|
توطئـة:
لما
انطلقت الصحوة الإسلامية في بداية
القرن الماضي كانت الأمة تعيش تمزقًا
حضاريًّا رهيبًا، ساهم فيه الداخل
والخارج على السواء. كانت القابلية
للانهزام والتبعية والتقوقع، حالة
حملتها الأمة في ثقافة الاستبداد
السياسي والفقر الاقتصادي والجدب
العلمي والمعرفي، في واقع مهتز على
أكثر من باب، يصفه أحمد أمين في شكل
مزعج: "فساد نظام واستبداد حكام
وفوضى أحكام وخمود عام"[[1]]. فكانت
الصحوة تعبيرًا عن عمق الأزمة ومحاولة
وطنية وإنسانية لتجاوزها، مثلتها في
بعدها السياسي والشمولي الحركة
الإسلامية الحديثة.
وبعد
مرور قرن من الزمن وما طاف بهذه
الأخيرة من تحديات، وما شابها من
إخفاقات ومراجعات، وما عاشتها من
نجاحات وتمكين.. فإن إطارًا جديدًا
للحالة الإسلامية بدأ يطرح نفسه منذ
عقد من الزمن، تمثل في ظاهرة التدين
الاجتماعي، أو الإسلام القاعدي
والفطري، بعيدًا عن الركب السياسي.
كانت عودة روحية أخلاقية، مثلت في
الغالب رد فعل تجاه واقع مادي متعاظم،
ومحاولة للنجاة الفردية أمام صعوبة
النجاة الجماعية التي حملت صيغتها
الحركة الإسلامية، وتأكيدًا للدور
الأساسي للأمة في أي مسار للتغيير.
وفي
تصفح أطوار هذه الظاهرة تبدو عفويتها
وفطريتها أساسًا لنجاحها؛ حيث بدأت في
الانتشار بسرعة كبيرة عمّت الأفراد
والمجموعات والمؤسسات، لا يحدها
انتماء سياسي أو وظيفي أو طبقي، ولا
يحدد إطارها فرد أو جماعة أو مؤسسة. غير
أن أسئلة عديدة بدأت تطرح نفسها في خضم
هذا المشوار وهذا الإطار الجديد
للصحوة، في علاقة هذه اليقظة مع الحركة
الإسلامية، هل هي نهاية صيغة وطرف
وتمثيل؟ وماذا بقي من أطروحة التغيير
للحركة الإسلامية المعاصرة؟ هل يعني
حديثنا هذا غفلة عنها وخبوتا للإسلام
السياسي، وانتهاء لدوره الريادي في
التغيير؟ هل توخِّي منهجية التدين
الاجتماعي تعني فشل منهجية التمكين
السلطاني، وانهيار أولوية الدولة على
المجتمع؟ وبالتالي يمثل الإسلام
السياسي محطة خاطئة في مسار التغيير؟
أم أن أدوارًا أخرى تنتظره ومحطات
جديدة تناسبه، لتجعله أكثر تأهيلا
لقيادة عملية إصلاح مجتمعه إذا وعى
مهمته وكنه دوره واستوعب واقعه؟ لتكون
منهجية التدين في لقائها مع الإسلام
السياسي الحلقة المفقودة وهمزة الوصل
المنشودة لنجاح المسار التغييري
للمجتمع، وتأكيد الدور المنسي أو
المغيّب للأمة.
المفارقة
الكبرى: شمولية الطرح وحزبية الممارسة
في
مراجعتنا لمسار الحركة الإسلامية
يطالعنا تأرجحها بين الطائفية عند
تنزيل مشروعها في تبنيها لمبدأ
التحزب، والشمولية في التنظير التي
كثيرًا ما أدت إلى تبوئها مقام المتحدث
الرسمي والوحيد باسم الإسلام، واعتبار
فهم الجماعة هو الفهم، وأن اجتهادها هو
الاجتهاد، حتى يصبح الولاء للجماعة
ولاء للدين، وأن خلافها -في غالبه- خلاف
ميوعة أو نفاق أو زندقة، إن لم يكن خلاف
تكفير!.
هذه
الطائفية عند تنزيل المشروع تمثل
نتيجة طبيعية لمفهوم السياسة القائمة
على تبني مفاهيم معينة للتمكين
والتسيير، يجتمع عليها أفراد ليكونوا
مجموعة صاحبة مشروع وبرنامج للحكم.
وتلتقي مع هذه الأطروحات أطراف
وتخالفها أخرى، وهي مسلمات التعامل
الديمقراطي والتعدد الحزبي. فالإشكال
ليس في تجنب الخطاب الطائفي والحزبي
عند التنزيل؛ لأن هذا هو منطق التحزب
والتناظر والنزال الديمقراطي، لكن
المفارقة كيف تبني مشروعًا شموليًّا
يجمع شئون الدين والدنيا بأداة حزبية
ولسان فرقي وإطار تعددي؟ وهذا
يمثل -حسب ظني- التناقض الذي حملته
الحركة الإسلامية الحديثة بين أحشائها
منذ ولادتها.
كان
جواب مؤسسها الأول حسن البنا صريحًا في
هذا الباب حتى يتجنب هذا الوضع، أن
الحزبية السياسية بغيضة، وأن الأحزاب
مصنوعة وليست حقيقية ولا تجوز في ديار
الإسلام[[2]]، وأن الحركة الإسلامية هي
أكبر من حزب سياسي، وأن الإخوان جماعة
فوق الأحزاب جميعها[[3]]. فكان رفض
التحزب وعلو المشروع مخرجًا لتفادي
هذا الإشكال. غير أن العيب الأكبر
والمطب الأخطر لهذا الطرح هو السقوط في
الشمولية عند التنزيل، واحتكار الصفة
الإسلامية، ومجانبة حالة التعدد
والديمقراطية داخل البلاد، ولعله
الاقتراب في نهايته من ثيوقراطية
مخيفة وأحادية مستبدة.
