإيرانيين الذين جعلوا أنفسهم واسطة لترويج بضاعة الغرب الاستهلاكية في مجتمعاتهم الوطنية، فأصبحوا أداة ترويج ليس فقط للبضائع بل للثقافة والقيم الغربية، معتبرًا أن استيراد البضائع التي تحمل مظاهر وسمات الحضارة الغربية صفقة خاسرة لا يعود على المشتري منها سوى الأكاذيب.

لمحات من تاريخ الثورة الإيرانية

المتتبع لتاريخ الثورة الإيرانية يلاحظ أن التصدي للاستعمار الاقتصادي كان الملمح الرئيسي من ملامح الثورة، وقد شغل هذا التصدي جزءًا كبيرًا من التاريخ النضالي لقائد الثورة، فتعرض لسياسة الشاه المعتمدة على الولايات المتحدة وإسرائيل وما أدت إليه، قائلا: "اقتصاد إيران اليوم في يد أمريكا وإسرائيل، السوق الإيرانية خرجت من يد التجار المسلمين، ووقع التجار في الفقر والإفلاس، أما إصلاحات السادة فقد فتحت سوقًا سوداء لأمريكا وإسرائيل.. لو كان هناك نفوذ لرجال الدين لما سمحوا لإسرائيل بإحكام قبضتها على اقتصاد إيران، ولما سمحوا لبضائع إسرائيل أن تباع في إيران حتى بدون جمارك" .

إزاء هذا الهجوم الضاري لم يجد الشاه بُدًّا من نفي الإمام الخميني خارج البلاد، فلم يفُتّ النفي في عضده ومن منفاه بباريس استمر يهاجم الوجود الاقتصادي الصهيوني بعبارات قاسية: "إن إيران اليوم تعد قاعدة عسكرية لإسرائيل وفي الواقع لأمريكا، وشاه إيران هو الذي أطلق يد إسرائيل في كل أنحاء إيران وخاطر بالاقتصاد الإيراني... الآن كل اقتصاد الوطن في يد إسرائيل، أحكم عملاء إسرائيل قبضتهم على الاقتصاد الإيراني، وأكثر المصانع في أيديهم التليفزيون ومصانع أرج وشركة بيبسي كولا قاعدة تجسس لليهود" .

ولم يكتف الإمام بمهاجمة التواجد الاستعماري بل دعا في رسالة وجهها إلى النقابات في مدينة قم التجار والعمال الإيرانيين أن يبذلوا الجهد في سبيل تطوير الصناعة الإيرانية، محذرًا من أن سوق المسلمين في سبيلها إلى الاختفاء.

ولم تقتصر دعاوى الإمام على الساحة الإيرانية فقد وقف مؤيداً حق الدول العربية في أن تمنع البترول عن الدول التي تساند إسرائيل، وذلك في بيان تأييد للعرب في حرب أكتوبر دعا فيه الدول الإسلامية قاطبة أن تستعمل البترول وكل الإمكانات المتاحة لها كسلاح ضد إسرائيل، وندد بموقف الشاه الذي تخاذل عن قطع البترول الإيراني عن أعوان الدولة الاستعمارية.

لم يغير نجاح الثورة في مواقف الإمام فكان من أول القرارات التي اتخذها قطع كافة أشكال العلاقات مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وأوقف صفقة الأسلحة التي كان الشاه قد تعاقد عليها مع إسرائيل، وطالب إسرائيل برد المبالغ التي حصلت عليها ولم يقبل بأي موقف وسط في هذا الإطار.

البحث عن البديل

كان نجاح الثورة الإيرانية 1979 وعودة الإمام من منفاه إلى وطنه بعد غيبة خمسة عشر عاماً بداية مرحلة جديدة في تاريخ إيران، كانت القضية التي شغلت قادة الثورة هي الحفاظ على الاستقلال بمحو مظاهر التغريب وإزالة آثار العدوان على الوجه الإسلامي لإيران، فتم إغلاق محال بيع الخمور، والنوادي الليلية ذات السمعة السيئة، وأسقطت الأسماء الأجنبية عن الشوارع، وبعد أشهر قليلة من نجاح الثورة خطب الإمام الخميني، قائلا: "إذا أردتم أن تكونوا مستقلين، وأن تعترفوا أنكم شعب بذاته؛ فعليكم أن تخرجوا من تقليد الغرب. إذا بقيتم مقيدين ومقلدين؛ فلا تتمنوا الاستقلال.. ما دامت هذه الأسماء الأجنبية على الشوارع والميادين والصيدليات والكتب؛ فمحال أن تستقلوا".

