|

|
|
دكتور الريسوني |
حاول الدكتور أحمد الريسوني، عالم المقاصد المغربي، والخبير
الأول بمجمع الفقه الإسلامي، تفكيك ملامح صورة العلاقة بين المسلمين
والغرب، معتبرا أن هناك صراعات ومعارك دائرة بين المسلمين وبين المسيحية
وكنائسها، بالرغم من بعض التنافس والاستقطاب في مناطق الاحتكاك الدعوي
التبشيري، خاصة في القارة الإفريقية، وأن هناك تساكنا وتعايشا، وأحيانا
هناك تحاور وتعاون بين المسلمينوالمسيحيين، سواء في العالم الإسلامي أو في
العالم الغربي.
وليست هناك صراعات ومعارك بين الإسلام والمسلمين،
والعلمانية الغربية من جهة أخرى، بل كثير من المسلمين المقيمين في الغرب أو
المتعاملين معه، يؤكد الريسوني، لا يهمهم في الغرب لا مسيحيته ولا
علمانيته، وبعضهم يفضلون الغرب العلماني على الغرب المسيحي، ويجدون حقوقهم
وراحتهم مع العلمانية، أكثر مما يجدون ذلك مع المسيحية ذات الحمولة
الصليبية التاريخية.
الأسباب ليست دينية
ويرى الفقيه الأصولي المغربي في بداية سلسلة مقالات بجريدة
المساء المغربية تنشرها خلال شهر رمضان الجاري أن مشكلة الغرب مع المسلمين
اليوم ليست مع دولهم وحكوماتهم، فهو معها -أو هي معه- في علاقة راضية
مرضية، باستثناء مشكلته مع إيران في ملفها النووي وفي بعض سياساتها
الخارجية، فالعالم الإسلامي، بمعنى الأنظمة والحكومات، كله تقريبا «صديق
حميم» للغرب وللدول الغربية؛ ليؤكد أن مشكلة الغرب إنما هي مع الحركات
الإسلامية، الدعوية والسياسية، وبدرجة أشد مع الحركات المسلحة «الجهادية»،
ومشكلته أيضا مع الإسلام نفسه، فهو لا يريد ولا يقبل أن يرى الإسلام يتجذر
ويتغلغل في مجتمعاته وحياته، حتى على شكل صلاة وصيام ولحية وحجاب، كما لا
يريد ولا يقبل أن يرى الإسلام يحكم ويوجه، حتى في البلدان الإسلامية
نفسها.. أما مشكلة المسلمين مع الغرب فهي مع الساسة والسياسة، ومع الحكام
والأنظمة، وليست مع الشعوب الغربية، ولا مع الديانة المسيحية، ولا حتى مع
العلمانية الغربية.
واعتبر الريسوني أنه ليست هناك صراعات ومعارك دائرة بين
المسلمين وبين المسيحية وكنائسها، بالرغم من بعض التنافس والاستقطاب في
مناطق الاحتكاك الدعوي التبشيري، خاصة في القارة الإفريقية، وهو أمر عادي
يقع مثله حتى بين طوائف الديانة الواحدة، كما يقع بين السنة والشيعة من
المسلمين، وبين الكاثوليك والبروتستانت من المسيحيين، وعموما فهناك تساكن
وتعايش،وأحيانا هناك تحاور وتعاون بين المسلمين والمسيحيين، سواء في العالم
الإسلامي أو في العالم الغربي.
ويستدرك العالم المغربي بالقول إن معارك قامت في العالم
الإسلامي ضد العلمانية الغربية، حين تم تصديرها وفرضها قسرا على المجتمعات
والدول الإسلامية، وفي هذه الحالة -وفق المقاصدي المغربي- يصبح الغرب طرفا
متدخلا، أما العلمانية الغربية في بلدانها فليس عند أي طرف إسلامي مشكلة أو
معركة معها.
ويخلص الريسوني إلى كون مشكلة الغرب مع الطرف الإسلامي
مشكلة مركبة: دينية/سياسية، فهو يرفض الإسلام نفسه، لكن لاعتبارات سياسية،
ومشكلة المسلمين مع الطرف الغربي إنما هي مشكلة سياسية أولا وأخيرا، فالرفض
الإسلامي والعداء الإسلامي للغرب اليوم ليس ناجما عن دينه، أو صليبيته، أو
علمانيته، وإنما هو ناجم عن جرائمه وسياساته الاستعمارية العدوانية
التسلطية.
ويضيف الخبير الأول بمجمع الفقه الإسلامي: "لو كان العداء
والتوتر الإسلامي تجاه الغرب راجعا اليوم إلى أسباب ودوافع دينية أو
مذهبية، لوجدنا مثله وأشد منه موجها إلى الصين واليابان والهند وكوريا؛
باعتبار أن الخلاف الديني والمذهبي معها أشد وأعمق مما هو مع الغرب
المسيحي".
مرحلة هدنة
وقسم الريسوني علاقة المسلمين بالغرب إلى فترتين رئيسيتين:
الأولى عرفت تحسنا نسبيا وقدرا ملموسا من الهدوء والتعايش والتسامح بين
الإسلام والمسلمين وعامة الدول الغربية، وهي فترة الحرب العالمية الثانية
وما بعدها، إلى بداية الثمانينيات من القرن الماضي، معزيا هذه الحالة من
الهدوء إلى أسباب عديدة منها:
- حاجة الغرب (الحلفاء) إلى المسلمين أثناء الحرب العالمية
الثانية؛ لمواجهة القوات النازية وحلفائها، وقد كان للمسلمين مدد وأثر في
مسار الحرب ونتائجها.
- خروج الغرب من هذه الحرب بتجربة مريرة باهظة الثمن؛ بسبب
النزعة العنصرية، وبسبب ثقافة الاستعلاء والحقد والتعصب، ولذلك أقبلوا على
ثقافة التسامح والتعدد، والاعتراف بالآخر، وحقوق الإنسان.. ولاشك أن
المسلمين في الغرب قد استفادوا من هذه الأجواء الإيجابية، على الأصعدة
الاجتماعية، والثقافية، والحقوقية.
- حصول الدول الإسلامية على استقلالها وتحررها من الاحتلال
الذي مارسته عليها الدول الأوروبية لعدة عقود؛ بحيث بدت الدول الاستعمارية
وكأنها تصحح أخطاءها، وتتخلص من ماضيها الاستعماري؛ مما أحدث نوعا من
الانفراج والتصالح والارتياح لدى عامة الشعوب الإسلامية.
- كان الغرب يرى في الإسلام نفسه سدا منيعا وخصما قويا ضد
الخطر الشيوعي المتصاعد، خاصة مع حالة الضعف والتلاشي التي كانت تخيم على
المسيحية، ولا تؤهلها لدور يذكر في مواجهة المد الشيوعي، بل إن بعض الكنائس
المسيحية في أمريكا اللاتينية دخلت في تحالفات فعلية وعلنية مع الحركات
الشيوعية الثورية؛ وهذا ما أعطى امتيازا خاصا للإسلام وللقوى الإسلامية في
القدرة على التصدي للموجة الشيوعية الزاحفة آنذاك.
أسباب التحول
والفترة الثانية انقلبت بشكل متدرج منذ بداية الثمانينيات
من القرن العشرين الميلادي (مطلع القرن الرابع عشر الهجري)، وأسباب التحول
في علاقة المسلمين بالغرب تكمن وفق الدكتور أحمد الريسوني في العوامل
التالية:
- الظهور القوي للصحوة الإسلامية، وامتدادها حتى على
الساحة الغربية، ثم ظهور ما يسمى غربيا بـ "حركات الإسلام السياسي"، سواء
التي وصلت إلى الحكم، كحال إيران والسودان وأفغانستان، أو التي كادت أن تصل
أو وصلت جزئيا، كحال الجزائر وتركيا أيام نجم الدين أربكان، أو التي شكلت
قوة سياسية معارضة ومزعجة، ويخشى أن تصل إلى الحكم، كحال باكستان ومصر
وسوريا.
- قيام عدد من الجهات الغربية كنسية وإعلامية وأكاديمية
وحزبية وحكومية بإطلاق التحذيرات المتتالية والمتصاعدة من تزايد المسلمين
في الغرب، كما وكيفا وأنشطة، مع التضخيم والتهويل في تصوير «مخاطرهم» على
المجتمعات الغربية وهوياتها وأوضاعها، حتى بدأ بعضهم يتحدث عن الجمهورية
الإسلامية في فرنسا، وبعضهم يتحدث عن أسلمة أوروبا.
واستشهد الريسوني بمقال كتبه قبل فترة قصيرة الصحفي
الإسرائيلي الشهير «إيتان هابر» تحت عنوان: «القارة المحجبة»، تخويفا
وتحريضا للأوروبيين ضد الإسلام والمسلمين، وقد عمل هذا الرجل لسنين طويلة
مراسلا عسكريا ومحللا أمنيا لـ «يديعوت أحرونوت»، ثم عمل بعد ذلك مستشارا
لرئيس الوزراء الصهيوني إسحاق رابين، ورئيس مكتبه وكاتب خطاباته.
- سقوط المعسكر الشرقي وزعيمه الاتحاد السوفيتي، ونهاية
الخطر الشيوعي، وهو ما يعني نهاية الاحتياج الغربي للإسلام والمسلمين في
هذه المعركة، بل إن عددا من الزعماء والساسة الغربيين تسارعوا إلى الإعلان
بأن العدو الجديد والخطر الجديد، الذي يهدد الغرب، إنما هو الإسلام والعالم
الإسلامي.
أمراء السياسة والحرب
وتبدو ملامح التناحر بين طرفي العلاقة: المسلمين والغرب
جلية بادية للعيان، ليتساءل عالم المقاصد المغربي: هل هناك سبيل إلى تغيير
هذه الصورة أو تخفيف سوادها؟
وجوابا على هذا السؤال يحلل الريسوني في مقاله بجريدة
المساء قضية الحوار الإسلامي الغربي وشروطه وضوابطه، معتبرا أن تصوير علاقة
المسلمين بالغرب تعكر صفوها مشكلة حضارات وثقافات وأديان تحتاج إلى أن
تلتقي وتتحاور، أو تحويل القضية إلى قضية «التقريب بين الأديان»، أو «وحدة
الأديان»، أو «حوار الحضارات»، أو «تحالف الحضارات»، تصوير وطرح يؤدي إلى
إخفاء القضية الحقيقية والإشكال الحقيقي.
فالمشكلة القائمة، بالنسبة للعالم المغربي، هي أن هناك
قتلا وقتالا، وإرهابا واحتلالا، وخطفا واغتيالا، وتدميرا وتفجيرا، وهناك
حروب وصراعات سياسية، بأشكال متعددة وفي أماكن متعددة، وهناك حيطة وريبة،
وشك وحذر، حصار وعقوبات، فعل ورد فعل.. وهذا كله ليس جاريا بين الحضارات
والثقافات، وإنما هو جار بين السياسيين والمقاتلين وبسببهم، وجار على صعيد
الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وجار في وسائل الإعلام التابعة أو
المنحازة للسياسيين والحزبيين والحربيين".
لهذه الأسباب، تشكلت لدى المتحدث قناعة مفادها أنه "لا
نستطيع أن نفعل شيئا كثيرا، أو شيئا مؤثرا، أو شيئا حاسما؛ لأن القرار عند
السياسيين وعند المسلحين، وعند أمراء السياسة وأمراء الحرب".
واعتبر الريسوني أن ممارسة الحوار في هذا المجال، وصياغة
الحلول القابلة للتنفيذ والنجاح، هي مهمة المسئولين والقادة السياسيين،
وبعض القادة الدينيين، وسائر الفاعلين الحقيقيين في توجيه الأحداث، أي
الذين يقررون، والذين يؤثرون، مستدركا أن الذي يبدو جليا هو أن قادة الغرب
وحكامه ليسوا مستعدين لأي حوار جدي مع العالم الإسلامي، وأنهم يفضلون
التعامل معه من موقع المنتصر المستغني؛ أما حكام المسلمين فليسوا مؤهلين
ولا قادرين على الحوار مع الغرب، وليس ذلك راجعا لأفرادهم ومؤهلاتهم
الشخصية، وإنما لمكانتهم ووضعيتهم الداخلية والدولية".
القنوات الحقيقية للحوار
ولفت الريسوني الانتباه إلى أن هذا الوضع القائم لا يعني
أبدا إغلاق قنوات الحوار بين الطرفين، بل يجب طرق الباب وقرعه مرات عديدة،
لكن على مستويات أكثر تأثيرا من مستويات تمثيلية شخصية لرؤساء وملوك ورموز
دينية، لهذا يرى أنه يمكن لعدة دوائر ومستويات وتخصصات أن تسد الحاجة
الكبيرة والملحة للحوار والتفاهم والتعاون بين العالم الإسلامي والعالم
الغربي، منها:
- الدوائر الدينية ذات الفاعلية والمصداقية والتأثير، وفي
مقدمتها الحركات الإسلامية، والمنظمات الكنسية التبشيرية، ولاحظ العالم
المقاصدي مثلا على حركة الإخوان المسلمين، وهي ذات تاريخ طويل وامتداد عريض
عبر العالم، أنها لم تبادر يوما للدخول في حوار مبرمج ومنتظم مع أطراف
دينية أو سياسية غربية، حول علاقة الإسلام بالغربيين والمسيحيين، أو حول
القضية الفلسطينية، أوحول مستقبل الدين ورسالته في عالم اليوم وعالم الغد،
أو حول وضع الأقليات المسيحية في العالم الإسلامي، ووضع الأقليات الإسلامية
في العالم الغربي، أو حول قضية الإرهاب والتطرف.. والمثال ينسحب أيضا، يشير
الكاتب، على أمثالهم من الحركات والفعاليات الإسلامية والأخرى المسيحية..
فعادة حينما يذكر الحوار المسيحي الإسلامي يذكر شيخ الأزهر، ووزراء
الأوقاف، والمستشار الديني أو الثقافي لصاحب الجلالة أو الفخامة أو السمو،
وبعض ذوي الألقاب العلمية والأكاديمية.. وهؤلاء ليس لهم تأثير يذكر في سير
الأحداث وتوجيه الرأي العام، فهم لا يصنعون شيئا، ولا يمنعون شيئا، ولذلك
لا تكاد حواراتهم تتجاوز الجدران التي كانوا يتحدثون داخلها.
- المنظمات الحقوقية الدولية منها والمحلية، وهي مؤهلة،
وفق الريسوني، لإجراء حوارات وتبَنِّي مواقف وتوجهات تؤثر إيجابيا في واقع
العلاقة بين المسلمين والغرب، فلا ينبغي أن يقتصر دورها على رصد الانتهاكات
الحقوقية وإدانتها، بل يمكنها وينبغي لها أن تكون شريكا فعليا في صنع واقع
أفضل، وفي صنع أرضيته وشروطه، وينبغي أن تتجاوز المجال الحقوقي للأفراد
والمجموعات، إلى مفهوم أوسع وأرفع لحقوق الإنسان؛ مفهوم يركز على حقوق
الكائن البشري والجنس البشري، وعلى حقوق الأمم والشعوب.
- الصحفيون: يقول الريسوني: إن الحوار بين الصحفيين
المسلمين والغربيين، بمؤسساتهم ومنظماتهم، وبخبراتهم ودقة متابعاتهم، وبقوة
تأثيرهم في الرأي العام، يمكن أن يشكل جزءا طليعيا من الحوار بين الشرق
والغرب، وجزءا من صناعة العلاقة المنشودة بين العالمين الإسلامي والغربي،
علاقة الاعتراف المتبادل، وعلاقة الاحترام والتفاهم والتعاون، فمن المفيد
ومن الضروري أن يتجاوز الصحفيون وظيفة تغطية الأحداث وتحليلها، إلى وظيفة
صنع الأحداث وتوجيهها، وإلا فلا معنى، يردف الريسوني، لوصف مهنتهم بأنها
«سلطة»، وبأنها «صاحبة جلالة».
- الجامعة والجامعيون: فالجامعيون، يؤكد الفقيه المغربي،
هم أقرب الناس إلى المعالجة المنهجية والعقلانية للأمور، ولذلك فهم أكثر
أهلية للتقويم الفكري والعلمي الأكثر حيادية وموضوعية للعلاقات الإسلامية
الغربية، وهذه هي الإضافة النوعية للدور الجامعي في هذا المجال، ومن
الإضافات النوعية التي يمكن أن يضطلع بها الجامعيون ومؤسساتهم: تأسيس مراكز
وأقسام قادرة على البحث والتكوين والتدريب في موضوعنا ومجالنا، فهناك نقص
كبير عند المسلمين في الدراسات والأبحاث والمؤسسات المتخصصة في شئون العالم
الغربي وفي العلاقة معه، بينما هم يعرفون عنا الشاذة والفاذة. |