ورأى
فريق آخر -وعلى نقيض الطرح السابق- رفض
تحزب الإسلام أو الحركة الإسلامية، في
مقابل السماح بالتحزب لأطرافها، وكان
من أبرزهم الدكتور محمد سعيد رمضان
البوطي الذي عبّر عن استيائه من زيغ
الحركة الإسلامية عن الدعوة والإرشاد
وانجرافها في المستنقع السياسي وما
يجره من فتنة ومنازلة، وانهيار لقدسية
الدين وطهره، وما يتطلبه كذلك من تكتل
ومنافسة وندّية للآخرين؛ فتفقد الحركة
هذا القاسم المشترك، وتنعزل وتسقط حيث
يجب الاختلاط والنهوض[[4]].
إن
النقد الموجه لهذه الأطروحة يدور
غالبًا حول خطورة استبعاد الدين من
المعترك السياسي، والفصل انتهاء بين
الدين والسياسة، وهو ما وصل إليه بعضهم
لما دفع هذا التعليل إلى منتهاه، كما
ينذر هذا الطرح بالرجوع إلى حالة
الغيبة السياسية للإسلام التي سبقت
ظهور الحركة الإسلامية الحديثة، والتي
مثّل ظهورها ملئًا لهذا الفراغ
واسترجاعًا لدور مفقود.
إن
اللافت للنظر أن كلتا الأطروحتين
تجتمع على الدور المنشود للجماهير
وللأمة، وأن نجاح التغيير يتم إما عن
طريق تجميع الأمة تحت غطاء الحركة
الإسلامية "السياسية"، وهي
اجتهادات حسن البنا وجماعة "الإخوان
المسلمون"، أو عبر حفظ هذه الجماهير
في نطاق واحد بعيدًا عن الإسلام
السياسي الذي لا مبرر لوجوده؛ لأنه
أصبح عنصر تشتيت وتفريق للأمة، وهي
افتراضات الطرف المقابل.
من
خلال هذا الاعتبار للأمة يتجلى لنا
المدخل الأساسي لما نطرحه. فالمشروع
السياسي كان يفتقد -ولا شك- إلى هذا
المرتع الخصب وإلى هذه الملاءة
الشعبية التي يمثل رجوع الجماهير إلى
رحاب الدين ينبوعها وصمام أمانها،
وذلك عبر ما تثمره منهجية التدين من
نتائج وتحولات؛ فقد تُغيّر النفوس
وتُشبعها عبادة وسموًّا أخلاقيًّا
وروحيًّا، وهي محطة أساسية وأولية في
مسار التغيير كما عنيناه في مقال سابق[[5]]،
ليصبح الإسلام السياسي المحطة الأخيرة
فيه.
ففي
هذا الإطار وعلى خلاف أصحاب الطرح
الأول، لن يتحمل الإسلام السياسي مهمة
التغيير النفسي كما يبدو لهم، ولكن
يتركه لحالة التدين الاجتماعي، ولن
يمثل بالتالي كل حلقات التغيير. وفي
مقابل أصحاب الرؤية الثانية لا تنسحب
الحركة الإسلامية عن الركح ولا تضمحل
كما يرون، ولكن تظل تؤدي وظيفتها حزبيا
وسياسيا، مع اختلاف تدخلها في المسار
التغييري.
إن
إمكانية وصول الحركة الإسلامية إلى
التمكين لا يزال صعب المنال في ظل
الخارج الرافض والداخل المرتاب أو
المناهض؛ نظرًا لحملها لمشروع نقيض
ومغاير للمطروح، يصعب تبنيه ومساندته
دون محطات تقشف ومراحل تنزيل صعبة
ومكلفة للبلاد والعباد، والتي يمكن أن
تتعدى الجيل والجيلين؛ لذا فإن حمل هذا
المشروع لن يكون طائفيًّا تجتمع عليه
فئة فحسب، بل وجب أن يكون حامله هو نفسه
المنزّل عليه، حتى يتبناه ويعيش على
إنجاحه طوعًا دون إكراه، ويرتضي فترات
التقشف المضني والزهد، التي تتطلب
جهدًا وصبرًا ومثابرة، ولعلها تكون
الغالبة، خاصة في بداية التمكين
والتحدي، وليس نرى غير الأمة في
امتدادها القادرة على ذلك. فمشروع
الحركة الإسلامية هو مشروع تبنٍّ أكثر
منه مشروع انتماء، يتجاوز الإطار
الآني ليجمع الدنيا والآخرة؛ فتتعدى
نتائجه والمكافئة المرجوة منه البعد
المادي البحت، فمن لا أجر له هنا له كل
الأجر هناك.
قد
تتراوح أشكال التغيير وأصنافه
ومنهجياته بين تربية النفس وتهذيبها،
وتشكيل العقول وتوعيتها، وتنظيم
الاقتصاد وتخليقه، وتبديل الحكم
وآلياته. وهي محطات لا نخال أن للإسلام
السياسي دورًا مجديًا في اجتماعها تحت
مظلته في كل المراحل، وإلا وقع في
منازلة ومواجهة مع أطراف المجتمع،
سلطة ومعارضة وحتى جمهورًا. وهو ما
أسفر عن سلسلة من المواجهات بينها وبين
السلطة والمجتمع المدني والجماهير
العربية:
فقد
صار الصراع مع السلطة صراعًا للأقطاب
ونزالا حتى الموت لخلوص السلطات
القائمة في استنتاجاتها إلى أن
المواجهة غير مضمونة العواقب بدون
استعمال العضلات؛ لأن الإسلام السياسي
قد جمع كل حلقات الفضاء الإنساني،
وخاصة الجانب النفسي والثقافي
والشعوري والوجداني، معتمدًا في ذلك
على هوية الجماهير وموروثها
ومرجعيتها، التي لم يتزعزع بنيانها
الإسلامي رغم الهزات والضربات من
الداخل والخارج.
وصارت
المواجهة مع أحزاب المجتمع المدني
الذين خلصوا أيضًا إلى أن المنازلة مع
الإسلام السياسي لا يملكون كل
أوراقها، وأنها قضية مهزومة لا محالة.
وما النداء باستبعاد الدين عن السياسة
إلا محاولة سياسية من هؤلاء لهدم هذا
الرباط بين الإسلام السياسي والإسلام
المدني حتى تفقد الحركة الإسلامية
إطارها وزخمها وفعاليتها.
وبلغت
في بعض الأحيان كونها مواجهة مع
الجمهور نفسه عندما ينال البعض منهم،
تحت تأثير ظروف وحالات ووقائع داخلية
أو خارجية، الخوف والريبة من أن يتضخم
الإسلام السياسي فيأكل الحابل والنابل
وينفرد بالساحة حيث لا رقيب ولا مراجع،
فيصبح النقد عداء والمراجعة كفرًا
بواحًا.
الحركة
الإسلامية والدور الجديد:
إن
مهمة الإسلام السياسي في ظل هذا المنهج
التديني العام والصاعد تتنزل في
مرحلتين:
1.
مرحلة أولى تتمثل في عدم اقترابه من
هذا الزخم وهذه الاستفاقة الدينية
خطابًا ورجالا. فلليقظة رجالها
وخطابها ومنهجيتها وإطارها، وللحركة
الإسلامية خطباؤها ومشرفوها
وميدانها، بعيدًا عن المسجد ودور
التدين العام ومناسباته، حتى لا يصطبغ
هذا بذاك، وتختلط الأطر ويفقد كل منهما
خصائصه ودعائم نجاحه.
2.
أما في المرحلة الثانية فإن هذا المد
التديّني الذي انطلق شعيرة وطقوسًا
سوف يبحث عن البديل في مجالات أخرى؛
فلن تقتصر عبادته لربه في تسبيحات
وأذكار وريادة مسجد وصيام وعمرة فقط،
بل تتجاوزه إلى مجالات التعامل
السياسي والاقتصادي والأحوال الشخصية
والقانونية وقضايا الحكم والإدارة،
فالصلاة عادة والصوم جلادة أما الدين
فهو المعاملة، ولن يكون المدد سوى من
الإسلام السياسي.
إن
المرحلة الأولى، مرحلة الانتظار ليست
غيبة ولا انسحابًا عن الساحة، لكنه
حضور دون ظهور، وهو الابتعاد عن
الأضواء الكاشفة بلغة الإعلاميين، وهي
محطة حساسة وهامة لإنجاح المشروع
الحضاري العادل في المجتمع والدولة،
ويتطلب الكثير من الصبر والمثابرة
أمام إغراءات الواقع وإثاراته ونداءات
الأنا وأحلامه، نحو لعب الأدوار
الأولى والوصول السريع إلى كراسي
الحكم، ويدعو كذلك إلى التريث أمام
استفزازات الأطراف المقابلة.
لقد
قاست الحركة الإسلامية في عمومها من
الضرب المتواصل لهذه العلاقة الخاصة
والمباشرة التي جمعتها بالجماهير،
ووقع السعي الحثيث لاستبعادها من كل
الميادين والأطر التي تقترب منها، وهو
ما عُرف في بعض البلاد بسياسة تجفيف
الينابيع. فأُغلِقت دور الثقافة
والعلم والتربية والعبادة في وجهها
وحيل بينها وبين الناس. فنتجت عنه
مواقف متباينة من الجماهير:
فريق
فضل السلامة ووقف على الأعراف
ينتظر، غير أن تباعد المدة جعله يفقد
الأمل وينحاز نهاية إلى المعسكر
المنتصر.
وفريق
ما زال على العهد يؤمن بالفكرة،
ويؤيد المشروع، ويناضل بما يتاح له
لاستمراره ونجاحه.
وفريق
ترك المشروع السياسي، ولكنه لم
يترك الهم الإسلامي، وفضل النجاة
الفردية على الموت الجماعي.
وفريق
خابت آماله في المشروع بعدما هاله
ما وصل إليه في بقاع أخرى بلغت مرحلة
التمكين ولم يحصل التغيير والرفاه
المنتظر، واقتنع بعد حملات إعلامية
رهيبة قامت بها أطراف في الداخل
والخارج بأن مشروع الحركة الإسلامية
ليس المهدي المنتظر، بل لعله كابوس آخر
الليل!.
وفريق
مغلوب على أمره، يلعن السياسة
والسياسيين، فضل الابتعاد والانسحاب
والاعتكاف على البحث عن لقمة العيش،
والعمل على الارتقاء اجتماعيًّا
واقتصاديًّا بعيدًا عن السياسة
ومشاغلها.
وفريق
معاند معاكس ومعادٍ للأطروحة
وأهلها جملة وتفصيلا: قناعة فكر
وأيديولوجيا، أو قناعة مصالح ومراكز.
قطعة
الفسيفساء هذه مثّلت العنصر الهام في
معادلة العمل الصائب والنجاح في إحداث
التغيير في المجتمع؛ فبغياب الجماهير
وعدم التفافها وتبنيها للمشروع، تفقد
أي أطروحة مصداقيتها وشروط فلاحها،
وإذا غابت الأمة غاب الحامل والمحمول،
وانهار المشروع، وهذا ما يكاد يحصل
الآن للحركة الإسلامية باستبعاد السند
والمدد عنها، رغم صفاء الينبوع وصلاح
الرؤى وإخلاص العاملين، ورغم هذه
اليقظة المتعاظمة للإسلام الفطري.
لقد
مثلت منهجية "خلوا ما بيني وبين
الناس" التي أطلقها الرسول الكريم
صلى الله عليه وسلم أساس نجاح الدعوة
الإسلامية الأولى، والمبنية على الثقة
في النفس وفي صلاح المشروع ورشاده وعلى
تجميع الأمة حوله. غير أن هذه المنهجية
تبدو الآن مستبعدة ومفقودة. فالحركة
الإسلامية حيل بينها وبين الناس،
ومُنعت سُبل اللقاء والتواصل، وليس
لها سوى الاضمحلال أو طَرق باب
المجهول، والدخول في مواجهات عقيمة
ومتاهات ميئوسة. والبديل المطروح لهذه
المنهجية الساعية إلى الناس والمعدومة
حاليًا هو ترك الناس يسعون إلى المشروع
عبر مسارهم التديني الصاعد، بعد أن
تكتمل قابلية الأمة على حمل المشروع
وتبنّيه في بعده الشامل؛ ليصبح شعارها
بعد حين من "خلوا ما بيني وبين
الإسلام" في مرحلة التدين الحالية
التي حملتها الأمة، إلى "خلوا ما
بيني وبين المشروع الإصلاحي العادل"،
الذي تحمله الحركة الإسلامية في كل
مراحل ومحطات تواجدها.
أين
الخلـل؟
إن
مرحلة الانتظار الفاعل والذكي تستند
إلى مجموعة مبادئ وفرضيات، وقع طمسها
غالبًا عند ممارسة الحركة الإسلامية
لنشاطها لأسباب عديدة ساهم الداخل
والخارج في تعميقها، رغم تواجد بعضها
في أدبياتها وفي مراجعاتها
وتقييماتها، منها التدرج السليم وعدم
إغفال المصالح المشتركة، والرضى
بالمسموح به، والتواضع في المطالب،
وتفهم الإطار الداخلي والموضوعي
والعلاقات الدولية في عمومها.
فالتدرج
مبدأ قرآني وسنة نبوية وممارسة
حضارية، قال عبد الملك بن عمر بن عبد
العزيز لأبيه عمر: يا أبت مالك لا تنفذ
في الأمور، فوالله لا أبالي في الحق لو
غليت بي وبك القدور. قال له عمر: لا تعجل
يا بني، فإن الله تعالى ذمّ الخمر في
القرآن مرتين وحرّمها في الثالثة،
وأنا أخاف أن أحمل الناس على الحق حملة
فيدفعوه وتكون فتنة[[6]]. والانتظار شكل
فاعل ومدني للتدرج وهو يمثل محطة
تتلوها محطات.
ولعلّ
الحركة الإسلامية في عمومها قد أضاعت
في بعض تاريخها لقاءات جادة ومجدية مع
حكامها نتيجة نقص تجربة بعضها، أو قلة
وعي أصحابها، أو حبًّا في الاستفراد
والغلبة بالضربة القضية، أو شعورًا
بالعظمة واستنقاصًا لما حولها من سلطة
ومعارضة، فنتج عنه جهل وتجاهل لعديد
المصالح المشتركة التي غابت في ثنايا
الفعل المتوتر ورد الفعل، وخسرت
الحركة الإسلامية مواعيد حاسمة مع
التاريخ. كان دستور المدينة الذي وضعه
الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
محاولة جادة في بناء الجبهة الداخلية
رغم تنوعها، ومصالح مشتركة وقع
تأكيدها رغم عدم تناغم بعض أطرافها.
وكان صلح الحديبية تعبيرًا ذكيًّا عن
الهم السلمي للمشروع، ومسايرة لتطور
العقلية المقابلة نحو المصلحة
المتبادلة، يقول فيه عليه الصلاة
السلام: "لا تدعوني قريش اليوم إلى
خطة يسألوني فيها صلة الرحم إلا
أعطيتها إياها" (رواه أحمد).
كما
كانت بعض تصرفات الحركة الإسلامية في
بعض مواقفها غير قابلة للحيز من
الحريات أو من الفعل الذي سُمح لها به
في بعض الأطر والمجالات رغم قلته ورغم
ضيقه في أكثر الأحيان. وكان الأجدى
الرضا بالمسموح والعمل على إتقانه
واستغلاله واستثماره، سواء كان هذا
الفعل يتنزل في إطار دعوة بسيطة، أو
تلقين الأطفال في كتاتيب قرآنية، أو
تعليم الناس فقه حياتهم العبادية، أو
تخليق بعض الممارسات الاجتماعية، أو
حتى التواجد في منظمة كشفية، في انتظار
الأفضل[[7]].
كما
غلب على بعض المطالب التي عبرت عنها
بعض الحركات الإسلامية تجاوزها
للمقبول وحتى المعقول، ورُفعت السقوف
في بعض الفترات مما جعلها في بعض
الأحيان تعجيزية، من باب "كل شيء أو
لا شيء". وقد ساعدت بعض الفترات
الخصبة لحركات إسلامية معينة؛ نتيجة
اعتقادها بالتفاف المد الجماهيري
حولها.. في عدم تواضعها، ووقوعها في خطأ
القفز على الواقع، ونسيان حقيقة
حجمها، واستنقاص حجم منافسيها؛ فبنت
مطالبها على ركائز خاطئة، ورفعت
سقوفها، ورفضت التنازل عنها، وجعلت من
نفسها الوصي على المجتمع، فوقع
المحظور، وخسرت الحركة كل شيء[[8]].
ولكَمْ
كانت الشعارات المرفوعة من مثل "الإسلام
هو الحل" تخفي في بعضها ضآلة
الأطروحة وتهافتها وغيابها، أو عدم
واقعيتها وعدم نضجها. وحتى التي أريد
لها أن تنضج كانت المواجهات المستمرة
مع السلطات القائمة لها بالمرصاد؛
لوأدها في المهد، وتحطيم ما بدأ
بنيانه، فتُعتَقل العقول، وتغيب
الأفكار من جديد، وينحسر البناء أو
يكاد، حتى يأتي جيل آخر لتكرار المأساة
مرة أخرى، وهكذا دواليك، وكأن قدر
العمل الفكري لبناء المشروع هو الغياب
أو التهميش.
الانتظار
كمرحلة حاسمة في التغيير
إن
المنهجية المطروحة للحركة الإسلامية
في هذه المحطة في مسارها نحو الحكم.. هي
اللاحكم، في انتظار أن يتكفل ولعلّ
المجتمع بإسلاميته وتدينه الفردي ثم
الجماعي وتسود قابليته، بعيدًا عن
وصاية طرف أو كفالته. تواجد الإسلام
السياسي في المعارضة غير المعترف بها
مثّل دائمًا عند أصحابه عقبة كؤودا
يصعب في الأغلب تجاوزها، وشكل
استضعافًا مؤثرًا في مردوده، وساهم في
استنقاص دوره، وكانت حاجزًا لإشعاعه.
وهو ما سعت إليه الأطراف المقابلة،
محاولة تهميش فعاليته واستبعاد
تأثيراته. فأصبحت هذه الحالة سلبية
مؤرقة، حاولت الحركة الإسلامية غالبًا
دون جدوى تجاوزها بالحصول على الإذن
القانوني لعملها لمن رفض تواجده، أو
برفع سقوف ممارستها المسموح بها لمن
اعتُرِفَ له بحق التواجد.
ولا
يختلف واقع الحركة الإسلامية عمومًا،
خارج ديارها في المنفى، أو في داخل
أوطانها، عن حالة ترقب سلبي يتمثل إما
في مواجهة مباشرة وغير رشيدة مع
الأنظمة القائمة والتي أدى أغلبها إلى
معاناة متواصلة، وإما إلى تضميد جراح
سابقة، وإما إلى محاولة تواجد سياسي
وحقوقي معلن، وقع رفضه جملة وتفصيلا،
في ظل غياب الدعم الجماهيري، تفهمًا أو
مناصرة، خوفًا أو رفضًا وعداوة، وهو
السند الذي يمثل الركيزة الأساسية لأي
تحول أو تغيير. فمهما تعددت أنماط
الشرعية أو اللاشرعية للحركة
الإسلامية، فإنها لا تخرج عن أحوال
ثلاثة:
1
- تواجد ذي سقف عملي محدد، دافعه
الاستقرار للدولة والمجتمع، مع خطوط
حمراء لا تُتجاوز، حتى تكون الحركة
موجودة للتحكيم ولا للحكم، مثل الأردن
والمغرب.
2
- التواجد المتوتر والمرفوض، ولكن
بصيغة "قانونية وحضارية" مثل
تركيا ومصر.
3
- المواجهة القاصمة والعاصفة في المدر
والحضر مثل الجزائر.
فما
نطرحه يجعل هذه الحالة السلبية التي
تعيشها الحركة الإسلامية حالة إيجابية
للمشروع؛ حيث يصبح التواجد على
الأطراف صيغة مثلى للتواجد الأدنى
والنشاط الذكي، الذي يشكل حالة
التواجد والانتظار في نفس الوقت، وهو
ليس انسحابًا للسياسي ولا تخليًّا عن
المشروع، بل تدعيمًا مستقبليًّا له
وحضورًا أكبر في غده.
المهمة
الحضارية
لقد
كانت الردود والتفاعل الذي أظهرته
الحركة الإسلامية في كثير من التحديات
التي واجهتها، سواء الناشئة من
المجتمع المدني أو من السلطة، تعبِّر
في الكثير منه عن خلل في الوعي
بمستجدات الواقع، وقصور في الإدراك
والمعرفة بثناياه، حتى إن تساؤلاً
منهجيًّا محيرًا يفرض نفسه: هل اعتلاء
الحركة الإسلامية منصة التمكين اليوم
سينهي مشاكل التخلف والتبعية والفقر
لمجتمعاتها، ويحول دون تعميق
انتكاستها وتمديد نكبتها وإطالة
غفوتها؟ يقول عبد الله النفيسي: "ليس
من مصلحة الإسلام في هذه المرحلة أن
تقوم دولة للحركة الإسلامية؛ لأن
الأخيرة تعاني من قصور سياسي واضح،
عليها أن تتجاوزه قبل التجسد السياسي
في شكل دولة"[[9]].
إن
الدور المرتقب للحركة الإسلامية في
هذه المرحلة ليس بالهين؛ فهو يتمثل في
تجاوز هذا القصور[[10]]، عبر تكوين
أفرادها ونخبها، وفي دراسة الواقع،
وفهم أدواته، ودراية الحكم ومتطلباته،
وتعضيد المنحى النظري، وإعطائه زخمًا
فكريًّا متقدمًا حتى لا تنهزم الفكرة،
وتتعثر في الإجابة على تدافعات الواقع
وتدفقاته وتفقد حيويتها، ولعلها تتجمد
محلقة في سماء المثالية، ولن يشفع لها
إطارها الأخلاقي أو لبوسها العبادي في
غفلتها. وحتى يُطبخ المشروع على "نار
هادئة"، بعيدًا عن التسرع والقفز
على الواقع، ليس فيه تجنٍّ على المراحل
بغية التمكين السريع والوصول المتوتر؛
فيكون السقوط سريعًا ومربكًا.. فالزمن
والمرجعية والموروث تمثل عناصر تعمل
لصالح المشروع وليس ضده، وتزيد من كمال
نجاحه. والخط العام لسيرورة المجتمع
وحركة التاريخ تتجهان بحتمية ظاهرة -رغم
بعض الدخن- نحو التمكين للمشروع
الحضاري العادل.
لعلّه
يتبادر إلى الذهن بأننا حصرنا عمل
الحركة الإسلامية في مرحلة الانتظار
على الجانب الفكري، وأن دورها تحول إلى
مركز للدراسات يدعم المشروع بأفكاره
وكتاباته، وهو أمر يقوم عليه الآن
العديد من الوجوه والرواد خارج
التنظيمات وفي أروقة المؤسسات العلمية
والدينية المستقلة أو التابعة. إن بناء
مشروع متكامل للتمكين تحمله مجموعة في
صورة برنامج عملي قابل للتنزيل يختلف
جذريًّا عما يُطرح من رؤى وتصورات
متناثرة، فرغم جدية هذه المؤلفات
وصلابة عودها وأدوارها التوعوية..
فإنها تبقى فاقدة لذلك البعد المنهجي
والهدف السياسي والهم التمكيني الذي
ينحصر في مشروع الحركة الإسلامية.
فمنهجية الجواب العابر والرد السريع
لتعقيدات الواقع ومستجداته -سواء
حملتها في فتوى أو خطبة أو نصيحة- لم
تَعُد كافية، ولا تمثل أداة رصينة
وواعية لبناء مشروع متكامل ومنسجم،
رغم جدواها الظرفية في بعض الأحيان.
إن
اللحظات الحاسمة التي تمر بها الأمة
حاليًا تتطلب أجوبة حاسمة لكن غير
مستعجلة؛ ولا يغلب عليها البعد
السياسي الضيق والمحدد زمانًا
ومكانًا، ولكن أجوبة حضارية عميقة
توجب بلورة رؤى متكاملة وتصورات واضحة
وقراءة جديدة ومتجددة لتراثنا
وتاريخنا، ترفع القدسية المزيفة عن
كثير من أعمال الفكر وأقوال الرجال،
وتحدد بكل جرأة وإخلاص مكامن الخطأ
والتجاوزات، ومنابع القوة والمنشطات،
حتى يتغلب فقه التحضر والصعود، وما
أكثره رغم تعتيمه وتهميشه على فقه
الانتكاس والتقوقع والانهزام! وما
أقله رغم هيمنته في بعض محطات حاضرنا!
وللحركة الإسلامية دور ريادي في هذا
الباب إذا فقهت مهمتها الحضارية التي
تتجاوز المحطة السياسية واللحظة
الخاطفة، واقتنعت بجدوى تفاعلها مع
الواقع حركة أو انتظارًا.
ما
أردناه هو تحويل واقع الحركة
الإسلامية من انتظار سلبي بين مناوشات
ومواجهات، وسجون ومعتقلات، ومطالب
متجددة للعمل العلني ورفع سقوفه، في
مقابل رفض متكرر ومذل، من واقع متحرك
في مكانه، إلى انتظار إيجابي يتمثل في
تحضير البناء الفعلي للمشروع الحضاري
العادل، في ظل مشاركة أدنى في الحياة
السياسية العامة دون استفزاز أو إثارة.
وهذا الحضور يمثل حالة وسطًا بين
الظهور والوجود. بين البروز الدائم
والمبالغ فيه، الذي يصل حد الاستعراض
والتباهي، وبين التواجد المكتفي بذاته
المنغلق على نفسه والمفعول به، دون
إرادة أو حراك. وفي هذا الإطار لا يخلو
الواقع المحيط من إمكانية أفعال
وأقوال، لا تُغضِب ولا تؤرق، ولكنها
تبني المشوار بهدوء وسلام، وهي موجودة
ويسهل حصرها حسب ظروف كل حركة زمانًا
ومكانًا ومستجدات الواقع في الداخل
والخارج.
وقد
تعرضنا سابقًا إلى بعض الأمثلة الحية
عند ذكرنا للمبادئ والفرضيات التي
تستند إليها مرحلة الانتظار. فحديثنا
يتنافى مع الدعوة إلى تغييب السياسي أو
فصله عن الدين كما يراه بعضهم ولو في
المرحلة الأولى، بل هو حضور للسياسي
الذي لا مناص منه فكرًا وممارسة في
التحضير للتنظير وكنه منازل التمكين.
وهو حضور للتحزب أيضًا في الإطار
المسموح به، جمعية أو مركزًا أو حركة
أو نقابة أو منظمة؛ لما يحمله هذا
الجانب من أهمية مستقبلية للمشروع كما
ألمحنا سالفًا.
بعض
مشاهد الانتظار الإيجابي
لا
تمثل حالة الانتظار التي طرحناها
اكتشافًا نوعيًّا؛ فهي ليست غريبة عن
التاريخ الإسلامي ولا غائبة عن مقدّسه
النصي والقولي والفعلي. ففي القرآن
الكريم تظهر لنا قصة أهل الكهف في
الْتجاء الفتية إلى المغارة، نجاة
فردية في ظاهرها، ولكنها خلاص للمشروع
أيضًا: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ
وَمَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ اللهَ
فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ
لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ
وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم
مِّرْفَقًا} (الكهف: 16).
ورغم
أن دور الغيب كان مهيمنًا في الإرشاد
والتوجيه والإنقاذ؛ فإن الانتظار مثّل
منهجية تغيير في ظل واقع غير طيّع،
وشكّل رحمة للفتية ورشادًا للمشروع {إِذْ
أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ
فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِن
لَّدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا
مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا} (الكهف: 10).
فكان الشباب أصحاب راية التمكين، لكن
ظروف التنزيل لم تكن ناضجة لقبول
دعوتهم ونجاحها، فتدخل الغيب، وفرض
هذه الفترة الطويلة التي تعدت الأجيال
مدتها، حتى نضجت الثمرة وهيمن التدين
في البلاد. وهي عبرة أقرب إلى حالنا من
واقع الرسل؛ حيث كان الغيب فيه محدّدا
للفترة والإطار والمنهجية والنهاية.
وهو تأكيد على تجنب القفز على الواقع
ومجانبة التغيير القسري، وعدم استنقاص
دور الزمن، وتغييب الأنا وحضور
المشروع[[11]].
كما
نجد حالة الانتظار الإيجابي في قصة
موسى عليه السلام مع قومه لما خالفوا
أمر الله، وأبوا حرب الجبارين؛
فحُرّمت عليهم بيت المقدس، وفُرِض
عليهم التيه في الصحراء أربعين سنة، تم
خلالها استبدال جيل مطيع بجيل
المخالفة والعصيان.. تقبل الدعوة وفتح
المدينة[[12]]. ومات هارون وموسى عليهما
السلام أثناء هذه الفترة[[13]]، وهو رمز
إلى أن منهجية الانتظار يمكن أن تطول
لتطال جيلا بأسره، وأن يختفي خلالها
روادها وقوادها وباعثوها، من أجل أن
يبقى المشروع، وينجح في إطار جديد يحمل
القابلية لتنزيله. { قَالَ فَإِنَّهَا
مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ
سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ} (المائدة:
26).
ويمثل
عهد الحديبية حالة انتظار مهمة في
تاريخ الإسلام، وحدثًا حدّد الكثير من
توجهات الدعوة في المستقبل. ولقد كان
لحالة الهدنة التي فرضها الرسول
الكريم صلى الله عليه وسلم على أصحابه
وأغلبهم كانوا لها كارهين[[14]] فرصة
لتعليمهم الصبر والانتظار كمنهجية
للتغيير. كانت المدة الافتراضية للصلح
10 سنوات، غير أنه لم تمر سنتان حتى خرج
المسلمون لفتح مكة.
ورغم
أن الإطار الجامع يختلف عن حال حديثنا
في بعض ثناياه، فإن عبرًا هامة تتجلى
لتأكد طرحنا؛ حيث إن حالة الانتظار لم
تكن دائمًا حالة سلبية إذا تم تفعيلها؛
ففي تلك الفترة الوجيزة فُتحت خيبر،
وعاد المهاجرون من الحبشة، ووقعت غزوة
مؤتة في ملاقاة الروم، والجبهة
الداخلية ما زالت لم تنتظم بعد، وهو
تنوع في الأداء يوحي بإرادة التفعيل
وعزيمة التنزيل رغم الإمكانات
المحدودة والإطار المضيّق.
ختامًا
لقد
مثلت الصحوة على مدار القرن الماضي
ظاهرة إيجابية في مجموعها، استنهضت
الهمم، وأعادت نسبيًّا صولة القيم،
ودفعت بالأمة إلى مواطن التحدي
والبناء، غير أن هذا الامتداد وقع
تقزيمه وتحجيمه، واستُبعِدت الجماهير
طوعًا أو كرهًا عن مواطن اللقاء مع هذه
الصحوة، التي غالبًا ما مثلها الإسلام
السياسي والذي كان أيضًا أحد
إفرازاتها. غير أن ظاهرة جديدة بدأت في
الصعود منذ عقد من الزمن، يقظة إيمانية
غلب عليها البعد الروحي والرباني،
وأخذ هذا الإسلام الفطري في التعاظم
والانتشار بعيدًا عن الإسلام السياسي،
مؤكدًا دور الأمة في أي دورة حضارية
صاعدة وكل مسار للتغيير.
إن
إمكانية نجاح هذه اليقظة في تغيير
المجتمع في رحلته نحو الله رفاهة روحية
ومادية، مرتبط بعلاقة متميزة مع
الحركة الإسلامية، تملي فترة من
الانتظار والاستقلالية التامة قبل
حتمية اللقاء. ولن تكون حالة الانتظار
مغارة نضالية ولا غيبة مهدية ولا
غيبوبة مَرَضيّة ولا انسحابا ولا
تواكلا، بل هي تفاعل رصين مع الواقع،
ومراهنة على اكتمال الصورة حتى يكون
سبيل النجاح أكثر توفرًا.
كان
الرسول صلى الله عليه وسلم قادرًا على
دخول مكة قبل صلح الحديبية عَنوة،
وفتحها رغم أنف أهلها، وقتل مشركيها
وطرد قاطنيها.. لكن الغيب قرر غير ذلك[[15]]،
وكنه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
الرؤيا الإستراتيجية للفعل الدعوي
والسياسي، وتعلم المسلمون الانتظار
الفاعل، وقيمة الزمن كعامل أساسي في
فهم المعادلات وإنجاحها، والتدرج في
التنزيل والتسليم لربهم ولرسوله.
فقهوا ثنائيات النجاح عند المبادرة
والتفاعل: الفعالية والتوكل، الأمانة
والقوة، الدنيا والآخرة، الفرد
والأمة، الله والإنسان، سواء كانت
الحالة المعنية حركة أو انتظارًا!.
إن
النهضة الحضارية التي رفع شعارها
روادها الأولون من أمثال الأفغاني
وعبده والكواكبي بُنيت على أسئلة
وفرضيات هامة وقع طرحها بكل إخلاص
وجرأة، جمعها سؤالهم المنهجي "لماذا
تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟"،
وعبّرت أجوبتهم على عمق الفهم وضخامة
المهمة المناطة لتضمر هذه الحالة أو
تغيب بعد حين من الزمن، مع تغير
المراحل وتطور الرؤى، في ثنايا العراك
السياسي والمواجهات العقيمة والقاتلة
التي عصفت بالراكب والقاعد والذي ليس
عليه حرج، فهُمِّشت الأسئلة الحضارية
الكبرى التي تبني فلسفة المشروع وعمقه
النظري، وهيمنت أسئلة الاستفراد
والغلبة والمعارك الجانبية
والمواجهات السياسية، وهيمنت لغة
الشعارات والإنشاء، وغلبت سطحية
الخطاب ومنطق الرأي العابر والموقف
الحدثي، ووُظفت لذلك طاقات شبابية
كبيرة. وليس من سبيل إلى نجاح المشروع
العادل والإصلاحي للأمة، إذا لم تراعٍ
الحركة الإسلامية مراحل التغيير
ومحطاته، وكنه دورها الحضاري المحدد
والفاعل، في ظل تمدد حالة التدين
الاجتماعي وارتفاع زخمها.
شارك بالحوار حول الموضوع من خلال ساحة الحوار التي تحمل عنوان:
[1]
أحمد أمين "زعماء الإصلاح في العصر
الحديث" مكتبة النهضة المصرية 1945 ص:
4.
[2]
حتى لا نبخس الرجل حقه فقد كان
موقفه في هذا الباب اجتهادا فرديا
ورأيا حساسا: "إن لي في الحزبية
السياسية آراء هي لي خاصة ولا أحب أن
أفرضها على الناس فإن ذلك ليس لي ولا
لأحد" كما أن الحالة المصرية هي التي
بدت معنية بموقفه أكثر من غيرها " أن
الحزبية السياسية إن جازت في بعض
الظروف في بعض البلدان فهي لا تجوز في
كلها وهي لا تجوز في مصر أبدا!...لقد
انعقد الإجماع على أن الأحزاب المصرية
هي سيئة هذا الوطن الكبرى وهي أساس
الفساد الاجتماعي... وليست أحزابا
حقيقية بالمعنى الذي تعرف به الأحزاب
في أي بلد من بلاد الدنيا..." "مجموعة
رسائل الإمام الشهيد حسن البناء"
المؤسسة الإسلامية للطباعة والصحافة
والنشر بيروت
الطبعة الثالثة 1984 ص: 162 و 326.
[3]
مرجع سابق مثال ذلك
ص: 125 و215.
[4]
محمد سعيد رمضان البوطي
"الجهاد في الإسلام كيف نفهمه،
كيف نمارسه" دار الفكر المعاصر
بيروت 1993.
[5]
خالد الطراولي "التدين كمنهجية
للتغيير الاجتماعي، والدور المنشود
للأمة" بحث غير منشور.
[6]
ابن عبد ربه "العقد الفريد"
الجزء الأول، المكتبة العصرية لبنان،
ط1، 1998، ص:39.
[7]
يروي مختار بدري في مقال له تحت
عنوان "لماذا فشل الحوار بين
الإسلاميين وسلطة 7 نوفمبر؟" علاقة
حركة النهضة التونسية مع السلطة قبل
المواجهة الأليمة:" لم تكن قيادة
الحركة الإسلامية مخطئة من حيث المبدأ
لمّا أصرّت على أن تجعل ملفّ الاعتماد
القانوني لحزبها السياسي مدخلا
للعلاقة مع المنتظم السياسي والقانوني..
ولا جاوزت الأعراف الأخلاقية لمّا عرض
عليها الوزير الأوّل الأسبق في عهد
بورقيبة محمّد مزالي الاكتفاء بجمعية
ثقافية يؤمّن لها نوعا من المشاركة غير
السّياسية في مأمن من طائلة الملاحقة
الأمنية اليومية فرفضت.. كما لم تأت ما
يعيبها نظريا لمّا زهدت في المساحة
الّتي هيّأها لها الرّئيس ابن علي لمّا
سرّح معتقليها جميعا من السّجون،
واعتمد اتّحادا للطلبة قريبا منها،
وسمح لها بإصدار أسبوعية الفجر التي
كانت توزّع في الفجر وتنفذ من الأكشاك
قبل طلوع الشمس أحيانا… إلخ. لكنّ خطأ
الإسلاميين كان في الحساب السّياسي.
زهدوا في نوع من الاعتراف عاشت عليه
جماعات إسلامية عريقة في البلاد
العربية عقودا، فلمّا بنت جسورا من
الثقة بينها وبين النّخب والعائلات
الحاكمة تقدّمت في سلّم المشاركة إلى
البرلمانات والحكومات فضلا عن مؤسّسات
المجتمع المدني المختلفة. أمّا
إسلاميو تونس فقد أصرّوا على خوض
المعركة منذ البداية على مربّع الموت،
الّذي لا يقف عليه اثنان إلاّ أحدهما
قاتل والآخر مقتول.. أو قل غالب ومغلوب!"
مجلة أقلام أون لاين عدد 3، ديسمبر 2001.
[8]
يروي مفوض العلاقات الدولية لحركة
الإخوان في مذكراته أنه لما حاول
التدخل للإصلاح بين
الحكومة الجزائرية
وجماعة الإنقاذ والتقى مع
زعاماتها كيف كانت مطالب الشيوخ
شبه تعجيزية، ومن بينها خروج
المؤسسة العسكرية من الشأن السياسي.
موقع الجزيرة نت. شاهد على العصر،
سبتمبر 2002.
[9]
عبد الله النفيسي في مؤلف جماعي
"العلمانية والممانعة الإسلامية،
محاورات في النهضة والحداثة" علي
العميم، دار الساقي، ط1، 1999، ص:31.
[10]
يروي الشيخ القرضاوي أن أحد
أصدقائه كان يقول: "إذا طالبنا
بالدراسة والبحث على غرار ما يفعله
الاقتصاديون فيما يسمونه دراسة
الجدوى، قال الدراسة تأتي بعد. المهم
أن نبدأ بالعمل ونمضي ولا نقف ساكنين.
أنا أؤمن بالأعمال الناقصة! لنبدأ
العمل ناقصا أو خاطئا، ثم يأتي غيرنا
فيكمل النقص، ويصحح الخطأ." د. يوسف
القرضاوي، "أين الخلل؟"،
مكتبة وهبة، القاهرة، الطبعة
السادسة،1997، ص:48.
[11]
من الملاحظات اللطيفة أن عامل
الانتظار نجده في أطراف أخرى من سورة
الكهف، ففي قصة موسى عليه السلام مع
العبد الصالح يبدو تجاوز الانتظار من
قبل رسول بني إسرائيل مجلبة للتسرع
وعدم كنه الحكمة المرجوة من ورائه.
[12]
يروي القرطبي في الجامع لأحكام
القرآن قول
الحسن وقتادة: "ولم يدخلها أحد منهم....ودخلها
أولادهم."
[13]
يروي ابن كثير في تفسيره عن ابن
عباس قال في تفسير آية التيه:"فتاهوا
أربعين سنة فهلك موسى وهارون في التيه"
ويروي الطبري في جامع البيان: "وذكر
لنا أن موسى صلى الله عليه وسلم مات في
الأربعين وأنه لم يدخل بيت المقدس إلا
أبناءهم".
[14]
وكان ممن تألم لصلح الحديبية عمر
بن الخطاب وكانت قولته الشهيرة في هذا
الباب تعبيرا عن قلق وارتياب من هذه
الهدنة: "...ثم أتى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال: يا رسول الله ألستَ
برسول الله؟ قال: بلى، قال: أو لسنا
بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا
بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي
الدنية في ديننا؟ قال: أنا عبد الله
ورسوله لن أخالف أمره ولن يُضيعَني.
ابن هشام السيرة النبوية الجزء الثالث
ص:251.
[15]
يروي ابن هشام في سيرته أنه لما
أراد الرسول صلى الله عليه وسلم دخول
مكة في بداية عمرته، بركت الناقة على
التوجه إلى طريق يؤدي إلى مكة، فقال
الناس خلأت الناقة، فقال صلى الله عليه
وسلم: "ما خلأت وما هو بخُلُق ولكن
حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني
قريش اليوم إلى خطة يسألوني فيها صلة
الرحم إلا أعطيتهم إياها".ج الثالث ص:245،
مرجع سابق.
**
لتيسير متابعة الحديث فإن معنى واحدا
يجمع بين ما نرمز إليه تارة بالإسلام
السياسي، أو الحركة الإسلامية
السياسية، أو الحركة الإسلامية فقط،
وهي جماعات ما اصطُلح غالبا على
تسميتها بالحركة الإسلامية الحديثة.
رغم أن فهمنا للحركة الإسلامية أوسع
بكثير ليصل في أقصاه حين يلتحم الطرف
الحامل للبعد السياسي مع المد التديني
واليقظة الإيمانية في المرحلة
الأخيرة، إلى مفهوم الأمة الإسلامية
التي تمثل جزء كبيرا من الأمة المدنية.
انظر لمزيد التفاصيل مقالنا "
الحقيقة الغائبة:خطأ أن يتحزب الخطاب
الإسلامي!" مجلة رؤى السنة الثانية
جانفي (يناير) 2001، باريس. وموقع "Islam-online"
تحت عنوان "الحركة الإسلامية بين
الانتماء للطائفة والتعبير عن الأمة".
|