أما التحدي الأكبر الذي واجهته الثورة فكان ملء الفراغ الذي خلفه انسحاب الفنيين والخبراء الأجانب وبخاصة الأمريكان؛ إذ لم يكن هناك كوادر إيرانية قادرة على إدارتها مباشرة فتعرضت بعض المشروعات للتعثر مثل مشروع إنتاج طائرات الهليكوبتر، ومشروع معدات التبريد. وكان الحل الذي تبنته الثورة هو توفير الكوادر الإيرانية عن طريق إعادة النظر في مناهج الكليات العملية، وهذا الحل وإن كان بعيد المدى فإن نتائجه مؤكدة، فجرى مسح شامل لحاجات الصناعة ومشروعات التنمية وفي ضوء ذلك تم إضافة أقسام جديدة لكليات الهندسة وتم حذف أقسام أخرى، وبمضي الوقت توفر لدى إيران الكوادر الفنية المدربة والقادرة على الاعتماد على الذات وصواريخ الشهاب التي تنتجها إيران حاليا خير شاهد على ذلك.

واجهت الثورة نفس التحدي حينما تعرضت للمؤسسات المسئولة عن تشكيل عقل ووجدان المجتمع مثل السينما والتليفزيون، وكانت الصعوبة أن المواد الإعلامية في معظمها كانت أمريكية تتنافى مع المبادئ التي تدعو إليها الثورة من رفض للنموذج الحضاري الغربي، ولعل هذا ما جعل دور السينما هدفًا لهجمات المتظاهرين الغاضبين باعتبارها إحدى أدوات التغريب، وفي محاولة للتغلب على المشكلة تم استيراد عدد من الأفلام الأجنبية واحتلت الأفلام اليابانية والألمانية المقدمة منها، ثم أتت الأفلام الأمريكية والأوروبية في المرتبة التالية مع استبعاد الأفلام العاطفية أو التي تتناقض بشكل صريح مع قيم الإسلام.

لم يكن من الطبيعي أن يظل اعتماد إيران على استيراد الأفلام من الخارج فالثورة كانت تريد الترويج لمبادئها؛ لذلك أولت الجهات الرسمية اهتماما بتشجيع الفيلم الإيراني الذي كان يواجه ركودًا مستمرًا خلال فترة السبعينيات بسبب المنافسة غير المتكافئة مع الفيلم الأجنبي، وبفضل هذا التشجيع تم إنشاء مجمعين سينمائيين وقفز عدد الأفلام الإيرانية المنتجة من 10 أفلام تم إنتاجها عام 1977 إلى 70 فيلمًا تم إنتاجها عام 1985، والطفرة التي حققها الفيلم الإيراني تتجاوز نطاق الكم إلى الكيف؛ إذ تم التركيز على الموضوعات ذات المضامين الإنسانية العامة والإجتماعية والتاريخية. وبفضل هذا التطور أثبت الفيلم الإيراني حضوره على ساحة المهرجانات السينمائية العالمية وحصد العديد من الجوائز.

ولا يعني حديثنا عن البديل الإيراني أننا نتبنى هذا البديل وندعو لاقتفاء آثاره وليس ذلك لأن البديل أتى ناقصًا وغير مكتمل في بعض الأحيان، بل لأن خصوصية التجربة التاريخية تفرض علينا عدم تقمص ذات أخرى غير ذاتنا، ونحن حين نعرض للبديل الإيراني فإننا نعرضه باعتباره تجربة تاريخية نجحت من خلالها إيران في تحدي الوجود الأجنبي، وأفرزت المقابل الحضاري الخاص بها.

المراجع:

1. إبراهيم الدسوقي شتا: الثورة الإيرانية "الجذور الأيديولوجية" الزهراء للإعلام العربي، الطبعة الثانية، 1988.

2. فهمي هويدي: إيران من الداخل، مركز الأهرام للترجمة والنشر، الطبعة الثانية، 1988.

3. محمد السعيد عبد المؤمن: مسألة الثورة الإيرانية، القاهرة، 1981.

4. محمد حسنين هيكل: مدافع آية الله، دار الشروق، الطبعة الخامسة، 2000.

5. محمد حسنين هيكل: زيارة جديدة للتاريخ، بيروت، الطبعة الثانية، 1985.

تابع في هذا الملف:

اقرأ أيضا:


** باحثة متخصصة في تاريخ المقاطعة.


:شارك في تحرير أبواب الملف على

stopthewar@islamonline.net


 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع